شكوك تلاحق التزام طرفي لجنة «5+5» بتعليق الاتفاقات العسكرية

صورة مجمعة تضم وزير الداخلية بحكومة الوفاق فتحي باشاغا والناطق باسم القيادة العامة أحمد المسماري. (الإنترنت)

بعد مرور أيام قليلة على توقيع وقف إطلاق النار في ليبيا، بدا أن «الالتزام ببند وتجميد العمل بالاتفاقيات العسكرية الخاصة بالتدريب في الداخل الليبي»، إلى غاية تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة أمر صعب التنفيذ من طرفي النزاع، الذين سريعًا ما دارت الشكوك بينهم فيما يخص تطبيق الاتفاق ونصوصه.

وراهنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على الوصول إلى حل سياسي عبر الحوار المباشر الذي يعقد في تونس الشهر المقبل، مستندة إلى الاتفاق العسكري بين طرفي النزاع الذي كان التوقيع عليه في العاصمة جنيف الجمعة الماضي مفاجئًا للبعض.

للاطلاع على العدد 258 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

الثقة المفقودة
وبسبب غياب عامل الثقة يتحفظ كل طرف على تجميد اتفاقات أمنية مع حلفائه بدعوى عدم تكرار سيناريوهات السنوات الماضية عندما تم نقض كل اتفاق سلام بسرعة، وهذه هي مبررات حكومة الوفاق التي دخلت في دفاع قوي عن تركيا، معتبرة أن «وثيقة جنيف» لا تشمل وقف اتفاقيتي التعاون العسكري وترسيم الحدود الموقعتين بين الحكومة وتركيا، في نوفمبر 2019.

ومع بدء تشكيل لجان فرعية تعمل على تنفيذ بنود الاتفاق وتحديدًا البنود المعنية بالإشراف على الوقف الدائم لإطلاق النار خلال الأسبوع الجاري، برزت خلافات بين طرفي الصراع العسكريين على تعليق «اتفاقات التدريب العسكري» داخل ليبيا، والتي تعني بشكل ضمني «الأجانب»، حيث يتعين على فرق التدريب مغادرة البلاد قبل تعيين حكومة وحدة وطنية، إلى جانب تخلي الوحدات العسكرية الجماعات المسلحة عن الخطوط الأمامية، مع إلزام المرتزقة والمقاتلين الأجانب مغادرة الأراضي الليبية في غضون ثلاثة أشهر.

وعلى ضوء التدويل الذي شهده الصراع الليبي مع اندلاع حرب طرابلس في أبريل من العام 2019، فإن الرحيل المعلن لـ«المقاتلين والمدربين» الأجانب أمر بالغ الأهمية تفاعل معه مسؤولو حكومة الوفاق باختلاف شديد.

وكان اللافت تصريح وزير الداخلية بحكومة الوفاق، فتحي باشاغا، حين قال إن «القوات الأجنبية التي تدعم حكومة الوفاق يجب أن تغادر هي الأخرى، بالإضافة إلى الأسلحة وأنظمة الدفاع الجوي»، في إشارة إلى تركيا؛ لكنه اشترط بالمقابل وقف الدول الأجنبية دعمها قوات القيادة العامة، بقيادة المشير خليفة حفتر، معتبرًا في تصريح إلى جريدة «فاينانشيال تايمز» أن قائد هذه القوات المشير خليفة حفتر «لن يشكل تهديدًا إذا تخلى عنه داعموه الأجانب».

لكن باشاغا وبعد أيام من اتفاق جنيف زار رفقة وزير الخارجية في حكومة الوفاق، محمد سيالة العاصمة القطرية الدوحة، حيث أجريا محادثات مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني. وأعلنت خلالها الدوحة أن الزيارة شهدت توقيع مذكرة تفاهم في مجال التعاون الأمني بين حكومة الوفاق وقطر.

تركيا تدرب عناصر الوفاق
قبل ذلك، نشرت صفحة عملية «بركان الغصب» السبت الماضي، صورًا تظهر استمرار أنقرة في تقديم الدعم التدريبي لقوات حكومة الوفاق «ضمن اتفاقية التدريب العسكري والتعاون بين ليبيا وتركيا».

وأعقب ذلك تصريح وزير الدفاع في حكومة الوفاق صلاح الدين النمروش الذي قال إن «اتفاقية جنيف لا تمنع الجيش التركي من تدريب قوات الوفاق»، مشيرًا إلى أن «عشرات المقاتلين يواصلون تدريبهم في تركيا بموجب الاتفاقية العسكرية الموقعة مع أنقرة العام 2019».

وشدد النمروش على أن «اتفاقات التدريب الأمني والعسكري يجب أن يتم التركيز عليها اليوم أكثر من أي وقت مضى خاصة إذا ما تم الالتزام بوقف إطلاق النار وإحلال السلام في ليبيا».

بدوره، شكك رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري في قدرة «معسكر خليفة حفتر على الوفاء بالتزامات جنيف»، معتبرًا أن القرارات الأخيرة لا تتعلق بالاتفاقات العسكرية الموقعة مع أنقرة. ورغم ترحيبه بوقف إطلاق النار، شدد على أن ذلك لا يعني الاعتراف بقوات القيادة العامة.

اتفاق أمني مع قطر
من جانبها، قالت قوات القيادة العامة على لسان الناطق باسمها اللواء أحمد المسماري إن حكومة الوفاق «تخرق مخرجات حوار جنيف» بعد التوقيع على اتفاقية في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب والمخدرات وغسيل الأموال مع قطر.

ووصف المسماري هذه الاتفاقات بـ«الخبيثة»، مضيفًا أنها «محاولة لتقويض ما اتفق عليه ضباط الجيش الليبي في جنيف من أجل وقف النار والتصعيد». وفضلت أنقرة تجاهل اتفاقية جنيف العسكرية الموقعة بين الطرفين الليبيين من أجل وقف فوري وشامل لإطلاق النار، إذ بعد ساعات قليلة من توقيع الاتفاق العسكري في جنيف، قال الرئيس التركي طيب رجب إردوغان إنه سيتجاهله. ونشر وزير الدفاع التركي خلوصي آكار صورًا لأفراد من قوات حكومة الوفاق أثناء التدريبات.

هذه المؤشرات، تؤكد أن التدخل الأجنبي لم يبرح موقعه من الأزمة الليبية، وأن التخلص منه لا يبدو أمرًا واقعًا في القريب العاجل، مع مخاوف من خرق اتفاق جنيف، مع خرق سابق للتعهدات الدولية السابقة في مؤتمر برلين، ففي الخطوط الأمامية حول طرابلس يستمر تواجد مرتزقة سوريين جلبتهم تركيا ردًّا على تدخل مرتزقة روس من مجموعة «فاغنر».

نزاع ومباحثات
ويرى مراقبون أن فض الوجود التركي والروسي في ليبيا مرهون بتسوية صراعات في ساحات نزاع أخرى، وبالتالي فإن سياسات موسكو وأنقرة تتجاوز حكومة السراج أو قوات حفتر، وهو ما يصعب عليهما إقناع الخصمين الدوليين بالخروج من البلاد امتثالًا لاتفاق جنيف.

وبعيدا عن التدخلات في دول عربية، تواصل موسكو وأنقرة التباحث الدبلوماسي بينهما، إذ بحث وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو الثلاثاء الماضي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، التطورات الأخيرة في ليبيا.

وقبل ذلك، قال لافروف، إن بلاده تعمل مع تركيا على تسوية النزاع في ليبيا وتحقيق الإصلاح السياسي، على الرغم من أن هناك اختلافًا بشكل خطير في مناهجنا لعدد من المسائل الإقليمية الجدلية.

للاطلاع على العدد 258 من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وعبر المبعوث السابق للأمم المتحدة لدى ليبيا، اللبناني غسان سلامة، عن انزعاجه من الدول المشككة في اتفاق وقف إطلاق النار، في إشارة إلى تركيا، داعيًا هذه الدول إلى العودة إلى رشدها بعد أن قبل الليبيون بإنهاء الحرب.

وردًّا على مخاوف عدم امتثال القوى الخارجية لاتفاق وقف الحرب، قال سلامة «إن ما يهم أن الليبيين قد قرروا إنهاء القتال»، متوقعًا أن يقوم الليبيون بأنفسهم إبلاغ قرارهم إلى الدول التي تدعمهم في الخارج.

وبناء على الدعوة إلى تثبيت القرار لدى مجلس الأمن، أوضح المبعوث الأممي السابق أن «اتفاق وقف إطلاق النار هو الآن ملزم وساري المفعول حتى قبل صدور قرار أممي جديد لأنه يأتي تنفيذًا لمخرجات برلين وقرار الأمم المتحدة».

جانب من تدريب عناصر تابعة لقوات حكومة الوفاق في تركيا. (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط