فدية و200 «إرهابي».. كواليس صفقة فرنسية لتحرير الرهائن تغذي القلق الأمني على تماس الجنوب الليبي

صوفي بترونين في المطار بفرنسا، مع أسرتها والرئيس ماكرون. 9 أكتوبر 2020 (رويترز)

خرج التحالف الجهادي في دول الساحل المرتبط بتنظيم القاعدة، بثوب المنتصر من تبادل نحو 200 معتقل في مالي وفدية بملايين الدولارات مقابل الإفراج عن أربعة رهائن، وهي الصفقة المشبوهة التي رعتها فرنسا في الكواليس مغذية لنشاط المسلحين في مناطق «خارج السيطرة» تمتد من قرب الجنوب الليبي إلى غاية الغرب الأفريقي.

وأثارت صفقة تحرير الرهائن في مالي، جدلا واسعا في فرنسا والجزائر ودول الساحل الأفريقي، كون باريس دفعت فدية مالية لصالح تنظيم «أنصار الإسلام والمسلمين» الموالي للقاعدة، نظير الإفراج عن الرهينة الفرنسية صوفي بيترونين ورهينتين إيطاليتين والشخصية السياسية المالية البارزة سوميلا سيسي، والأكثر من ذلك ما وقع في نهاية الأسبوع الماضي حين تم إطلاق 200 «إرهابي» على الأقل من بينهم حوالي عشرين سجينا من «الأمراء» كما تقول مصادر فرنسية.

ودخلت الولايات المتحدة على الخط، عندما رفضت الإفراج عن أحد أبرز المسلحين المعتقلين من ضمن العشرات الآخرين في صفوف الجماعات «الإرهابية» لضلوعه في مقتل مبشر أميركي في الهجوم على فندق في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو عام 2016، مما أخر تنفيذ صفقة التبادل.

صفقة محفوفة بالمخاطر
ويطرح إطلاق عشرات «الجهاديين» نهاية الأسبوع الماضي مشكلة لجنود عملية برخان، وفقًا لرئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في مجلس الشيوخ الفرنسي كريستيان كامبون، قائلا في تصريح نقلته وسائل إعلام فرنسية الثلاثاء إنه «إذا كان المجلس العسكري الحاكم حاليًا في مالي، قد نظم هذا التبادل في اتجاه المصالحة الوطنية، فيمكن فهم ذلك بانتهاء الصراع الداخلي الذي أدى إلى العديد من المآسي والكثير من الدماء، إلى تبادل الأسرى والإفراج عن الجانبين وهذا يمكن فهمه».

وإذا لم يكن الأمر كذلك وهذا مصدر قلق البرلماني الفرنسي فإن ذلك يعني أنه «من بين 100 أو 200 جهادي بعضهم أقدموا على ارتكاب جرائم مروعة فهذا يطرح مشكلة وصفقة محفوفة بالمخاطر».

- ماكرون يستقبل «صوفي بترونين» آخر رهينة فرنسية بالعالم

واللافت أن الصفقة رتبت على أساس مساعي المجلس العسكري الحاكم في مالي، استرضاء السلطات الفرنسية التي تتحفظ على الإطاحة بالرئيس إبراهيم أبوبكر كايتا أغسطس الماضي.

واحتجز الرهائن لدى تنظيم «أنصار الإسلام والمسلمين» الموالي للقاعدة، الذي يقوده زعيم سابق للمتمردين الطوارق في التسعينات، المالي إياد أغ غالي، والذي شغل لبعض الوقت منصب مستشار للرئاسة في باماكو قبل أن يتحول إلى الجماعات المسلحة.

وأظهرت صور نشرتها وكالة الأخبار الموريتانية المستقلة السبت الماضي، الاستقبال الكبير الذي أحاطه إياد أغ غالي بعشرات الجهاديين المحتجزين المفرج عنهم غداة إطلاق الرهائن.

وعن الوسيط في عملية التبادل كشفت جريدة «لوموند» الفرنسية، أنها كانت «بإشراف مباشر من الرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا» الذي أزيح عن السلطة إثر انقلاب عسكري قبل أشهر.

ووفقاً لمصدر فرنسي مطلع فإن عملية التبادل، تضمّنت تسليم «كوادر جهادية تابعة لتنظيم القاعدة»، ومن بين هؤلاء الموريتاني فواز ولد أحمد، الملقب بـ«إبراهيم 10»، الذي اعتقل عام 2016، وهو متورط في الهجمات على مطعم لا تيراس في باماكو وفندق بيبلوس في سيفاري عام 2015 مما أودى بحياة 28 شخصاً حينها، وبينهم أيضا الموريتاني الملقب بـ«أبو دردار»، الذي استسلم للقوات الفرنسية عام 2014؛ وميمي ولد بابا، الذي اعتُقل في يناير 2017 في مالي، إذ يعتبر الأخير المسؤول عن توفير المعدات والتجهيزات في هجمات واغادوغو في بوركينا فاسو في يناير 2016، والتي أودت بحياة 30 شخصاً، بالإضافة إلى الهجمات التي استهدفت مدينة غراند بسام في كوت ديفوار وأوقعت 19 قتيلاً في مارس من العام نفسه.

وتؤشر شروط الصفقة على «زيادة الخطر الإرهابي» في البلاد، وبالدول المجاورة لها في الساحل إلى غاية الجنوب الليبي حيث تنشط فلول تنظيمات مسلحة، لأن عملية الإفراج عن الرهائن بمنطقة كيدال شمال مالي، قابلها أيضا دفع فدية لهم تقدر بما بين 15 و20 مليون يورو، وهو مبلغ يمكن الإرهابيين من اقتناء مزيد من المعدات والأسلحة لتفجير الوضع الأمني المتأزم في المنطقة.

وتلتزم باريس الصمت حيال حيثيات تحرير الرهائن، إلا أن وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي، خلال جلسة استماع أمام لجنة الدفاع بمجلس الشيوخ مساء الثلاثاء، اكتفت بالرد على الجدل بقولها إن «قرار الإفراج عن الجهاديين يعود فقط للسلطات المالية التي اعتبرت أنه من الضروري الإفراج عن السياسي سوميلا سيسي».

وقالت فلورنس بارلي «لقد أتيحت لنا الفرصة لشكر السلطات المالية، التي كانت وراء هذا الإفراج والتي خططت وقادت العملية». 

ولطالما شكت حكومات بلدان الساحل من انعكاسات الوضع الليبي على أمنها الداخلي، بينما تعتبر جنوبها سوقًا مفتوحة لكل أشكال الجريمة العابرة للحدود والأسلحة لكنها في السنوات الاخيرة ومنذ توالي الغارات الأميركية على معاقل «داعش» في ليبيا، وجد عدد من القيادات في شمال مالي ملاذا آمنا لها قبل القضاء عليها، مما يؤكد الصلات بين التنظيمات الجهادية في البلدين، خصوصا بعدما كشفت عملية قضاء الجيش الفرنسي على سيف الله بن حسين المكنى أبوعياض مؤسس تنظيم أنصار الشريعة «الإرهابي» التونسي، في غارة شمال غرب مدينة تمبوكتو، وتصفية أمير منطقة الصحراء والساحل بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب جمال عكاشة، والمعروف باسم يحيى أبوالهمام في مالي مطلع 2019، أنهما فرا من ليبيا.

كما أشار رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي محمد صالح النظيف، إلى تسبب التدخل العسكري في ليبيا في تسريب نحو 60 مليون سلاح صغير إلى بلدان الساحل المجاورة، موضحا أن «سبب 8% من الأزمة في مالي وجود أفراد مسلحين غادروا ليبيا أثناء تدخل حلف شمال الأطلسي».

وتتعارض الصفقة الفرنسية مع إدانة الاتحاد الأوروبي، ضمن لائحة تمت المصادقة عليها في لوكسمبورغ عام 2015، عقب اجتماع لوزراء الخارجية، خطف الأشخاص من قبل جماعات مسلحة وإطلاقهم مقابل دفع فدية، إذ أشارت اللائحة المذكورة إلى أن «الخطف مقابل فدية يشكل مصدرا لتمويل الإرهابيين ويدعم قدراتهم على تهديد مصالح الدول وأمنها».

أما مجلس الأمن الدولي فقد صادق في مارس 2014 على لائحة تقدمت بها الجزائر في مجال مكافحة ظاهرة الخطف مقابل دفع الفدية، التي تقوم بها مجموعات مسلحة، بهدف «حرمان الإرهابيين من الاستفادة من عوائد الفدية لتمويل أنشطتهم الإجرامية».

وبينما تحتجز جماعات مسلحة 8 رهائن في مالي لحد الآن فإن لفرنسا عهدا سابقا بخرق القانون الدولي في دفع الفدية، وإطلاق «إرهابيين» منذ أن خُطف أوروبيون وفرنسيون منذ عام 2003 في المنطقة.

ومن بين الرهائن الفرنسيين بيار كامات، الذي خُطف بين 24 نوفمبر 2009 و23 فبراير 2010، على يد تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي»، وأُفرج عنه بموجب عملية تبادل مع حمادة ولد محمد خيرو، مؤسس «حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا»، وفي أبريل 2010 خطف التنظيم نفسه الفرنسي ميشال جرمانو، وقُتل في 22 يوليو من العام عينه، إثر فشل القوات الموريتانية في تحريره.

والجمعة الماضي قالت وزارة الخارجية السويسرية إنها تلقّت إخطاراً من السلطات الفرنسية بوفاة رهينة سويسرية كانت محتجزة في مالي، منذ أربعة أعوام من طرف جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية للقاعدة.

كما أعلن الجيش المالي، الثلاثاء، مقتل 12جنديا وإصابة 13 آخرين في هجومين منفصلين بوسط البلاد.

المزيد من بوابة الوسط