القطاع الصحي بين فكي «الفساد» و«تهالك البنية التحية»

ملفات متراكمة تواجه القطاع الصحي في البلاد منذ عقود. (بوابة الوسط)

وسط استمرار الجهود الحكومية لمواجهة فيروس كورونا المستجد في ليبيا، تبرز على السطح مشكلات تتعلق بملف الصحة العامة، ما يجدد التساؤلات حول وضع القطاع الصحي في سنوات ما بعد إطاحة نظام معمر القذافي. ووفق تقرير سابق (مارس 2016) للمنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات، عن أهم التحديات التي تواجه قطاع الصحة في ليبيا، فإن «واقع الرعاية الصحية والتأمين الصحي في البلاد يشكلان ملفا صعبا يعتريه الكثير من التحديات والمشاكل». 

أعداد الطواقم لا تكفي
وتتلخص تلك التحديات -بحسب التقرير نفسه- في :«تهالك البنية التحتية لقطاع الصحة، والذي يظهر في اختلال قاعدة الخدمات الصحية من ناحية عدد الوحدات الصحية وعدد الأطقم الفنية والتجهيزات اللازمة، وغياب الرؤية والافتقار إلى استراتيجيات ملائمة للنهوض بالقطاع ومعالجة اختناقاته الرئيسية وسد الفجوة بين القطاع وبين المستفيدين من خدماته، وأشكال التمويل والإدارة المالية الجيدة لمخصصات القطاع بالشكل الذي يمنع الهدر ويضمن فاعلية التمويل».

ومن ضمن التحديات التي يوردها التقرير: «الفساد المتفشي في القطاع، والذي يجعله من أكثر القطاعات هدرا للأموال واستنزافا للمال العام وفسادا في منظومته الإدارية، فضلا عن ترهل القطاع وكبر حجمه من ناحية أعداد العاملين فيه، إذ يشكل قطاع الصحة أكبر القطاعات الخدمية من ناحية العمالة بعد قطاع التعليم، الأمر الذي ينعكس سلبا على قدرات القطاع في تقديم الخدمة الجيدة للمواطنين، وغياب أدنى درجات التنسيق بين وحدات القطاع العام في المدينة الواحدة، وبين المدن، وأيضا بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص، وليست العيادات الخاصة بحال أفضل من المستشفيات العامة، إذ ينقصها هي الأخرى المعدات والتقنيات الحديثة».

ورأى التقرير أن من ضمن التحديات التي تواجه القطاع «تراكمات حرب التحرير، والتي ضاعفت من العبء المالي والفني على قطاع الصحة، ويبرز في مقدمة التركة ملف الجرحى الذي استنزف أموالا طائلة من مخصصات القطاع، أو تلك الأموال المخصصة من ميزانية الطوارئ، والتي كان يمكن أن توجه لإصلاح القطاع وتطويره».

وذكر التقرير أن تراجع أداء القطاع بدرجة كبيرة «أدى إلى تخوف الرأي العام، وتأكيد عدم ثقته في الخدمات الطبية التي يقدمها، ويشكل فقدان الثقة في قطاع الصحة تحديا كبيرا، إذ يتطلب جهدا مضاعفا ووقتا غير قصير حتى تستعاد ثقة الرأي العام فيه، فضلا عن خلل منظومة الأطراف المساعدة والتي منها الشركات المتعاقدة مع وزارة الصحة، والتي تحتكر السوق وتمنع أي منافس لها من النجاح، كما أن نفوذها قوي جدا على الموظفين بالوزارة وتشكل إحدى بؤر الفساد فيه، مع ضعف الرقابة على حركة الدواء، إذ لا توجد رقابة على الصيدليات، بل أصبح سوق الدواء تجارة مفتوحة، وكثير من العاملين في مجال تجارة الأدوية ليس من ذوي الاختصاص، يمارسون تجارة الأدوية مثل تجارة المواد الغذائية دون دراية بأساليب حفظ وتخزين الأدوية، كما أن ما يتعلق بالأدوية الفاسدة والمغشوشة والمنتهية الصلاحية، يتوقف على ضمير التاجر أو الصيدلي فقط، لعدم وجود جهة تحاسبه». 

وأشار التقرير إلى أنه من بين التحديات أيضا: «تداعيات الانقسام السياسي والجغرافي على مؤسسات القطاع والوحدات الطبية التابعة له، والتي يمكن أن يفضي إلى تفكك المؤسسات الصحية، وضعف سيطرتها وقدرتها على إيصال الخدمات الصحية إلى مختلف أنحاء البلاد، وهو تحد واقع قابل للتطور بشكل سلبي جدا»، بحسب تعبير معدي التقرير.

واقع القطاع الصحي
وتقدم الخدمات الصحية في ليبيا بشكل مجاني، ورغم انتشار المؤسسات الصحية في كافة المناطق والقرى والأرياف، إلا أنها عانت منذ سنوات طويلة من نقص الدعم والإدارة، وتضاعف عجزها في الاضطرابات الأمنية والصراعات المسلحة التي عطلت معظم الخدمات، حيث تم إغلاق العديد من المراكز الطبية والمستشفيات خاصة في مناطق الاشتباكات مما صعبت المهمة على المواطنين. وبحسب التقرير نفسه، يوجد في ليبيا نحو 120 مستشفى وعيادة عامة في أنحاء البلاد، ويفتقر معظمها إلى التجهيزات والمستلزمات الطبية والصيانة. واحتاجت المستشفيات إلى 219 مليون دينار ليبي العام 2015، حيث أنفق المصرف المركزي 147 مليون دينار فقط من إجمالي المبلغ المطلوب. كما تدهورت الأوضاع بمختلف المستشفيات، ولا سيما في الجنوب الليبي والمناطق النائية نظرا لشخ الموارد المالية، وذلك رغم أن بعض الخدمات الطبية في المستشفيات الموجودة في غرب ليبيا كعلاج الكلى والإسعافات وبعض العمليات الجراحية جيدة إلى حد ما، إلا أن باقي المستشفيات في باقي المناطق تواجه تحديات صعبة.

ويتكون قطاع الصحة من مجموعة من 12 من المكونات والمؤسسات التي تتبع الوزارة، وهي: مجلس التخصصات الطبية، وجهاز الإمداد الطبي، وجهاز خدمات الإسعاف، والمركز الوطني لمكافحة الأمراض، ومركز المعلومات والتوثيق الصحي، ومركز تنمية القوى العاملة الطبية، والمجلس الوطني لتحديد المسؤولية الطبية، ومركز طرابلس الطبي، ومركز بنغازي الطبي، ومركز سبها الطبي، وإدارة الخدمات الصحية بالمناطق، والمستشفيات والمركز الطبية والتخصصية المعتمدة.

ومن أبرز ما يعانيه القطاع، التكدس الوظيفي، بما يترتب على ذلك من نفقات مرتبات العاملين في جميع الإدارات بالوزارة، والجهات التابعة لها، والسبب في ذلك يعود إلى زيادة حالات التعيين خلال الأعوام السابقة، كما ورد في تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2014، الذي ذكر أنه لم يتم التقيد بالقانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل، حيث تجاوزت التعيينات في قطاع الصحة أكثر من 107%، وبلغ عدد الموظفين في ديوان الوزارة 409 موظفين من إجمالي موظفي القطاع بالكامل البالغ 197.086 موظفا دون أن يكون هناك تغيير في حجم العمل. ويحتاج مليونا مواطن ليبي إلى خدمات صحية أساسية مثل أدوية الأنسولين واللقاحات وغسيل الكلي، يقابل هذا إغلاق نحو ثلثي مستشفيات البلاد كونها في وضع لا يؤهلها لتقديم خدماتها على أكمل وجه بسبب مغادرة الأطقم الطبية الأجنبية التي تمثل 70% من العناصر الطبية والتمريض؛ وتراجع المخصصات المالية بسبب تراجع الإيرادات العامة. ووفق التقرير: أصبح من المعتاد أن تشاهد الكلاشينكوف في المستشفيات بعد تدهور الوضع الأمني بشدة، مما أدى إلى هروب الأطباء وأطقم التمريض بعد تزايد الاعتداءات عليهم وتردي الوضع الصحي.

وتنفق ليبيا على القطاع الصحي قرابة ستة مليارات دينار سنويا، يذهب جزء منها إلى مرتبات العاملين في القطاع، وجزء آخر على صيانة المباني والأجهزة والمعدات، في حين يصل حجم الإنفاق على العلاج في الخارج حوالي مليار دولار سنويا. ويقدر بعض خبراء القطاع الصحي أن الليبيين ينفقون نحو خمسة مليارات دولار سنويا في دول الجوار لتلقي العلاج، فضلا عن تعرض الكثير منهم لعمليات احتيال ممنهجة في غياب رقابة المكاتب الصحية بالخارج، بل وفسادها مقابل عمولات مالية.

ملف الجرحى
ويذكر التقرير أن ملف الجرحى في ليبيا يعد أصعب الملفات الشائكة وأكثرها فسادا، منذ اندلاع ثورة 17 فبراير، إذ تراكمت ديون كبيرة لصالح مشافي ومؤسسات أجنبية يقع عبء سدادها على عاتق وزارة الصحة في الحكومات المتعاقبة، فرغم إنفاق مليارات الدولارات على نفقات علاج الجرحى منذ 2011 فإن العديد من الدول لا تزال تطالب بمستحقات مصحاتها، ولأن تركيا من الدول التي لا تزال تفتح مستشفياتها للجرحى الليبيين فإنها تطالب الدولة الليبية بنحو 80 مليون يورو كتراكمات حتى نهاية العام 2015، كما أن جزءا كبيرا من الأزمة الحالية لجرحى تابعين للحكومة المنبثقة عن برلمان طبرق يعود إلى كون وزارة الصحة بالحكومة الموقتة لم تتسلم ميزانية العام 2015. ويمثل ملف الجرحى تحديا كبيرا أمام الحكومة الموقتة، وذلك في ظل ارتفاع الرقم بسبب الحرب الدائرة ببنغازي، حيث قدرته لجنة الصحة بالبرلمان بنحو 23 ألف جريح، بحسب التقرير نفسه.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط