جريدة «الوسط»: المشير يفجر «قنبلة» التفويض

المشير خليفة حفتر خلال إعلانه «إسقاط الاتفاق السياسي»، 27 أبريل 2020، (رويترز)

لم يثن انشغال العالم بمواجهة جائحة «كورونا» فرقاء الأزمة الليبية عن الاستمرار في توسيع الفجوة بين مواقفها، فيما لم تتوقف أصوات المدافع والقصف برا وجوا منذ الهجوم الذي أعلن عنه المشير خليفة حفتر باتجاه العاصمة، في 4/4/2019 تحت عنوان «تحرير طرابلس من الميليشيات والإرهابيين»، لكن المستجد في السياق، هو إعلان حفتر المفاجئ في كلمة متلفزة الإثنين الماضي، قبوله بما اعتبره «تفويضا شعبيا» بإدارة القيادة العامة للجيش البلاد، وإسقاط «اتفاق الصخيرات» محملا إياه مسؤولية «تدمير البلاد وقيادتها إلى منزلقات خطيرة»، ما اعتبره البعض بمثابة انقلاب على المسار السياسي، بينما رأى من باركوا التفويض، أنه أمر طبيعي، و«تحصيل حاصل»، فيما يذهب رأي ثالث إلى القول بأن أصداء هذه القنبلة وما تلاها من خطوات ستشكل حقائق جديدة تفرض نفسها على أية جولة مفاوضات مستقبلية قد يرعاها المجتمع الدولى.

المشير حفتر أعقب إعلان التفويض وإسقاط الاتفاق السياسي بإطلاق مفاجأة أخرى، حين تلا المتحدث الرسمي باسم القيادة العامة بيانا أعلن فيه أن «القيادة العامة تعلن عن وقف جميع العمليات العسكرية من جانبها»، موضحا أن الخطوة جاءت «استجابة للدعوات من الدول الشقيقة والصديقة التي تطالب فيه وقف القتال خلال هذا الشهر الكريم»، وأعقب ذلك –وفي مؤتمر صحفي– بالإعلان عن إطلاق «إعلان دستوري يتم بموجبه وضع خارطة طريق للمرحلة المقبلة».

ومنذ اللحظة الأولى، كان من الطبيعي أن تثير «قنبلة» حفتر هذه، وبعد إطلاقها ردود فعل محلية ودولية، فاتهم المجلس الرئاسي المشير حفتر بأنه «انقلب على الأجسام السياسية الموازية التي تدعمه، التي في يوم ما عينته، وبذلك لم يعد في مقدور أحد أو أي دولة (التحدث) عن شرعيته بأي حجة كانت»، وطالب أعضاء مجلس النواب بـ«الالتحاق بزملائهم» في طرابلس، لبدء حوار شامل ويستمر المسار الديمقراطي وصولا إلى حل شامل ودائم عبر صناديق الاقتراع.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 232 من جريدة «الوسط»

أما المجلس الأعلى للدولة فتمسك بالاتفاق السياسي إطارا حاكما للمرحلة الانتقالية، ومنظما للعملية السياسية فيها، داعيا مجلس النواب إلى «الالتئام» من أجل استئناف عملية الحوار السياسي. في حين طالب أعضاء مجلس النواب في طرابلس أعضاء مجلس النواب بالالتحاق بزملائهم في طرابلس لـ«المشاركة في صياغة مشروع وطني يحقق طموحات كل الليبيين»، ويعالج كل الخلافات بين الشركاء السياسيين في الوطن، المؤمنين بضرورة بقائه موحدا سالما مستقرا، ولعل بيان النائب الأول لرئيس مجلس النواب، فوزي النويري كان لافتا بصراحته ووضوحه، فقد اعتبر إعلان المشير حفتر «انقلابا على المسار الديمقراطي».

وعلى صعيد ردود الفعل الدولية، شددت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ستيفاني وليامز، على «أن الاتفاق السياسي الليبي والمؤسسات المنبثقة منه يبقيان الإطار الوحيد المعترف به دوليا للحوكمة في ليبيا، وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي» خلال اتصال هاتفي أجرته، الثلاثاء، مع رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج.
وفي رد فعل سريع وغير معهود، أصدرت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بيانا، اكتفت فيه بالإعراب عن أسفها لإعلان حفتر باعتباره «تغييرات في الهيكل السياسي الليبي من خلال إعلان أحادي الجانب». ورحبت بـ«أي فرصة لإشراك» القائد العام للجيش وجميع الأطراف في حوار «جاد حول كيفية حلحلة الأزمة وإحراز تقدم في البلاد».

لكن السفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند عاد ليصعد موقف بلاده، ويعلن «رفض إعلان القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر (مستقبل سياسي جديد للبلاد من طرف واحد)»، حسب بيان السفارة على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، الأربعاء، مضيفا في اتصال مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الواق، فائز السراج «إن الاتفاق السياسي والمؤسسات المرتبطة به، بما في ذلك حكومة الوفاق، الإطار الوحيد المعترف به دوليا لحكم ليبيا والانتقال السياسي».

ورغم ما يقال عن الدور الروسي الداعم حفتر، إلا أن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أعلن أن بلاده «لا ترحب بتصريحات حفتر بشأن الحكم الفردي» في بلاده، وأضاف أنه «ليس بيد موسكو أدوات للتأثير على حفتر حاليا». وفي ظل رهان بتأثير روسي على حفتر قال لافروف: «لا يمكن هنا الحديث عن وجود أي أدوات ضغط لدى روسيا... نحن على اتصال مع كل الأطراف الفاعلة في الأزمة الليبية دون استثناء».

اضغط هنا للإطلاع على العدد 232 من جريدة «الوسط»

أما فرنسا المحسوبة أيضا بأنها داعم مهم لمعسكر المشير، فأكدت أن الصراع في ليبيا «لا يمكن حله من خلال القرارات المنفردة، وإنما من خلال حوار تدعمه الأمم المتحدة»، وقال نائب الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية، أوليفييه جوفين، في بيان: «لا يمكن التوصل إلى حل للصراع الليبي إلا من خلال الحوار بين الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة وليس من خلال القرارات المنفردة».

وجددت إيطاليا تأكيد «دعمها الكامل والاعتراف بالمؤسسات الليبية الشرعية المعترف بها من قبل المجتمع الدولي»، الممثلة في كل من: المجلس الرئاسي، حكومة الوفاق الوطني، مجلس النواب، المجلس الأعلى للدولة، وفق بيان أصدرته الحكومة الإيطالية. وأكدت الحكومة الإيطالية في البيان «أنه يجب اتخاذ كل قرار بشأن مستقبل ليبيا بالتوافق والديمقراطية في أعقاب الاتفاق السياسي الليبي للصخيرات في ديسمبر 2015، ومسار الاستقرار الذي تقوده الأمم المتحدة في سياق عملية برلين».

وجاء أول ردود الفعل من دول الجوار، على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، المستشار أحمد حافظ، الذي أكد «تمسك مصر بالحل السياسي وبمبدأ البحث عن تسوية سياسية للصراع في ليبيا»، واعتبرت القاهرة أن «البحث عن حل سياسي لا يعني ولا يجب أن يؤدي إلى التهاون في مواجهة التيارات المتطرفة الإرهابية في ليبيا المدعومة من تركيا أو الدخول معها في مفاوضات حول مستقبل ليبيا»، ومن جانبه أكد الرئيس التونسي قيس بن سعيد، تمسك بلاده بالشرعية الدولية في ليبيا وضرورة احترام إرادة الشعب الليبي، مجددا رفض تونس أي مساس بوحدة ليبيا وشعبها. وأضاف الرئيس التونسي، خلال لقاء مع وزير خارجيته نورالدين الري، أنه لا حل في ليبيا إلا الحل السياسي المبني على التوافق الداخلي دون أي تدخل خارجي.

وتبقى تساؤلات قائمة حول موقف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي استبق المشير حفتر بمقترح أقرب إلى المبادرة السياسية من ثماني نقاط ترتكز على إعادة هيكلة السلطة التنفيذية الحالية المنبثقة من الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات وإعادة اختيار أعضائها، وعلى الأقاليم التاريخية الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان)، وإعادة كتابة الدستور مع استمرار مجلس النواب إلى حين إجراء انتخابات تشريعية جديدة، وقوبلت المبادرة بترحيب رئيس البعثة الأممية بالإنابة، ستيفاني وليامز، واعتبرتها «إشارة إيجابية»، فيما قالت وزارة الخارجية الروسية إن أفكار رئيس مجلس النواب يمكن أن تشكل أساسا للمناقشات السياسية في إطار عملية التسوية الليبية الشاملة. وفق الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا.

والسؤال الكبير، هو أين تلتقي مقترحات عقيلة، و«تفويض» المشير، وأين يتعارضان؟، ثم ماذا سيكون رد فعل الطرف الآخر على الهدنة المعلنة من جانب واحد؟

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط