جريدة «الوسط»: تصعيد كلامي وميداني في الداخل يواكب تحضيرات برلين

التحضيرات التي تسبق مؤتمر برلين لتحقيق توافق بين أطراف الخارج حول الأزمة الليبية قبيل انعقاد المؤتمر، رافقها خطاب انقسام أطراف الداخل، تمثل في تصعيد كلامي وعسكري أيضا، بينما تجاوزت حرب العاصمة شهرها السابع دون تحقيق حسم عسكري من قبل أي من طرفيها.

فبينما جدد القائد العام للجيش، المشير خليفة حفتر، تمسكه بالمضي قدما في هذه الحرب حتى «تحرير» العاصمة، أكد رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، من جهته تمسكه بالمضي قدما في المواجهة، و«دحر العدوان على العاصمة»، وبدا الخطابان كخطين متوازيين لن يلتقيا.

المشير حفتر قال في حوار مطول لجريدة «إندبندنت عربية» الثلاثاء: «سندخل العاصمة... عاجلا وليس آجلا»، مجددا الحديث عن أن القتال الذي تخوضه قواته هو حرب ضد «المجموعات الإرهابية والميليشياوية، التي هاجمت طرابلس وسيطرت على مناحي الحياة فيها»، حسب تعبيره.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 207 من جريدة «الوسط»

أما بشأن مؤتمر برلين، فقد بدا حفتر متحفظا في مناقشة تفاصيله، وقال: «لا نعلم حتى الآن ما هي أجندة هذا المؤتمر»، لكنه أضاف: «كل المؤتمرات السابقة فشلت بسبب إهمال مسألة القضاء على الإرهاب وتفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، واعتقدوا أن مجرد الجلوس إلى طاولة مفاوضات وإصدار اتفاق، سيؤديان إلى الحل. ثم سرعان ما يكتشفون أن الاتفاق هو حبر على ورق فقط».

على الجانب الآخر، جاء موقف كل من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، مؤكدا ضرورة استمرار القتال ضد ما اعتبراه «عدوانا على العاصمة طرابلس»، إذ جددا خلال لقاء الأربعاء الماضي «ضرورة دحر العدوان، والعمل على تسخير جميع الإمكانات للوصول إلى هذا الهدف».

هذا الخطاب المتناقض كان وراء التصعيد العسكري الذي على الأرض جوا وبرا، ولم تخفف من حدة الاتصالات الجارية لعقد مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا، ومنها تلك التي جرت في مدينة زوارة الليبية القريبة من الحدود التونسية، وعدد من عواصم دول الجوار، رؤية شبه واضحة لأجندة المؤتمر، وهي أجندة تضع كرة النتائج المتوقعة في ملعب الدول الخمس الكبرى، التي بات التركيز الأساسي على مشاركتها مثار استياء الليبيين أنفسهم من عدم مشاركتهم.

التصعيد الميداني زاد لا شك من تعقيد الموقف في الداخل، مما يثير التساؤل عن مدى إمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار في مدى قريب، وهو أهم ما يسعى إليه مؤتمر برلين المرتقب.

وفي سياق الوضع الميداني، أعلن وزير الداخلية المفوض، فتحي باشاغا، تشكيل لجنة خاصة بين وزارتي الداخلية والمواصلات للتأكد والعمل على أن يكون مطار معيتيقة مدنيا دون وجود أي مظهر عسكري، مشيرا إلى تعاونهما مع البعثة الأممية، وقال: «تأكدنا اليوم بأنه مطار مدني وليس به أي وجود عسكري».

ولم يكن قصف المطار هو الهجوم الوحيد الذي سجلته حرب العاصمة هذا الأسبوع، إذ قتل عنصران تابعان لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق جراء قصف مقر قوة التدخل السريع بالإدارة العامة للدعم المركزي في عين زارة، حيث حملت «داخلية الوفاق» الطيران الحربي التابع للقيادة العامة مسؤولية الهجوم.

إلى ذلك، كشفت جريدة «واشنطن بوست» عن وجود مئات المرتزقة الروس، والعديد منهم مدربون تدريبا جيدا ومسلحون بشكل جيد، يقاتلون إلى جانب القوات التابعة للقيادة العامة، وهو ما وصفه الناطق باسم قوات القيادة العامة العقيد أحمد المسماري، بـ«الأخبار الزائفة» قائلا: إن «جميع مقاتلينا ليبيون»، ما أوردته الـ«واشنطن بوست» سبقته إليها جريدة «نيويورك تايمز» بـ24 ساعة، الأمر الذي لفت أنظار متابعين للشأن الليبي، ودفعهم إلى التساؤل حول ما إذا كان ما نشرته الجريدتان يعد مؤشرا لموقف أمريكب «جاد» من مسألة الوجود الروسي في ليبيا، وهو أيضا ما يدفع الليبيين إلى التخوف من أن تصبح بلادهم (سورية أخرى)، أي ميدان للتجاذب الأميركي الروسي المسلح.

اضغط هنا للإطلاع على العدد 207 من جريدة «الوسط»

في هذه الأثناء، تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي البحث عن مخرج لتعقيدات الوضع في المشهد الليبي، وعقب اجتماع السراج مع سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، في لندن الأحد، أكدت السفارة الأميركية أنها مستعدة لتقديم دعمها الكامل لهذا الحوار السياسي الليبي، لافتة إلى أن السفير نورلاند «أكد أيضا أن الصراع المستمر يقوض الحرب الأميركية–الليبية المشتركة ضد الإرهاب ويضر باحتمالات تعافي النمو الاقتصادي في ليبيا».

وفي بروكسل، من المقرر أن تعود الأزمة الليبية إلى جدول أعمال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المقرر يوم الإثنين المقبل، وقال مصدر دبلوماسي في تصريح إلى «الوسط»: «سيناقش الوزراء الأوروبيون المبادرة الألمانية الهادفة أساسا للتقريب بين مواقف المجتمع الدولي وضمان تماسك أكبر بين الأوروبيين».

المصدر الدبلوماسي لفت أيضا إلى أن التوصيات الأوروبية المعتادة لم تعد كافية، مثل الدعوة إلى حل سياسي وإشراك الأطراف الليبية، وضمان مزيد من التماسك والوحدة في عمل الاتحاد الأوروبي، مشددا على أن «الجهود يجب أن تتمحور حول سبل تعزيز العملية السياسية بالدرجة الأولى وإيجاد حلول لوضعية اللاجئين والمهاجرين الذين يمثلون هاجسا كبيرا لعدة دول أوروبية خصوصا إيطاليا وألمانيا».

ومع تصاعد خطاب التصعيد الكلامي بين أطراف الأزمة الليبية، واستمرار حرب العاصمة للشهر السابع، يبقى الجميع في انتظار مسار برلين، وفي الوقت نفسه، بشيء من القلق أمام اتساع هوة التناقض والانقسام في الداخل، ومدى انعكاسه على ما يتوقع من مخرجات برلين.

المزيد من بوابة الوسط