بعضها غريب وآخر صادم.. ثورة 17 فبراير في اعترافات قادة دول غربية

أوباما وساركوزي وميدفيديف وبرلسكوني (من اليمين)، (أرشيفية: الإنترنت)

مع حلول الذكرى السنوية العاشرة للثورة في ليبيا التي أطاحت معمر القذافي، لتتجدد معها الأسئلة حول هويتها وظروفها، وهو ما تثيره اعترافات قادة دول لم يخلُ بعضها من الغرابة، فالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يعترف بما يصفه أكبر خطأ ارتكبه في منطقة الشرق الأوسط خلال ولايته وبالتحديد في ليبيا، ففي كتابه الجديد «أرض الميعاد» الصادر أواخر العام الماضي تطرق بإسهاب إلى ثورة 17 فبراير، مستحضراً ذكرياته مع التدخل العسكري في ليبيا.

وبعدما وصف القذافي بـ«الشخص غريب الأطوار وغير المتوازن»، قال أوباما في كتابه إن أميركا دعته إلى التنحي عن السلطة، عندما بدأت الأحداث تشتد في ليبيا، لأنه فقد الشرعية بسبب ارتكابه جرائم كثيرة في حق المدنيين. موضحاً أن خيار بلاده الأول لم يكن التدخل العسكري في ليبيا، حيث تم الاكتفاء بتسليط عقوبات اقتصادية، إضافة إلى تجميد «مليارات الدولارات» التابعة للقذافي وعائلته في عدة بنوك، مؤكدا وجود تردد كبير بشأن التدخل العسكري في هذا البلد.

 رأي أوباما
وأرجع أوباما هذا التردد إلى سببين، أولهما أن الوضع في ليبيا لم يكن يمثل تهديداً لمصالح الولايات المتحدة الأميركية، وثانيهما هو تورط أميركا في الحرب في أفغانستان وفي العراق، وبالتالي فإن الدخول في حرب جديدة غير ممكن. وذكر أن نائبه «جو بايدن» وهو الرئيس الحالي كان أيضاً ضد التدخل الأميركي في ليبيا ونصحه بأن التدخل يعتبر «نوع من الجنون« واعتبر أن خطاب القذافي في 22 فبراير 2011، الذي ردد فيه عبارته الشهيرة «زنقة زنقة.. دار دار»، كان نقطة مفصلية تجاه الثوار الليبيين.

وأكد الرئيس السابق تعرضه إلى عدة ضغوط تتعلق بالتدخل العسكري في ليبيا وبعد جملة من المشاورات تم التوصل إلى اتفاق بين 3 أطراف وهي الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية. ووفقاً لهذا الاتفاق الثلاثي تولت الولايات المتحدة قصف الدفاعات الجوية للقذافي كي لا يتمكن من رد الفعل، فيما قامت الدول الأوروبية بقصف قوات القذافي على الأرض لمنعه من التقدم نحو بنغازي، فيما كانت مهمة الدول العربية تتمثل في تقديم الدعم اللوجيستي.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 274 من جريدة «الوسط»
وأشار أوباما بغرابة إلى الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قائلاً: «ما أثار استغرابي هو حب ساركوزي المفاجئ تجاه الشعب الليبي ودفاعه عنه». مضيفاً: «لقد كانت ردة فعل ساركوزي بسبب النقد الكبير الذي وُجه له إثر دعمه للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، إلى آخر رمق... لذلك أراد أن يصلح خطأه في تونس بالتصعيد في ليبيا».

وفي مقابلة سابقة مع قناة «فوكس نيوز»« الأميركية في 2018 اعترف الرئيس الأميركي السابق عن أسوأ خطأ ارتكبه «ربما يكون الفشل في التخطيط ليوم ما بعد التدخل في ليبيا»، لكنه أكد أن «التدخل كان الشيء الصحيح الذي يجب فعله».

شهادة غريبة من ساركوزي
ويسرد نيكولا ساركوزي في تصريحات له تفاصيل العملية العسكرية التي قادتها بلاده العام 2011 قائلاً: «نحن من أوقف رتل الجيش الليبي تجاه بنغازي، و«كان بإمكان الجيش الليبي السيطرة على مصراتة من الشهر الأول». الرئيس الفرنسي الأسبق أشار إلى أن الطائرات الفرنسية دمرت 90 % من القوة العسكرية للنظام السابق، وقصفت رتل القذافي بسرت، مضيفاً أن دور «الثوار» كان لوجستياً، واقتصر عملهم على التقدم بعد عمليات المسح التي أجراها الطيران الفرنسي.

ويعكس تلهف ساركوزي للتدخل عسكرياً في ليبيا سعيه لدفن فضيحة حصوله على رشوة من القذافي تقدر بنحو خمسين مليون يورو لتمويل حملته الانتخابية الرئاسية التي فاز فيها العام 2007، لكن الحقيقة ظهرت بعد سنوات لتجره إلى المحاكم بتهمة «تكوين جماعة أشرار». ونشر سيدني بلومنتال مستشار كلينتون خفايا أخرى عبر مراسلات في بريد وزيرة الخارجية الأميركية في عهد أوباما، هيلاري كلينتون، الإلكتروني حول دعم المخابرات الفرنسية أطرافاً ليبية في بنغازي أوائل 2011 طمعاً في تفضيل الشراكات الفرنسية في مختلف صفقات الدولة الليبية مستقبلاً.

كاميرون يدافع عن «نجاح» بريطاني في ليبيا
بدوره يكشف حليف ساركوزي الرئيسي آنذاك رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ديفيد كاميرون، الذي تولى منصبه منذ 11 مايو 2010 حتى استقالته في 13 يوليو 2016، الكثير من كواليس الثورة في ليبيا عبر كتابه «للتاريخ» صدر في 2019 الذي يدافع من خلاله على «نجاح» بريطانيا مع فرنسا وأميركا في منع قوات القذافي من الدخول إلى بنغازي أثناء الثورة الليبية وتجنيبها مذبحة مروعة مثل مذبحة سربرنيتشا، مضيفاً أنه لم يذق طعماً للارتياح النفسي مثلما حدث في يوم 20 مارس 2011 عندما كان يخطط القذافي لإبادة الثوار في بنغازي. وأوضح كامرون أنهم كانوا بحاجة إلى القوة العسكرية الأميركية من القوة الجوية إلى الاستخبارات، وهذا يعني إقناع باراك أوباما بالمشاركة، فقد تم انتخاب أوباما على تعهده بالنأي ببلاده عن النزاعات الخارجية، بدلاً عن بدء نزاعات جديدة، مضيفاً أنه كان يخشى أن يفي أوباما في ليبيا بما التزم به في الانتخابات، وكان لديه - أي كاميرون- شعور واضح بأن القوة العظمى في العالم كانت مترددة، بينما كانت بنغازي على وشك الاحتراق.

وبعد معركة بمجلس الأمن انتهت بإصدار البيان الأممي رقم 1973 بحماية المدنيين الليبيين في ذلك اليوم، لقى كاميرون رد أوباما بأن واشنطن ستساعد خلال الأسبوع الأول فقط -أسبوع واحد من الدعم العسكري الكثيف لتدمير الدفاعات الجوية التابعة للقذافي- وبعد ذلك ستصبح بريطانيا وفرنسا وحدهما، ووصف كاميرون أوباما بأنه لم يكن متحمساً، لكن رده كان واضحاً وحاسماً.

لكن تقريراً صادراً عن لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني في سبتمبر 2016 قال إن التدخل العسكري البريطاني في ليبيا العام 2011 بأمر من ديفيد كاميرون استند إلى معلومات مخابرات خاطئة وعجل بانهيار البلد، داعياً الى تحمل كاميرون المسؤولية عن دور بريطانيا في أزمة ليبيا.

وقالت اللجنة إن أخطاء عديدة اعترت عملية اتخاذ قرار انضمام بريطانيا إلى فرنسا في التدخل عسكرياً لحماية المدنيين الليبيين من نظام العقيد الراحل معمر القذافي في 2011.

شهادة بيرلسكوني تورط ساركوزي
ولازالت قضية استعجال فرنسا محل اتهامات وجهها رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو بيرلسكوني إلى ساركوزي»، الذي كان يلح على التدخل العسكري ضد ليبيا»، قائلاً إن حكومته وقفت بحزم ضد ذلك، لكنها فشلت. ورأى بيرلسكوني، خلال حوار مع قناة تلفزيون «سكاي نيوز 24» في 8 فبراير 2018 حول الإعداد لحملة الغزو العسكري التي شنها حلف شمال الأطلسي ضد الدولة والمجتمع ونظام الحكم في ليبيا، أن «رئيس الدولة ـ الذي كان جورجيو نابوليتانو، حينذاك ـ هو الذي طلب من لجنة نيابية تضم غرفتي البرلمان، التصويت على إعطاء طائرات حلف شمال الأطلسي، المتجهة لقصف ليبيا، حق استخدام القواعد العسكرية للجيش الإيطالي».

وأكد بيرلسكوني «أنه بينما كنا نناقش في اجتماع باريس مع الولايات المتحدة إمكانية تشكيل تحالف عسكري ضد ليبيا، عمدت فرنسا إلى شن الغارات الجوية وقامت بقصف» المؤسسات والمنشآت العامة في طرابلس الغرب وبقية أنحاء الجماهيرية الليبية، إيذاناً بإطلاق حملة الغزو الأطلسية ضدها، بهدف إزالتها من الخارطة الجيوسياسية.

وفي مواجهة انتقادات من روسيا والصين ودول أخرى تتهم الحلف بتجاوز تفويض الأمم المتحدة له بحماية المدنيين في ليبيا دافع في خلال الأعوام السابقة الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون عن قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي رأى أنه «طبق بشكل صارم في نطاق التفويض».

أما ديميتري ميدفيديف الذي كان رئيساً لفدرالية روسيا وقتها فقد رفض استعمال الفيتو الروسي لدى التصويت على القرار 1973 في مجلس الأمن، الذي فتح باب التدخل العسكري أمام حلف شمال الأطلسي في ليبيا. وقد شكلت المسألة الليبية أحد الملفات النادرة التي أدت إلى التعبير العلني عن خلافات بين الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين آنذاك الذي كان يحث على استعمال حق الفيتو.

المزيد من بوابة الوسط