تركيا تستغل 18 شهرا أخرى في ليبيا لتثبيت أقدامها شرق المتوسط

لقاء آكار والمشري في أنقرة. الثلاثاء 22 سبتمبر 2020. (المجلس الأعلى للدولة)

فتحت الوتيرة البطيئة لمفاوضات تشكيل سلطة جديدة موحدة في ليبيا وحالة «لا سلم ولا حرب»، شهية القوى الدولية المتصارعة على موارد الطاقة بشرق المتوسط، في استعراض نفوذهم في البلاد، والدخول على خط الأزمة مع تبادل الاتهامات بين طرفي النزاع بالتحشيد العسكري.

ومهد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، لزيارته المفاجئة إلى طرابلس السبت، برفقة رئيس الأركان وقادة الجيش التابع لحكومة الوفاق، بقرار تمديد انتشار قواته في ليبيا لمدة 18 شهرًا أخرى ابتداء من 3 يناير القادم، نشر في الجريدة الرسمية التركية أمس الجمعة.

ووفق ما تضمنته الوثيقة المنشورة، حول خلفيات قرارها بوجود «تهديدات من ليبيا إلى تركيا والمنطقة بأسرها، وإذا استؤنفت الهجمات مرة أخرى، فإن مصالح تركيا في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا ستتأثر سلبا».

وأضافت أن «تركيا في إطار مذكرة التعاون الأمني والعسكري الموقعة مع ليبيا، ستواصل المساهمة في التدريب والدعم الاستشاري لليبيا».

وفي أواخر نوفمبر 2019، وقعت أنقرة وطرابلس اتفاقية بشأن التعاون العسكري، وكذلك اتفاقية بشأن الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط.

 وشدد أكار خلال تفقّد وحدات تركية في ليبيا، خلال تصريحات له عقب لقائه رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، وزير دفاع «الوفاق» صلاح النمروش، على أن الهدف من الوجود العسكري التركي في ليبيا، هو «تقديم الدعم ضد أي تحرك للجيش الوطني الليبي، بقيادة خليفة حفتر»، إضافة إلى «استمرار التنسيق المشترك لصد أي محاولة لتحرك معادٍ»، ربطه متابعون بكلمة حفتر، في خطاب يوم ذكرى استقلال ليبيا يدعو إلى «إخراج» القوات التركية من البلاد.

أكار يلتقي باشاغا ويؤكد «الرغبة» في تنمية الموارد البشرية لوزارة الداخلية

لكن ترسيخ النفوذ التركي يتجاوز هذه المسألة إلى ترسيم مواقعها لأطول مدة ممكنة في شرق البحر الأبيض المتوسط، متخذة من ليبيا واتفاقها العسكري وتحديد صلاحيات المناطق البحرية مع المجلس الرئاسي، ذريعة لها، إذ يتيح للشركات التركية التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا.

كما قالت وزارة الدفاع التركية أمس الجمعة في بيان إن «قواتها تواصل عمليات التدريب في إطار اتفاقية التدريب والتعاون والاستشارات العسكرية الموقعة بين الوفاق وأنقرة».

وشملت التدريبات المقدمة للرمايات بالأسلحة الثقيلة، تدريبات على سلاح المدفعية وراجمات الصواريخ ومدفعية الهاون.

وقبل أيام قرر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فرض عقوبات على أنقرة، حيث أقر قادة الاتحاد في آخر اجتماع لهم حزمة إجراءات عقابية جديدة ضد تركيا، بسبب أنشطتها في شرق البحر المتوسط، فيما وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حزمة عقوبات على تركيا أيضا.

 تدابير عقابية ضد تركيا
وتنص التدابير العقابية الأوربية الجديدة، وفق البيان الختامي، على فرض عقوبات على شخصيات وشركات مسؤولة عن عمليات الحفر والتنقيب في منطقة شرق المتوسط، إضافة إلى حظر السفر إلى الاتحاد الأوروبي وتجميد الأصول.

ويضيق الخناق أكثر على تركيا، ردا على اتفاقها البحري مع حكومة الوفاق مع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان بعدما نشر نصه موقع الأمم المتحدة، يوم الخميس الماضي.

وفي 6 أغسطس 2020 وقع وزير الخارجية المصري سامح شكري، ونظيره اليوناني نيكوس دندياس، اتفاقية تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في شرق البحر المتوسط، المحتمل احتواؤها على احتياطات كبيرة من النفط والغاز.

وأكدت وكالة الأنباء اليونانية أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، نُشر على موقع شعبة الأمم المتحدة لشؤون المحيطات وقانون البحار.

ونقلت عن مصادر دبلوماسية قولها إن هذه هي المرة الأولى منذ أربعة عقود التي تنشر فيها الهيئة الدولية اتفاقية بين اليونان وإحدى الدول المجاورة لها بشأن المناطق البحرية.

وتشهد العلاقات بين اليونان ومصر وفرنسا وإسرائيل وقبرص، من جهة، وتركيا من جهة أخرى توترات على خلفية تنقيب أنقرة عن الغاز في مناطق متنازع عليها شرق البحر المتوسط، الأمر الذي دفع إلى تشكل تحالفات إقليمية جديدة لمنع استحواذ تركيا على المواقع الغنية بموارد الطاقة.

وفي تصريحات لوزير الخارجية اليوناني، كشف أن لبلاده هدفين أساسيين في ليبيا، أبرزهما منع تركيا من إنشاء قاعدة عسكرية قبالة جزيرة كريت اليونانية، وإلغاء قرار حكومة فائز السراج، المتعلق بالمذكرة التركية-الليبية.

وقال داندياس إن اليونان لم يكن لديها الكثير من الخيارات في ليبيا، مضيفا أن «همنا الأول كان ضمان أن الساحل الليبي المقابل لجزيرة كريت سيخضع لسيطرة القوات الصديقة».

بدوره أعلن مفوض الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن جوزيب بوريل، أن الدور التركي في ليبيا لا يتجاوب مع المصالح الأمنية للاتحاد، داعيا أنقرة لإعادة النظر في سياساتها، معربا عن قلقه إزاء الاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في ليبيا، وما أعقبه من أعمال التنقيب التركية التي أصبحت «تحديا مباشرا» لليونان وقبرص، مؤكدا أن تلك الأعمال «خلقت أجواء سلبية للغاية وعرقلت تفعيل الأجندة الإيجابية».

خطاب تهدئة من إردوغان
وأضاف أن «كل ذلك يثير تساؤلات جذرية بشأن الأهداف التي تبتغيها أنقرة»، خصوصا أن تركيا دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي خطاب تهدئة له اليوم السبت للرئيس التركي طيب رجب إردوغان، شدد فيه على استعداد أوروبا للتحاور، والاتفاق، والتعاون مع الجميع «شرط احترام سيادتها وحقوقها».

وفي ظل دفاع تركيا عن تدخلها في ليبيا وشرق المتوسط، يهدد الاتحاد الأوروبي بتوسيع اختصاص عمليته البحرية «إيريني» لمراقبة حظر الأسلحة إلى ليبيا، خصوصا أن انتقادات حكومة الوفاق تطال عدم مراقبة العملية الحدود البرية مع دول الجوار.

ويعلق رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف رياض صيداوي، على ترسيخ الوجود العسكري التركي بأنه خلافا لمبررات أنقرة «لا يوجد قرار من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، يأذن للقوات التركية بدخول ليبيا».

ويحذر صيداوي في تصريح لوكالة «سبوتنيك» الروسية من سيناريو التوجه نحو تقسيم البلاد، بعد ترخيص البرلمان التركي بتمديد وجود قواتها، مشيرا إلى اتفاق لجنة العشرة العسكرية على طرد جميع القوات الأجنبية من التراب الليبي في غضون ثلاثة أشهر بأواخر يناير بما فيهم القوات التركية.

وتابع أن هذا الأمر يؤجل حلا محتملا للأزمة الليبية ثمانية عشرة شهرا أخرى، لأنه سيكون هناك وجود تركي طيلة هذا الوقت، وهو وضع تستفيد منه أنقرة على المديين المتوسط والطويل، ومع ذلك فإن الأزمة يبقى يغذيها التدخل الأجنبي، سواء كان سياسيا أم اقتصاديا أم عسكريا.

وفيما تعتبر تركيا صاحبة أكبر نفوذ في ليبيا فإنها تتقاسمه مع روسيا التي اتهمها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أخيرا بإثارة عدم الاستقرار في دول البحر المتوسط، وبينها ليبيا.

ومنذ إطلاق حكومة الوفاق قبل أسبوعين روسيين، استأنفت موسكو تطبيع العلاقات معها، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، في إفادة إن وزير الخارجية سيرغي لافروف سيعقد اجتماعا مع كبير الدبلوماسيين بحكومة الوفاق محمد سيالة في موسكو يوم 30 ديسمبر.

المزيد من بوابة الوسط