توابع «جمعة الهروب»: تقسيم فئوي للمهاجرين.. وانتقادات دولية

مهاجرون يترقبون مصيرهم من الترحيل أو البقاء في ليبيا. (الإنترنت)

قفز ملف المهاجرين غير الشرعيين المحتجزين في ليبيا، إلى صدارة الاهتمام الدولي والمحلي مجدداً، بعد واقعة الهروب الجماعي لحوالي ألفي مهاجر كانوا محتجزين في مركز إيواء المهاجرين بمنطقة غوط الشعال بطرابلس مساء الجمعة، وقبلها بيومين فرار 500 مهاجر من مركز غريان.

ودعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، السلطات الليبية إلى إطلاق جميع المهاجرين و«وقف إجلائهم»، واعتبرت أن بعض الانتهاكات ضد المهاجرين المحتجزين قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

للاطلاع على العدد 308 من جريدة «الوسط».. اضغط 

من جهتها، قالت حكومة الوحدة الوطنية الموقتة إنها تتعامل مع «مسألة معقدة متمثلة في ملف الهجرة غير الشرعية»، لما يمثله من مأساة إنسانية، إضافة إلى تبعاته الاجتماعية والسياسية والقانونية محلياً ودولياً. جاء ذلك تعليقاً على الأحداث التي شهدها مركز إيواء المهاجرين بمنطقة غوط الشعال بمدينة طرابلس مساء الجمعة.

فرار ألفي مهاجر
كان مدير مكتب المنظمة الدولية للهجرة في طرابلس، فيديريكو سودا، أعلن فجر الجمعة، مقتل ستة مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء على يد «حراس ليبيين بالرصاص في مركز احتجاز» في العاصمة. فيما أكدت وزارة الداخلية فرار عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة من مقر الإيواء الخاص بهم بمنطقة غوط الشعال في طرابلس، مقدرة أعدادهم بنحو ألفي شخص.

الحكومة من جهتها أوضحت في بيان، الأحد، أن وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية المعنية عملت على إعادة توزيع مجموعات كبيرة منهم على مراكز إيواء أخرى، وإطلاق سراح العائلات التي احتُجزت داخل المركز والتزامها بأقصى درجات المسؤولية وعدم استخدام العنف ضدهم.

تزايد أعداد المهاجرين
الحكومة اعتبرت أن «الانقسام السياسي والمؤسسي الذي عانت منه بلادنا أثر سلباً على إيجاد حل مناسب لهذه القضية»، لافتة إلى أن هذا «الملف شهد تطورات في الآونة الأخيرة بسبب تزايد أعداد المهاجرين الذين يرغبون في العبور إلى الضفة الأخرى، وعدم قدرة الحكومة الليبية على استيعابهم؛ الأمر الذي يتطلب تدخل جميع الأطراف سواء وكالات الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية العاملة على هذا الملف وتقديم الخدمات الأساسية لهم أينما وجدوا».

البيان شدد على أن سياسة ليبيا تجاه قضية الهجرة غير الشرعية تتفق مع «التزامنا بمبادئ القانون الدولي الإنساني والاتفاقات المعنية بهذه المسألة، وقبل كل ذلك على قيم الرحمة والمساعدة التي يؤمن بها الليبيون الذين لا تمثل غالبيتهم المتسامحة أي ممارسة عدائية أو عنصرية تطال المهاجرين والفئات الضعيفة ممن أُرغموا على البقاء في ليبيا، بسبب عدم وجود سياسات أو اتفاقات أممية وإقليمية تنظم حركتهم وانتقالهم خارج ليبيا وتتيح لهم فرص حياة أفضل».

ثلاث فئات للمهاجرين في ليبيا 
وقال البيان إن حكومة الوحدة صنّفت المهاجرين والموجودين من جنسيات أجنبية إلى ثلاث فئات، بناء على أنشطتهم داخل ليبيا، أبرزهم الفئة التي وجهتها أوروبا، وبالنسبة لهم ليبيا بلد عبور، وما لم يكن هناك تعاون حقيقي وفعال من الاتحاد الأوروبي، فإن معاناة هذه الفئة مستمرة، ولن تتحمل ليبيا عبء عدم توحد الرؤى تجاه هذا الملف.

وأكدت الحكومة أنها تتعامل مع الفئة الثانية والمتمثلة في المهاجرين الراغبين في الانخراط بسوق العمل وتلبي متطلباتهم المعيشية، من خلال توجيهها ومتابعتها المستمرة لخطة وزارتي العمل والداخلية لضبط وتنظيم وجودهم بسوق العمل الليبية، وفق أقصى درجات المسؤولية لضمان حقوقهم وكذلك تصحيح أوضاعهم القانونية وفقاً لقوانين الإقامة والعمل المعمول بها في ليبيا.

الفئة الأخطر بين المهاجرين 
أما الفئة الثالثة، فجددت الحكومة موقفها «المتشدد والحازم إزاء أي أنشطة إجرامية قد تتورط بها مجموعات من المهاجرين الذين يمثلون الفئة الثالثة، أو تتورط مع مجموعات محلية في أي أنشطة تهدد حياة المهاجرين أو المواطنين»، وقالت إن هذه الفئة من المهاجرين تتعامل معهم وفقاً لالتزامات ليبيا بكل المواثيق الدولية الراعية لحقوق الإنسان. وشددت على أنها تواصل تصنيف المهاجرين وفقاً لأنشطتهم حماية لهم وسلامة للمواطنين.

الحكومة جددت تأكيدها على أنها «لن نتخلى عن تأدية واجبها الإنساني تجاه المهاجرين المتواجدين على أرضنا، وندعو المنظمات الدولية والإقليمية إلى العمل بجدية، ووضع خطط ناجحة المعالجة هذا الملف». واختتم البيان: «نطمئن جميع الدول التي لديها أعداد من المهاجرين بمركز الإيواء بمدينة طرابلس بأن ظروفهم الصحية والمعيشية جيدة ولا صحة لكل ما يشاع بخصوصهم».

من جهته، زار النائب بالمجلس الرئاسي، موسى الكوني، السبت، مركز إيواء عين زارة للاطمئنان على نزلاء المركز من المهاجرين، وفق ما نشرت الناطقة باسم المجلس الرئاسي نجوى وهيبة، على حسابها بموقع «تويتر». وأكد الكوني، الذي كان يتوسط عدداً من المهاجرين في بعض الصور التي نشرتها وهيبة، أنهم «ضيوف ليبيا، وليس من أخلاق الليبيين إيذاء ضيوفهم».

كان وكيل وزارة الداخلية لشؤون المديريات اللواء بشير الأمين، أعلن الجمعة، فرار عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة من مقر الإيواء الخاص بهم بمنطقة غوط الشعال بالعاصمة طرابلس. ونقلت وكالة الأنباء الليبية (وال) في طرابلس عن اللواء بشير الأمين القول إن عدداً من الدوريات والمفارز التابعة للشرطة باشرت عملياتها الأمنية للبحث وإعادة المهاجرين غير الشرعيين الذين فروا الجمعة، موضحاً أن عدد الفارين لا يتجاوز الألفي شخص، وليس كما تتناقله بعض الوسائل الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي .

شهود عيان: لا سماع لدوي إطلاق نار خلال ملاحقة المهاجرين الفارين من مقر الإيواء 
لكن شهود عيان من أهالي وسكان المنطقة نفوا سماع أو وقوع أية حوادث لإطلاق النار خلال ملاحقة المهاجرين الفارين لإعادتهم إلى مقر الإيواء، خاصة وأن عملية الفرار كانت سلمية، وأن المهاجرين كانوا يريدون من عملية الفرار هذه إيصال مطالبتهم للمفوضية الدولية لشؤون اللاجئين لترحيلهم من ليبيا.

وسارعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إلى مطالبة السلطات الليبية بإطلاق جميع المهاجرين و«وقف إجلائهم»، كما دعت إلى إجراء تحقيق في «مزاعم الاستخدام غير الضروري للقوة ضدهم» في عدة وقائع، منها أحداث قرقارش الأخيرة.

وقالت الناطقة باسم المفوضية مارتا هورتادو، في تصريحات صحفية حول الوضع في ليبيا، منشورة على الموقع الإلكتروني للمفوضية، الثلاثاء، إن المفوضية رصدت «زيادة ملحوظة» في العمليات الأمنية «القاسية» التي تستهدف المهاجرين في ليبيا، مضيفة أن تلك العمليات أدت إلى «سقوط قتلى ومصابين بجروح خطيرة»

وتابعت هورتادو: «تزايدت حالات اعتقال (المهاجرين) في ظروف مروعة، فضلاً عن طرد أفراد إلى بلدان أفريقية جنوب الصحراء دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، في انتهاك لمبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر الطرد الجماعي».

أحداث المداهمة الأمنية لمنطقة قرقارش 
وتناولت المداهمة الأمنية التي استهدفت منطقة قرقارش، مطلع أكتوبر الجاري، قائلة إن المكان الواقع غرب طرابلس، يعيش فيه مئات المهاجرين، بينهم مسجلون في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مكملة: «جرى القبض على النساء والأطفال والرجال وتقييد أيديهم، واستخدمت قوات الأمن القوة غير الضرورية وغير المتناسبة لاحتجازهم، بما في ذلك إطلاق النار وضرب من قاوموا أو حاولوا الفرار، ونتيجة لذلك، تُوفي شخص واحد على الأقل، وأصيب خمسة آخرون، واعتقل أكثر من أربعة آلاف».

وأشارت إلى نقل الموقوفين إلى مركز تديره الحكومة في طرابلس حيث «احتُجزوا في زنازين شديدة الاكتظاظ، مع قلة فرص الحصول على الطعام أو الماء»، ثم في اليوم الثاني من أكتوبر نقل المئات إلى مركز إيواء في غريان، ويعيشون هناك «في ظروف غير صحية، مع قلة فرص الحصول على الطعام أو الماء».

وتطرقت هورتادو إلى واقعة فرار 500 مهاجر من مركز غريان في السادس من أكتوبر، قائلة إن حراس المركز «طاردوهم، وفتحوا النار عليهم مستخدمين الذخيرة الحية، وبحسب المعلومات الأولية ، قُتل نحو أربعة أفراد بالرصاص، وأصيب كثيرون»

وفي الثامن من أكتوبر، حدث «هروب جماعي من مركز آخر، ومجدداً، أطلق رجال الأمن النار على المهاجرين، ما أدى إلى إصابة وقتل عدد غير معروف، وقد أوقف الكثيرين، واقتيدوا إلى مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية»، حسب الناطقة باسم المفوضية.

وعلقت قائلة إن «هذه السلسلة من الأحداث المروعة، على مدى ثمانية أيام، ليست سوى أحدث مثال على الوضع غير المستقر، والمؤدي إلى الموت في بعض الأحيان، الذي يواجه المهاجرين في ليبيا».

«جرائم ضد الإنسانية»
وأكملت: «يتم تجريمهم فقط بسبب وضعهم كمهاجرين؛ واحتجازهم بشكل روتيني في ظروف بغيضة؛ وكثيراً ما يتعرضون للابتزاز وسوء المعاملة، وفي بعض الحالات للقتل، ونلاحظ أن التقرير الأخير للبعثة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن ليبيا خلص إلى أن الانتهاكات الواسعة النطاق والممنهجة، التي يعاني منها المهاجرون في البلاد، يمكن أن ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية».

ونبهت إلى وعد حكومة الوحدة الوطنية الموقتة بإطلاق بعض المهاجرين في مركز إيواء، مردفة: «لكننا نتذكر أنه ما كان ينبغي احتجازهم في المقام الأول، ونذكّر السلطات بأن عليها واجب حماية كل شخص على أراضيها، بما في ذلك المهاجرون».

ودعت هورتادو السلطات الليبية إلى «إجراء تحقيقات فورية وشاملة ونزيهة ومستقلة في مزاعم الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة، بما في ذلك مزاعم القتل على أيدي قوات الأمن والجماعات المسلحة التابعة لها، بهدف محاسبة المسؤولين، وللضحايا الحق في العدالة والتعويضات».

أيضا طالبت الناطقة الأممية السلطات في ليبيا بإطلاق جميع المهاجرين، ووقف المداهمات على أماكنهم، ووقف إجلائهم، والتوقف عن تجريمهم، مشجعة إياها على «إصلاح التشريعات لإلغاء تجريم دخول الأشخاص وإقامتهم وخروجهم بشكل غير قانوني».

للاطلاع على العدد 308 من جريدة «الوسط».. اضغط 

أضافت: «كما ينبغي للسلطات وقف عمليات الطرد والترحيل القسري للمهاجرين، التي لا تمتثل لحقوقهم في الإجراءات القانونية الواجبة، والتي تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر الطرد الجماعي».

الناطقة باسم المفوضية السامية اختتمت بقولها: «ينبغي على الحكومة أن تساعد جميع الأسر المنفصلة، وأن تقوم على وجه السرعة، بإيواء المهاجرين في ظروف مناسبة وآمنة، مع ضمان الحصول على الرعاية الصحية الملائمة والغذاء والمياه والصرف الصحي، ويجب أن يكون لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية حق الوصول إلى مراكز الإيواء».

المزيد من بوابة الوسط