يتسبب قرب ولادة حكومة جديدة برئاسة فتحي باشاغا، دون انسحاب حكومة عبدالحميد الدبيبة، في إرباك لدى القوى الدولية الفاعلة في الشأن الليبي؛ إذ تحاول هذه القوى مسك العصا من المنتصف مع عدم القطع بصورة نهائية موقفها من تأييد أحد «الرئيسين» اللذين يشكلان لبعض الأطراف ميزان اختبار من يحفظ أكثر المصالح والنفوذ.
ومع جولات باشاغا المتوقع أن يقوم بها الإثنين المقبل، حسبما كشف فتحي المريمي المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، غيرت الأمم المتحدة حدة نبرتها عن أول مرة حين أعلن عن اختيار وزير الداخلية السابق بديلاً عن الدبيبة المتمسك بمنصبه، فأصبحت تتحدث عنهما دون التشديد على التمسك بالأخير مع ترك الخيار للشعب الليبي أولاً، وقد يكون هذا الموقف هو السائد بين مختلف القوى الفاعلة على خلاف روسيا ومصر.
ومن المفارقات في الصراع المتفجر في أعقاب إبعاد الدبيبة من قبل مجلس النواب بالتشاور مع مجلس الدولة، أن رئيس حكومة الوحدة الموقتة يعد حليفاً وثيقاً لتركيا وباشاغا أيضاً ليس بغريب عنها.
وفيما امتنعت أنقرة عن إبداء أي موقف صريح بالخصوص، يعتقد محللون أن رئيس الحكومة الجديد قد يساهم في إنجاح مساعيها في تحقيق السلام مع شرق ليبيا.
وتحدى الدبيبة اتجاه البرلمان الرافض لحكومته منذ فترة، مستنداً إلى دعم تركيا وضمانات أميركية ومن عدة دول أوروبية بدعوى أن السلطة الموازية ستعرقل الجهود المبذولة لتوحيد ليبيا.
لقاء في الإمارات مؤثر على ليبيا
ومن مؤشرات تليين أنقرة مواقفها زيادة تقاربها مع دول الخليج بعد خلافات حول ملفات إقليمية منها ليبيا وسورية، فقد استقبل ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في قصر الوطن بأبوظبي، يوم الإثنين الماضي في أول زيارة للرئيس التركي للإمارات العربية المتحدة منذ 10 سنوات، في حين سبقت زيارته اتفاق الطرفين على إنهاء الصراع الليبي والانفتاح على سلطات شرق البلاد، والذي جاء بعده تشكيل حكومة توافقية جديدة برئاسة فتحي باشاغا.
للاطلاع على العدد 326 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويرى مراقبون أتراك أن المدة التي يمكن أن تستمر فيها مقاومة الدبيبة تعتمد الآن على القوى الأجنبية التي اعترفت بالقيادة الحالية في فبراير من العام 2021، أما الفاعلون الدوليون المؤيدون الآن بقاءه حتى الانتخابات الرئاسية والتشريعية قد يغيرون مواقفهم لمواجهة التطورات على الأرض.
دور التشكيلات المسلحة
في السياق، يؤكد تقرير لموقع «المونيتور» الأميركي يوم الإثنين، إن العامل الرئيسي الآخر سيكون الجماعات المسلحة في العاصمة طرابلس التي قد تسبب بعض المتاعب لباشاغا، فيما قد يسبب الموالون للأخير في العاصمة ومدينة مصراتة مشاكل للدبيبة، في وقت يزعم فيه البعض أنه لا يمكن لأي رئيس حكومة أن يتولى زمام الأمور بالعاصمة من دون مباركة تركيا.
بينما أشار التقرير إلى أن أنقرة أدركت بالفعل أن معسكر طرابلس مصراتة أصبح غير مستقر للغاية؛ بحيث لا يمكن الاعتماد عليه.
كما أن النقد الرئيسي الذي واجهته أنقرة بشأن ليبيا هو أنها أصبحت طرفاً في الحرب ووضعت كل بيضها في سلة واحدة ما يعرض المصالح الوطنية للخطر؛ فبعد كل شيء فشل الأتراك في ضمان اتفاقيتي التعاون العسكري والحدود البحرية اللتين وقعتهما مع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق.
انحسار الدور التركي
في المقابل، فإن العاصمة طرابلس لم تعد مكاناًَ يمكن لتركيا أن تؤثر فيه على مجرى الأحداث، في وقت يبدو فيه أن رئيس مجلس الدولة خالد المشري المقرب من أنقرة يعيد تعديل موقفه أيضاً، أما الحوار مع المعسكر الشرقي في ليبيا فأصبح أمراً لا مفر منه وسط الديناميكيات المتغيرة.
للاطلاع على العدد 326 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
على عكس أنقرة، حسمت موسكو موقفها بسرعة فأبدت ارتياحها لقرار مجلس النواب وتزكية مجلس الدولة بشأن ترشيح فتحي باشاغا رئيساً جديداً للحكومة، ورأت وجوب احترام هذا الخيار من قبل النواب الليبيين، وألا تؤدي التناقضات القائمة بين الليبيين إلى صراع خطير.
وعبرت على لسان الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، عن تطلعات روسيا في أن تكون الحكومة الليبية الجديدة، قادرة على توحيد المجتمع الليبي، بما يساعد على التعامل بنجاح مع المهام الصعبة للفترة الانتقالية، بما في ذلك الاستعدادات لإجراء انتخابات وطنية.
موقف أميركي متريث
لكن واشنطن تفضل مطابقة آرائها مع الموقف الأممي؛ إذ حث المبعوث الخاص سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند جميع القادة الليبيين على التهدئة وخفض التوتر الذي يمكن أن يؤدي إلى العنف، كما أنها تستعجل إجراء الاستحقاقات، وعدم إغفال «إرادة غالبية الشعب الليبي الذين يرغبون في اختيار قيادتهم من خلال انتخابات حرة ونزيهة»، وهو ما جاء في تصريح نورلاند خلال اجتماعه، الإثنين، مع أعضاء مجلس النواب عن الجنوب من أعضاء تكتل فزان النيابي.
بالموازاة، أعلنت القاهرة دعمها لمجلسي النواب والدولة والحكومة الناتجة عن تحالفهما، فقد قال وزير الخارجية المصري سامح شكري في مؤتمر صحفي مع نظيرته الألمانية إن القاهرة على اتصال مع كل الأطراف الليبية لتعزيز الاستقرار، وإن بلاده متفاعلة مع شركائها الدوليين للوصول إلى الانتخابات التي تأتي بحكومة منتخبة شرعية.
وفي هذا السياق، ثمّن السفير أحمد حافظ الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية في بيان صحفي دور المؤسسات الليبية واضطلاعها بمسؤولياتها، بما في ذلك ما اتخذه مجلس النواب من إجراءات بالتشاور مع مجلس الدولة وفقاً لاتفاق الصخيرات، آخذاً في الاعتبار أن مجلس النواب الليبي هو الجهة التشريعية المنتخبة والمعبرة عن الشعب الليبي الشقيق، والمنوط به سن القوانين ومنح الشرعية للسلطة التنفيذية وممارسة دوره الرقابي عليها.
وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أجرى محادثات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائهما في مدينة بريست الفرنسية الجمعة الماضي وبحثا مستجدات الأوضاع في ليبيا وتضافر الجهود لتحقيق الأمن والاستقرار في البلد.
بدوره، صرح وزير الخارجية الإيطالي لويغي دي مايو خلال لقاءه نظيره القطري، محمد بن عبدالرحمن آل ثاني بروما بأن إيطاليا وقطر تواصلان مراقبة الوضع السياسي الليبي الداخلي عن كثب في ضوء التطورات في الأيام الأخيرة، وندعو جميع الفاعلين الليبيين إلى التعامل بأقصى قدر من الشفافية والنزاهة والشمولية من أجل مصلحة الوطن ووحدته واستقراره.
وفي السياق، أكد التقرير السنوي للجنة البرلمانية لأمن إيطاليا على ضرورة حفاظ روما على وجود فعال في ليبيا، على غرار مستشفى مصراتة وأنشطة تدريب خفر السواحل، معتبراً أن ذلك من أولويات المصالح الإيطالية، مضيفاً أن هذه المصالح تتعلق بإمدادات الطاقة، وكذلك إدارة تدفقات الهجرة غير القانونية.
توصيات غربية
وبهدف تجنب الانقسام في ليبيا، قدم معهد واشنطن لصناع القرار في الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين عدة توصيات لإعادة البلاد إلى المسار الانتخابي، يتعين عليهم تبني استراتيجية من أربعة محاور لاستعادة احتمالات إجراء انتخابات شرعية تستند إلى الدستور؛ يتصدرها الحث على بقاء حكومة الوحدة الموقتة المعترف بها دولياً، «إذ لا يمكن لمجلس النواب استبدالها بمجرد إجراء تصويت واحد مشكوك فيه من الناحية القانونية والإجرائية، ويجب على المسؤولين الغربيين أن يوضحوا بشكل خاص وعلني أن وجهات نظرهم حول تلك الحكومة لن تتغير ما لم تقبل جميع الجهات الفاعلة المحلية تسليماً سلمياُ للحكومة الجديدة–وإلا فإن النتيجة ستكون حكومة غير معترف بها ذات سلطة محدودة، والأهم من ذلك كله ذات جدوى مالية محدودة».
للاطلاع على العدد 326 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ما أوصى المعهد الغرب بدعم عملية تتوسط فيها الأمم المتحدة لوضع أساس دستوري متفق عليه وجدول زمني للانتخابات، وفي المقابل، وبحسب المعهد، يجب على مؤيدي ليبيا الحفاظ على الزخم الحالي على المسارين الاقتصادي والأمني، كما يمكن للحوار الذي يهدف إلى توحيد المصرف المركزي الليبي بفرعه الشرقي المنشق، أن يعيد الرفاهية الاقتصادية للبلاد، وينهي بعض الممارسات التي زرعت الانقسام، مثل دفع رواتب الجماعات المسلحة بوسائل غير مشروعة، علاوة على ذلك، لا يمكن أن تتحقق الوحدة دون تعزيز الحوار الأمني الذي يهدف إلى ترسيخ وقف إطلاق النار في أكتوبر العام 2020، وإبعاد القوات الأجنبية، وإعادة هيكلة قوات مسلحة وطنية موحدة.
ومن شأن انقسام الحكومة أن يعرض هذه الخطوات للخطر وإلى ذلك يتعين على واشنطن الضغط من أجل قبول دولي أوسع لخارطة طريق انتقالية متفق عليها من خلال الاستفادة من ذوبان الجليد في العلاقات بين تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة، وهي الجهات الفاعلة الرئيسية التي كانت على طرفي نقيض من النزاعات الليبية الأخيرة، وفق المعهد.
تعليقات