«مجزرة مزدة» تجدد آلام المهاجرين وتثير تساؤلات حول الإفلات من العقاب

جثامين عدد من ضحايا مجزرة مزدة من المهاجرين. (أرشيفية: الإنترنت)

من جديد، عاد جرح المهاجرين واللاجئين في ليبيا إلى النزيف بغزارة، مذكرا العالم بواحدة من أكبر مآسي الهجرة على ضفاف المتوسط، حيث يعيش في البلاد أكثر من 654 ألف مهاجر ولاجئ، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

ومع تكرار الجرائم ضد المهاجرين، بات السؤال حول الإفلات من العقاب في ليبيا مطروحا، في ظل عدم وجود شواهد ملموسة لتحقيقات جدية تقدم الجناة إلى العدالة. البداية كانت بإعلان وزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني، الخميس الماضي، مقتل 30 وإصابة 11 في عملية انتقامية بمنطقة مزدة نفذت ضد مهاجرين غير شرعيين. وأوضحت الوزارة في بيان لها أن هذه الجريمة جاءت «كرد فعل انتقامي على مقتل المواطن (ي م ع ب ا)، مواليد 1990م ومقيم بمنطقة مزدة، والمشتبه في ضلوعه بالاتجار بالبشر، من قبل مهاجرين غير شرعيين أثناء قيامه بعملية تهريبهم».

للاطلاع على العدد 227 من جريدة «الوسط». اضغط هنا 

ولفتت الوزارة إلى أن «أهالي المجني عليه، كرد فعل انتقامي على مقتله، قاموا بقتل 26 شخصا من الجنسية البنغلادشية وأربعة أشخاص أفارقة، وإصابة 11 شخصا مهاجرا إصابات متفاوتة نقلوا على أثرها لمستشفى الزنتان لتلقي العلاج».

وأشارت الوزارة إلى أنها أصدرت «التعليمات لمديرية أمن مزدة باتخاذ كافة الإجراءات القانونية لضبط الجناة، والتعميم على أسمائهم وملاحقتهم والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة». مؤكدة أنه «مهما كانت الدوافع لجريمة القتل الجماعي فالقانون لم يعط الحق للمواطن باستيفاء الحق بالذات، وأن القانون سيكون هو الرادع لكل شخص مهما كانت الأسباب».

وروى شاهد عيان «الوسط» تفاصيل المجزرة، إثر مقتل مهرب معروف في البلدة، يدعى يوسف محمد عبدالرحمن على يد بعض المهاجرين. وقال الشاهد إن يوسف محمد عبدالرحمن معروف بين الأهالي بأنه من أحد «مهربي البشر الكبار»، وكان يأوي عددًا كبيرًا من المهاجرين الأفارقة والبنغال بمقر إقامة يخصه في حي «باصور الجريد» بمزدة، ولقي مصرعه على يد بنغاليين في تمرد لا تعرف أسبابه، وقتلوه، عشية الأربعاء.

وأضاف الشاهد أن الأمر تأزم بعد مقتل عبدالرحمن، ما دفع عددا من أعوانه وأقاربه إلى التوجه إلى المكان «ومحاصرته نحو الساعة الـ11 ليلا، لتبدأ مفاوضات بينهم وبين المتمردين وهم أفارقة وبنغال أسفرت عن الاتفاق على خروج أكثر من مئة أفريقي وتسليم جثة عبدالرحمن». وأوضح الشاهد أن نحو 40 من البنغال ومعهم بعض الأفارقة، رفضوا الخروج، ليقتحم أعوان القتيل المقر بواسطة «سيارة مصفحة وقذائف يعتقد أنها من نوع (أر بي جي) بعد أن أحدثوا ثغرة في الجدار، وأجهزوا على من كان بالداخل، وعددهم نحو 30 شخصًا».

ولفت الشاهد إلى أن النيابة حضرت وأحصت الجثث، وفيما «دفن يوسف عبدالرحمن فقط في مقبرة مزدة الشرقية، لا يُعرف إلى الآن مكان نقل القتلى»، حسب الشاهد.

وبحلول الجمعة، قالت مصادر محلية في بلدة مزدة إن النيابة العامة أمرت بدفن جثامين الضحايا في مقبرة البلدة الخارجية، بإشراف مديرية أمن مزدة.

بدورها، دعت المنظمة الدولية للهجرة، الجمعة، السلطات الليبية إلى إجراء تحقيق على الفور في المجزرة، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، معربة عن استنكارها للحادث. وقالت المنظمة في بيان عبر موقعها على الإنترنت إن «المأساة وقعت في مستودع للتهريب في مزدة بالقرب من مدينة غريان جنوب غرب طرابلس، حيث تم احتجاز مجموعة من المهاجرين»، مشيرة إلى أن الحادث «تورط فيه متاجر بالبشر».

وأكدت المنظمة نقل 11 مهاجرا أصيبوا بجروح خطيرة جراء إطلاق النار في موقع الحادث إلى عيادات في طرابلس من قبل طاقم طبي تابع للمنظمة. وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، فيديريكو صودا: «إن هذه الجريمة التي لا معنى لها هي تذكرة قاتمة بالفظائع التي يجب أن يتحملها المهاجرون على أيدي المهربين والمتاجرين في ليبيا». واتهم صودا «الجماعات الإجرامية» باستغلال حالة عدم الاستقرار والوضع الأمني ​​للضرب على الأشخاص اليائسين واستغلال نقاط ضعفهم.

علامات ضرب قديمة
وأفاد الطاقم الطبي للمنظمة الدولية للهجرة الذين يقدمون المساعدة بأن «بعض المهاجرين يحملون علامات قديمة من الضرب والإيذاء البدني»، بحسب البيان. وحذرت المنظمة من التدهور السريع لأوضاع «المدنيين لا سيما المهاجرين والمشردين مع استمرار النزاع بلا هوادة في العاصمة والمناطق المحيطة بها»، لافتة إلى نقل العديد من المهاجرين «ممن تم اعتراضهم أو إنقاذهم وإعادتهم إلى ليبيا هذا العام إلى مراكز احتجاز غير رسمية».

ونبهت المنظمة الدولية للهجرة إلى أن هؤلاء «يمكن أن يقعوا بسهولة في أيدي المهربين والمتاجرين». مؤكدة أنها «أبلغت في السابق عن حالات اختفاء من هذه المرافق وعدم القدرة على تفسير غياب المئات إن لم يكن الآلاف ممن أعادهم خفر السواحل».

وذكرت المنظمة أنه «حتى الآن في العام 2020، تم اعتراض أو إنقاذ نحو 4000 شخص في البحر وعادوا إلى ليبيا». وقالت: «إن الحوادث الأخيرة والعديدة التي تنطوي على قوارب في محنة بالبحر الأبيض المتوسط ​​وإحجام البلدان عن توفير الموانئ المنقذة من الدولة الواقعة في شمال أفريقيا التي مزقتها الحرب، تشير مرة أخرى إلى الحاجة إلى تغيير النهج مع الوضع في ليبيا».
وشددت المنظمة الدولية للهجرة على أنه «يجب أن تظل محاكمة المهربين والمتاجرين بالبشر أولوية»، مطالبة بضرورة «إنشاء مخطط بديل آمن للنزول يتم بموجبه تزويد الفارين من النزاع والعنف بميناء آمن، وتضمن احتياجاتهم وحمايتهم».

للاطلاع على العدد 227 من جريدة «الوسط». اضغط هنا 

ومع مرور الوقت، وحتى الثلاثاء من الأسبوع الجاري، قالت مصادر محلية في مزدة، إن 24 من المهاجرين ضحايا المجزرة التي شهدتها البلدة الأسبوع الماضي، جرى دفنهم في مقبرة الغرباء، بينما سلمت أربع جثث إلى جمعية الهلال الأحمر الليبي. وأضافت المصادر في اتصالات مع «الوسط» الثلاثاء، أنها لم تلاحظ تحقيقات في مسرح الجريمة بشأن الواقعة حتى الآن، فيما ما زال المبنى الذي وقعت فيه المجزرة مقفلا.

وأعلنت السلطات البنغلاديشية في العاصمة دكا، أنها أوقفت شخصا يدعى كمال الدين البالغ 55 عاما وتتهمه بأنه «العقل المدبّر» لعملية الاتجار بالبشر على خلفية مقتل 30 مهاجرا في ليبيا، انتقاما لمقتل ليبي يشتبه بضلوعه في تهريب مهاجرين في بلدة مزدة جنوب غرب طرابلس الأسبوع الماضي، وفق ما أعلنت الشرطة.

وقفة سابقة لمهاجرين خلال زيارة مسؤولين أممين لمركز احتجاز عين زارة (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط