فرانس بيرس: سكان طرابلس يستقبلون الشهر الكريم بـ«جيوب فارغة وحرب مرهقة»

الحرب أنهكت الليبيين وزادت من معاناتهم الاقتصادية

سلط تقرير لوكالة فرانس بيرس، الضوء علي الوضع الإنساني الصعب في العاصمة الليبية طرابلس، قبل أيام من شهر رمضان الكريم، مع دخول الحرب في ضواحي العاصمة أسبوعها الخامس بين القوات المسلحة التابعة للقيادة العامة والقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني، والتي أودت بمئات القتلى والمصابين.

ونقلت الوكالة عدة مشاهد من الأسواق في طرابلس، والتي كادت تنعدم من المشترين الذين أنهكت الحرب جيوبهم كما أنهكت أجسادهم، إذ يجلس محمد النويري (69 عامًا) على كرسي صغير داخل سوق الرشيد الذائع الصيت وسط العاصمة طرابلس، حيث ينصب يومياً طاولته الخشبية لعرض بعض البهارات والثوم المغلف، مصدر رزقه وأهل بيته، مترقبًا قبل أيام من بدء شهر رمضان، الزبائن الذين أنهكتهم سنوات من الأزمات والحروب.

ويقول «النويري»، وهو يغلف الثوم بأكياس، «أصابني الإرهاق وغيري كثيرون مثلي، نقاوم عامًا تلو آخر في ظروف استثنائية والحرب تتربص بنا، كلما نشعر ببصيص أمل، يطفو للسطح صراع عسكري بين الليبيين». 

ومنذ الرابع من أبريل، شنّت القوات المسلحة التابعة للقيادة العامة، هجوماً على العاصمة طرابلس، حيث مقرّ حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، وقتل 376 شخصاً وأصيب 1822 بجروح في هذه المعركة خلال الشهر الماضي، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

لا تزال المعارك تتركز جنوب العاصمة، ولم تصل إلى أحيائها، لكن سكان طرابلس يشعرون بالقلق.

ويواصل النويري: «أنا فخور بإطعام أولادي من الحلال، منذ سنوات، أواظب على القدوم هنا، لإعالة أسرتي المكونة من عشرة أفراد، لدي أولاد في الجامعة وابنة معاقة بدنياً.. وأنا مصاب بالسكري وأشتري دوائي بشق الأنفس».

وتتجوّل منال خيري (45 عامًا) داخل سوق البقوليات، مشيرة إلى أنها تأتي كل عام إلى هذا المكان لشراء بعض الحمص والعدس ومستلزمات رمضانية خاصة.

وغالبًا ما تشهد هذه السوق زحمة في مثل هذه الأوقات، لكن الحال تغير بفعل الظروف الاقتصادية التي تمر بها ليبيا، وصعوبة الحصول على السيولة النقدية من المصارف.

وتشكو منال، وهي أم لأربعة أطفال من ارتفاع الأسعار، «ثلاثة أيام أمضيت خلالها ساعات أمام المصرف»، مشيرة إلى أنها تمكنت فقط من سحب 500 دينار (360 دولارًا)، مؤكدة أن هذا المبلغ لا يكفي لسدّ احتياجات عائلتها سوى للأسبوع الأول من شهر رمضان. وترفع يدها صوب السماء قائلة «أرجو من الله أن يجمع شمل الليبيين، لأننا الآن نقتل بعضنا وثروات بلدنا تسرق في وضح النهار». 

ويشير التاجر عبد الله الشايبي إلى أن المعارك التي يشهدها محيط طرابلس «باتت مزعجة ومقلقة، وجعلت آلاف الناس يتركون منازلهم»، مضيفًا «ألاحظ أن شريحة واسعة من الليبيين عاجزة عن شراء أبسط مقومات الحياة، بعض العائلات تعدّ تأمين وجبات الطعام إنجازًا، وهو أمر لم نعتد عليه في بلاد غنية بالنفط».

ويضيف بينما يقف أمام محل لبيع التمور، «بلادنا مشهورة عالميًا بإنتاج التمر، نجد أنفسنا عاجزين عن شرائه بعد ارتفاع ثمنه ضعفين»، ثم يتساءل «هل يمكن تخيل مائدة الليبيين في رمضان خالية من التمر الذي يمثل رمزية وروحية وقت الإفطار؟».

وتنقل «فرانس برس»، أن المصارف التجارية الخاصة والحكومية تعجز عن توفير السيولة للمواطنين، على الرغم من برنامج إصلاحات اقتصادية أقرته حكومة الوفاق العام الماضي.

أضرار النزوح
وتسببت المعارك الدائرة عند أطراف طرابلس بحركة نزوح كبيرة، جزء كبير منها في اتجاه الأحياء الداخلية للعاصمة، ما فاقم معاناة السكان مع قرب حلول شهر رمضان.

ويقول مالك الذي قصد السوق لشراء حاجاته «الحرب أخرجت الآلاف من سكان جنوب طرابلس من منازلهم، وغادر معظمهم مسرعين دون التمكن من أخذ حاجاتهم الأساسية، ما جعل الأعباء المالية تثقل كاهلهم، مع رمضان سيواجهون أوقات قاسية لتأمين حتى وجبة الإفطار»، ويرى أن رمضان هذه السنة «سيكون الأشد والأقسى» منذ أعوام على سكان طرابلس.

وتخطى عدد النازحين من مناطق الاشتباكات 45 ألف شخص، بحسب وزير الدولة لشؤون النازحين والمهجرين بحكومة الوفاق يوسف جلالة.

وفتحت الحكومة مدارس عامة لاستضافة عدد كبير من النازحين، فيما فضل غيرهم النزول عند أقارب لهم، أو يقيمون في مخيمات مستحدثة.

وحذرت مساعدة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا ماريا دو فالي ريبيرو الأحد الماضي من «خطورة» الأوضاع الإنسانية في طرابلس، مشيرة إلى احتمال تدهورها، فيما حاولت حكومة الوفاق استباق رمضان بمحاولة تطمين المواطنين.

ونقل نائب رئيس لجنة الطوارئ التابعة للحكومة عثمان عبد الجليل، بحسب بيان رسمي، عن وزارة الاقتصاد تأكيدها أن «جميع السلع الأساسية متوفرة وبشكل جيد جداً، وتغطي كافة احتياجات المواطنين طيلة شهر رمضان المبارك وما بعده».

بينما دفعت الأزمة بعض الجمعيات الخيرية الى إطلاق مبادرة «الإفطار الجماعي»، إذ قال مفتاح إدريس الذي يرأس جمعية خيرية في طرابلس لفرانس برس، «قررنا مع بعض الجمعيات المساهمة في التخفيف على النازحين وعلى البلديات التي تتحمل ضغطًا هائلًا مع استمرار حركة النزوح، وقررنا إطلاق مبادرة الإفطار الجماعي».

وأوضح أن «الإفطار الجماعي ليس جديدًا في ليبيا، كل رمضان توجد مثل هذه المبادرات، لكن هذه المرة مختلفة لأننا سنقيم إفطارًا جماعيًا في بعض مقرات ومخيمات النازحين»، معربًا عن أمله في أن يترك ذلك «أثرًا طيبًا نفسيًا على النازح ويخفف الأعباء المالية عن كاهله».