في غياب الرقابة البرلمانية.. الدين العام يبحث عن «إستراتيجية إطفاء»

مقر المصرف المركزي في طرابلس، (أرشيفية: الإنترنت)

ارتفعت وتيرة المخاوف من ارتفاع الدين العام في البلاد، بعد بيانات حديثة للمصرف المركزي في العاصمة طرابلس، التي قدرت الدين العام، في العام الحالي 2020، بنحو 84 مليار دينار «نحو 60 مليار دولار»، وبنسبة 260% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يستدعي ما وصفه خبراء بـ«إستراتيجية اطفاء».

المصرف المركزي حذر في بيان، صدر أخيرا من أن «استمرار الدين العام سيؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي والتأثير سلبا على القطاع الخاص». مشيرا إلى أنه «منح قرضا بقيمة 26.7 مليار دينار لتغطية الموازنة العامة للعام الحالي بسبب إقفال الحقول النفطية في يناير الماضي».

وتمثل عائدات النفط أكثر من 90% من إيرادات الموازنة، وتراجعت بشكل كبير بسبب إغلاق الحقول والموانئ. وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد رفعت حالة القوة القاهرة في حقول وموانئ وصفتها بأنها «آمنة»، وذلك بعد يوم من إعلان القائد العام لقوات القيادة العامة المشير خليفة حفتر، أنه سيرفع الحصار عن النفط.

واعتبر المحلل الاقتصادي ومؤسس سوق الأوراق المالية، سليمان الشحومي، أن الدين العام في ليبيا «غير منظم» ولا تسير إجراءاته وفقا للقانون، خصوصا من حكومة الوفاق غير المعتمدة والمصرف المركزي في طرابلس.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 254 من جريدة «الوسط»

وقال الشحومي: في تدوينة عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «في القانون، تقرض الحكومة بشرط أن ترد هذه السلفة خلال فترة محددة»، واصفا ما يتم من حكومة الوفاق بأنه عمليات تسهيل «على الأحمر»، لأن الدين يتراكم، ولا يتم الاقتراض بشكل صحيح، بحسب قوله.

وأوضح أن دول العالم التي تدير الاقتصاد بشكل سليم تستخدم الدين العام في خدمة وتنمية اقتصادها عن طريق مشروعات الإسكان والبنى التحتية، وليس لسداد المرتبات مثلما يحدث في ليبيا، بحسب قوله.

وأردف الشحومي: أن «الخطير في الأمر هو أننا في حالة لا دولة، والجميع يصرف الأموال العامة لأنها سائبة»، مشيرا إلى «عدم وجود تشريع ينظم، ولا برلمان يحاسب فقط الحكومة، والمجلس الرئاسي هو من يعتمد الميزانية ويأمر بالإنفاق، وهذا غير صحيح، كاشفا أن ديوان المحاسبة يقوم بعمل تقارير ويخفيها ثم يظهرها في فترة معينة من أجل موقف سياسي».

وخفض المجلس الرئاسي الترتيبات المالية للعام 2020، إلى 38 مليار دينار، «نحو 27.14 مليار دولار»، بعجز يناهز 23 مليار دينار «نحو 16.5 مليار دولار»، بسبب إقفال الموانئ والمنشآت النفطية في يناير الماضي.

واعتاد مصرف ليبيا المركزي منذ العام 2013 على توفير قروض للجهاز التنفيذي للدولة لكي يغطي مصروفاته، ولذلك زاد الدين العام المحلي، خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من تسديد 16 مليار دينار من عوائد رسوم مبيعات النقد الأجنبي لإطفاء الدين العام، فيما يقدر الدين العام للحكومة الموازية بشرق البلاد بـ50 مليار دينار، وفقا لتقارير رقابية.

من جهته، أعاد الخبير الاقتصادي محمد الشكري التذكير بعهد النظام السابق، حين «قام أمين اللجنة الشعبية للمالية بشعبية بنغازي (الشيخي) وآخرون بصرف صكوك بما يزيد على 700 مليون دينار بالتجاوز على حساب اللجنة في مصرف ليبيا المركزي»، مشيرا إلى «التحقيق مع الرجل وحكم عليه بـ13 عاما سجنا تقريبا.. أما المبلغ فلا زال دينا على وزارة المالية ومعلقا في دفاتر المركزي وأعتقد أنه ما زال قابعا كذلك إلى يوم الناس هذا».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 254 من جريدة «الوسط»

وتابع في منشور عبر صفحته الرسمية: «اليوم تم صرف مبالغ من الحكومتين دون وجود موارد مالية كافية للصرف منها وقيدت المبالغ دينا عاما عليهما بالمصرفين، أخذا في الاعتبار أن ترتيب الدين العام له ضوابطه وشروطه التي يحددها القانون، وفي كل الأحوال هو دين داخلي أهون كثيرا من الدين الخارجي الذي كان سيكلف الدولة الدين بالعملة الأجنبية مضافا إليه فوائد ومصاريف خدمة الدين».

ووفق الشكري، فقد بينت تقارير ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية حجم الفساد الذي شاب مصروفات الدولة والتي قيدت دينا عاما، منوها بأن «ما ينادي به البعض اليوم -بحسن نية أو بدونها- من ضرورة إطفاء الدين العام يستدعي ملاحظة أنه لا يمكن إطفاء هذا الدين قبل مراجعته من خبرات محاسبية ومالية وقانونية نزيهة وكفؤة، وفرزه وتصنيفه إلى مصروفات يمكن قبولها والإقرار بها كالمرتبات ومصاريف إدارة المرافق العامة -جامعات ومستشفيات على سبيل المثال- والجزء الثاني مصروفات يمكن القبول بها وفقا لمعايير المرحلة والتي يتفق عليها».

لكنه يشير إلى أن الجزء الأخير هو «مصاريف وهمية أو مبالغ فيها أو لا يمكن تبريرها، وهذه يجب أن يتم إخضاعها ثانية للتحقق والتأكد، ومن ثم تحال إلى الجهة التشريعية لاتخاذ ما تراه مناسبا حيالها من إجراءات بما فيها إحالتها إلى السلطات القضائية المختصة».

ويوصي الشكري بتحديد «الرقم النهائي بعد استرداد ما يمكن استرداده مما صرف منه دون وجه حق، حينها يمكن للحكومة بالاتفاق مع المصرف المركزي مطالبة الجهة التشريعية بتقنين هذا الدين باستصدار تشريع يحدد إستراتيجية إطفاء هذا الدين، إما بتخصيص 5% من إجمالي مبيعات النفط السنوية ولعدة سنوات أو بإعادة تقييم الأصول الأجنبية لمصرف ليبيا المركزي، كما حددها قانون المصارف لسنة 2005».

المزيد من بوابة الوسط