فصل جديد من معاناة النازحين وتحديات كبيرة في المأوى والغذاء

من آثار الدمار التي خلفتها حرب العاصمة طرابلس (أرشيفية: الإنترنت)

في مقطع فيديو لا تتجاوز مدته دقائق قليلة، على موقع «يوتيوب» يتفقد أحد النازحين الليبيين منزله بعدما طالته آثار حرب العاصمة، باكيا. يمشي الرجل في خطى ثقيلة بين الركام. يظهر صوته عاليا بالنحيب والبكاء. يردد عبارة: لا حول ولا قوة إلا بالله مرارا، كلما وقعت عينه على جدار تحطم، أو نافذة لم تعد موجودة، أو سقف أسقطته يد الدمار فباتت «حرمات البيت» مكشوفة للعابرين. مشهد يلخص الوجه الآخر من الحرب التي لا يريد من ينفخون أبواقها النظر إليه، بحسب المواطنين أنفسهم.

ولم يكن النازح الذي يبكي أطلال بيته وحده في قائمة ضحايا حرب العاصمة من المدنيين الذين تتضاعف أعدادهم بين ساعة وأخرى، مع كل «تطور» في مسار الحرب يؤجج نيرانها، ويفاقم الخسائر، إذ أدى التصعيد العسكري في مناطق جنوب طرابلس وترهونة الى نزوح عدد كبير من العائلات إلى عدة مدن أكثر أمنا مثل مدينة بني وليد وغيرها خوفا وهربا من الاشتباكات، إضافة إلى تفاقم الوضع الإنساني للمدنيين في تلك المدن.

للاطلاع على العدد 238 من جريدة «الوسط» اضغط هنا 

قذائف لا تفرق بين كبير وصغير
وقال الحاج علي المالطي، أحد النازحين إن «الاشتباكات والغارات الجوية الكثيفة جعلتنا ننزح ونغادر مدينتنا ومنازلنا من أجل حماية أطفالنا من تلك القذائف العشوائية التي لا تفرق بين كبير ولا صغير، لذا اتجهنا إلى مناطق أكثر أمنا مثل بني وليد تاركين وراءنا ديارنا وأرزاقنا إلى المجهول».

واوضح المالطي أن هناك «عدد كبير من أهالي ترهونة نزحوا إلى عدة مدن منها: طرابلس وبني وليد وبنغازي وعدة مدن في المنطقة الشرقية». كما أشار إلى «وجود عدد كبير من الأسر من مدينة ترهونة تعاني من عدم توفر آماكن ومنازل لاحتوائهم وإقامتهم بسبب ارتفاع عدد الأسر النازحة مع نقص في الاحتياجات الأساسية والمواد الغذائية بالرغم من المساعدات التي أطلقتها مؤسسات خيرية ببني وليد في غياب الجهات المسؤولة بالدولة».

من جهته، قدر عضو الهلال الأحمر بني وليد سامي الثومي، عدد النازحين من مناطق ترهونة وقصر بن غشير في بني وليد بـ 954 أسرة، بحسب المنظومة الإلكترونية المعدة من فريق الهلال الأحمر. ويشير الثومي إلى أن هذه الأعداد قد تكون أكبر مما هي عليه في الواقع نظرا إلى أن هناك عدد كبير من الأسر النازحة لم تقم بالتواصل مع الهلال الأحمر والتسجيل في منظومة النازحين.

وبدوره، قال نصر البركي أحد النازحين من منطقة فم ملغة بمدينة ترهونة إن معظم الذين نزحوا من المدينة لا يعرفون إلى أين يذهبون مع وجود عدة صعوبات في توفير أبسط الاحتياجات الأساسية مع عجز الجهات الحكومية عن توفير أبسط الاحتياجات. ويشكو البركي «الحياة الصعبة التي يعيشها النازح مع ارتفاع درجات الحرارة وعدم وجود مأوى يصلح للسكن سوى الأودية أو المدارس والمباني الحكومية»، ويقول: «نخشى أن لا نعود إلى منازلنا من جديد بسبب هذه الحرب وبسبب الانتقام».

من جهتها تقوم عدة مؤسسات خيرية بمدينة بني وليد بمساعدة الأسر النازحة، حيث جرى توزيع المواد الغذائية وغير الغذائية على عدد كبير من النازحين سواء المارين عبر طرق بني وليد أو المقيمين بها.

توفير مساكن ورعاية طبية في بني وليد
من جانبه، قال مدير المكتب الإعلامي ببلدية بني وليد عبدالمنعم الساعدي إن لجنة أزمة بني وليد قامت بتوفير عدد من المساكن الملائمة والإعاشة والرعاية الطبية لعدد كبير من النازحين. ودعت البلدية المواطنين كافة، بالتواصل مع لجان الأزمة والمؤسسات الخيرية بخصوص إجراءات التسكين وتقديم المساعدات العينية والمادية لتلك الأسر النازحة. وفي السياق نفسه، تسعى إدارة الخدمات الصحية بني وليد لتأمين المساعدات الطبية للنازحين من بينها الفحوصات الطبية وتقديم الأدوية للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل مرضى السكري والضغط والتطعيمات الخاصة بالأطفال.

إلى ذلك، أعلنت وزارة الداخلية في حكومة الوفاق تكثيف الدوريات الأمنية داخل مدينة ترهونة، الثلاثاء. ونشرت إدارة إنفاذ القانون فرع طرابلس دوريات في مداخل ومخارج ووسط المدينة للحفاظ على الأمن والمجاهرة به، حسب بيان الوزارة على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وأشار البيان إلى أن الدوريات تستهدف أيضا ضبط الخارجين عن القانون والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة، ومنع أي خروقات أمنية والتصدي لها، منوها بضبط الدوريات عدة سرقات ومرتكبيها، الذين أحيلوا للإدارة العامة للعمليات الأمنية لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم. كما استرجعت دوريات أمنية الإثنين الماضي، سيارات وممتلكات مسروقة داخل ترهونة، إذ دعت مَن يتعرف إلى أي ممتلك يخصه ضمن هذه المسروقات، أن يثبت واقعة السرقة في أقرب مركز شرطة، ويتواصل مع الإدارة بمنطقة تاجوراء.

دراسة عن النازحين
وفي بحث عن قضية النازحين في ليبيا، يقول الباحث بالمنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات محمد تنتوش، في ورقة أعدها في عام 2017، إن مسألة النازحين كانت نتيجة حتمية لحالة الصراع المسلح الذي تشهده مناطق شاسعة في البلاد. ورأى أن تفاقم هذه القضية واستمرارها منذ سنة 2011 يضعها على أولويات القضايا المرتبطة بتحقيق المصالحة الوطنية، حيث أنها في بعض الحالات تمثل بادرة حسن نية من أجل إنهاء الصراع بين مناطق معينة، وفي حالات أخرى تعتبر نتيجة ضرورية لتحقيق المصالحة. ويقرر تنتوش: أوضاع النازحين السيئة تعتبر من أكبر الدوافع التي يجب من أجلها تحقيق المصالحة وإنهاء الصراع العسكري في البلاد.

وعن تأثير الانقسام السياسي على ملف النازحين، يقول الباحث: لا يكمن أثر الانقسام السياسي على ملف النازحين في كونه فقط السبب الرئيسي في بدء حالة نزوح السكان نتيجة تحول هذا الانقسام إلى مواجهات مسلحة في مناطق مختلفة من البلاد، بل يتجاوز أثر الانقسام السياسي إلى أبعد من ذلك، حيث كان له أثر كبير على كفاءة الجهود الإنسانية وأثر على المنظمات الإغاثية في تنفيذ أعمالها في تقديم المساعدة، فضلا عن عدم قدرة الكثير من العائلات النازحة على العودة إلى منازلهم بفعل عدم قدرة أطراف الصراع على التمييز بين الخصومة السياسية والعسكرية في أراض القتال، وبين تحييد الأبرياء عن آثار هذا الصراع الذي ترتب عليه وجود أكثر من حكومة في البلاد، بما عرقل الجهود الإنسانية الدولية والمحلية بشكل كبير.

للاطلاع على العدد 238 من جريدة «الوسط» اضغط هنا 

مصادرة قوافل إغاثة
وتمثلت أبرز ملامح هذه العراقيل في: مصادرة بعض القوافل الإغاثية، وعدم قدرة المنظمات الإنسانية الدولية على العمل في كافة المناطق في ليبيا، فضلا عن اختيار بعض المنظمات عدم العودة للعمل في ليبيا حتى تتشكل حكومة واحدة يسهل التعامل معها، وكذلك عدم قدرة بعض المنظمات المحلية على الوصول إلى مناطق تحت سيطرة حكومة تختلف عن الحكومة الموجودة في مناطق هذه المنظمات، وتشتت جهود وزارة الشؤون الاجتماعية بفعل تشتت تبعية فروعها ما بين الحكومات المختلفة، وضعف الاقتصاد الليبي نتيجة الانقسام السياسي وعدم توفير الميزانيات الكافية لتوفير المساعدة من قبل الجهات والمنظمات الحكومية.

ومن ضمن العوائق أمام مساعدة النازحين: عدم توفير السيولة الكافية للنازحين مما زاد من حدة أزمتهم بشكل لم يستطيعوا معه توفير احتياجاتهم الرئيسية مثل تكلفة الإيجار والعلاج، وإيقاف مرتبات بعض النازحين نتيجة عدم عودتهم إلى أعمالهم في مناطقهم الأصلية بسبب خلافاتهم مع الأطراف المسيطرة على الأوضاع السياسية والأمنية في تلك المناطق.

الهلال الأحمر بني وليد خلال توزيع مساعدات للنازحين. (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط