إعلان باريس يصطدم بالإطار الدستوري الذي ستجري بموجبه الانتخابات

رغم النجاح الذي أحرزته الدبلوماسية الفرنسية في اجتماع باريس بشأن ليبيا، بحضور الأطراف الليبية الفاعلة كافة، وممثلي 20 دولة إلى جانب المبعوث الأممي غسان سلامة، قوبل «إعلان باريس» بردود فعل متباينة، وجد فيها البعض «خطوة إلى الإمام» أو «لحظة تاريخية» للخروج من الانسداد السياسي بتحديد 10 ديسمبر موعدا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، يسبقها وضع الأسس الدستورية للانتخابات واعتماد القوانين الانتخابية الضرورية بحلول 16 سبتمبر المقبل.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي استطاع جمع الفرقاء الليبيين، رأى أن الاجتماع «لحظة تاريخية لليبيين»، لكنه أرجع عدم التوقيع على الاتفاق إلى «عدم اعتراف أي من الأطراف المشاركة بمشروعية الآخر». وقال: «كان من المنطقي أن يكون اتفاق اليوم بمثابة إعلان يؤدي مستقبلاً إلى اتفاق»، وأشار إلى «أن كل الأطراف موافقون على النتائج»، مضيفاً: «لا حجة لأحد بعد اليوم وما كان يحدث في الماضي من خلط واحتجاج بعض الأطراف لعدم حضورها انتهى اليوم لأن الجميع كان حاضراً».

فيما رأى آخرون أن هذا الإطار الزمني للانتخابات «متفائل للغاية»، و«غير واقعي وحالم»، وهناك من رأى فيه فرصة ل«تطوير» الحل، بينما لم يجد فيه آخرون أي جديد سوى «تأكيد المؤكد» بل وحذر آخر من «جر البلاد إلى منزلق خطير».

ومع ذلك وجدت الأطراف المشاركة نفسها مطالبة بالجواب عن سؤال مهم، ماهو الإطار الدستوري الذي ستجري بموجبه هذه الانتخابات؟.

وفي أروقة الاجتماع كان الجدل حول القاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات في هذا الموعد، إذ جاء تأكيد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج أن جميع الحاضرين في لقاء باريس أعلنوا بصيغ مختلفة الموافقة على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 10 ديسمبر المقبل.

وعرض السراج عدة خيارات أمام هذا الإطار الدستوري، من بينها «هل نذهب إلى الاستفتاء على مشروع الدستور الذي تم تقديمه لمجلس النواب، أو تعديل الإعلان الدستوري، أو استخراج الفقرات الخاصة بالانتخابات من الدستور القائم»، معبراً خلال مؤتمر صحفي عن عزمه «تدارس هذه الخيارات على أن تستكمل قبل يوم 16 حتى نستطيع المضي قدماً في الاستحقاق الانتخابي يوم 10 ديسمبر».

المجلس الأعلى للدولة، وعلى لسان رئيسه خالد المشري، أكد ضرورة الاستفتاء على مشروع الدستور المودع لدى مجلس النواب قبل إجراء الانتخابات، وإفساح المجال للشعب الليبي ليقول كلمته بكل حرية في قبول أو رفض هذا المشروع.

وحرص المبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة خلال المؤتمر الصحفي على توضيح جزئية غموض القانون الانتخابي قائلاً: نحن نبني على القاعدة الدستورية للانتخابات التي ستعد في تاريخ أقصاه 16 سبتمبر. وذكر أن «القاعدة هي إما أن تكون استفتاء، أو النص الدستوري الكامل، أو مراجعة الإعلان الدستوري 2011، أو أخذ بعض النصوص الموجودة في القانون الدستوري، ولا سيما البنود الخاصة بانتخاب الرئيس».

أما المفوضية الوطنية العليا للانتخابات فأكدت الاستعداد لإجراء انتخابات في ديسمبر المقبل من أجل الخروج بالبلاد من الأزمة الحالية رغم كل الضغوطات التي تمر بها. وقال المدير العام للمفوضية: «سيكون هناك اجتماع قريب لمجلس المفوضية من أجل اتخاذ قرار بخصوص إجراء انتخابات في ديسمبر المقبل حسب اتفاق باريس اليوم».

ويرى محللون أن مخرجات اجتماع باريس تبدو مغرقة في التفاؤل بالنظر إلى ما يواجهها من معوقات، إذ اعتبرت كبيرة المحللين في الشأن الليبي في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، أن إعلان باريس كان «أكثر دقة من المسودات السابقة» لكنه حدد إطاراً زمنياً «متفائلاً للغاية» للانتخابات.

وقالت غازيني إن إعلان باريس «لم يوضح كيف ستحدد سلطات رئيس المستقبل»، لافتة إلى أن «إجراء انتخابات هذا العام هو أيضاً أمر غير واقعي من وجهة نظر تقنية بحتة»، موضحة أن «الإطار القانوني والدستوري غير متوافرين، وهي عوائق يبدو تجاوزها مستحيلًا في خلال فترة قصيرة».

وتحدثت جريدة «ذا تلغراف» عن تضارب مصالح الدول الخارجية في ليبيا، مشيرة إلى مخاوف حيال إجراء الانتخابات في ظل الوضع الأمني ، نظراً لكمية الأسلحة المتاحة والأعداد الكبيرة للمجموعات المسلحة المؤثرة».

في المقابل، تمسكت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور « بوجوب تمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه الدستوري وتقرير مصيره من خلال الاستفتاء بـ(نعم) أو (لا) على مشروع الدستور». وأهابت بـ«كل الأجسام والمؤسسات العامة في ليبيا بالعمل على سرعة إصدار قانون الاستفتاء، ودعت الهيئة التأسيسية المبعوث الأممي غسان سلامة إلى «منح ملف عملية الاستفتاء على الدستور الأولوية في الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة إلى ليبيا».

ورأت رانيا الصيد، عضو الهيئة، أن الانتخابات «ستخلق شقاقاً بين من يقبلون بمرحلة انتقالية وبين من يرغبون بمرحلة الاستقرار وفق ضوابط دستورية. أما عضوة الهيئة نادية عمران فأكدت أن «الهيئة التأسيسية منتخبة من الشعب الليبي وأخرجت مشروع دستور على أساس توافق عظيم الذي حدث بين أعضاء الهيئة بمختلف انتماءاتهم وأيديولوجياتهم ومن جميع مناطق ليبيا».

أما الأمم المتحدة فقد سعت لاستثمار اجتماع فرنسا لتأييد خطتها الرامية إلى إجراء الانتخابات هذا العام، وفي هذا السياق وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بإعلان باريس، بـ«الخطوة المهمة إلى الأمام في عملية الانتقال السياسي في ليبيا»، وأكد في بيان أن الأمم المتحدة «ستواصل، بقيادة الممثل الخاص غسان سلامة، تنفيذ خطة عملها على النحو الذي يدعمه الإعلان المعتمد اليوم».

ومع أن رئيسي مجلسي النواب والدولة كانا حاضرين إلا أن آراء أعضاء المجلسين جاءت متباينة، حتى داخل المجلس الواحد، وكان القاسم المشترك بينهم هو الانتقاد الحاد لمخرجات الاجتماع، التي اعتبروها غير واقعية وتحتاج إلى تطوير، وربما تدفع البلاد إلى «منزلق خطير».

على صعيد المجلس الأعلى للدولة، قال عضو المجلس عبد الرحمن الشاطر إن مؤتمر باريس لم يأت بجديد، معتبرا الإعلان الصادر عنه «مجرد تكرار لما تكرر تكراره» على حد وصفه. وقلل الشاطر من توقعات الحل عبر «بيان باريس الخاطف، الذي يجمع بعض من لهم ضلع في تأزيم الأمور، والتسويق لهم بأنهم الحل والربط»، واصفا من يقوم بذلك بأنه « يعاني مراهقة سياسية».

أما عضو مجلس الدولة عن مصراتة، أبوالقاسم قزيط، رأى في لقاء باريس «خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح»، إلا أنه نبه إلى أن «جداولها الزمنية حالمة وليست واقعية».

لكن النائب عن مدينة سبها، مصباح دومة، حذر من إعلان باريس الذي يضع البلاد «في منزلق خطير»، مفضلا « تفعيل الاتفاق السياسي» الموقَّع في الصخيرات، في المقابل قال فرج عضو مجلس النواب فرج عبدالملك، إن نتائج لقاء باريس مقبولة لمَن أراد الوصول إلى حل لأزمة البلاد، وعلينا جميعًا تجاوز المصالح الشخصية والجهوية لتنفيذ اتفاق باريس».

ورأى النائب عن طرابلس المركز حمودة سيالة أن «الأهم هو الاتفاق على الأساس الذي ستجرى عليه الانتخابات، هل هو الأساس الدستوري وفي هذه الحالة يجب طرح الدستور للاستفتاء، أم تعديل دستوري لمرحلة انتقالية جديدة»، مضيفا «في الحالتين الأمر ليس سهلاً، ويظل انتشار السلاح هو جوهر الأزمة الليبية والعقبة أمام كل حل».

وشدد النائب عن مدينة صبراتة المبروك الخطابي، على ضرورة «إخراج الأجسام السياسية من المشهد السياسي والعودة إلى صاحب السيادة وهو الشعب بانتخاب جسم جديد»، في حين عبر عضو مجلس النواب فتحي باشا أغا عن خشيته من «ترك هذا الاتفاق لعوامل الصراع والزمن والإفساد الإقليمي في ظل تمترس وتخندق المستفيدين علي حساب الوطن».

أما النائب عن العجيلات، عبدالمنعم بالكور، رصد المعوقات ستواجه هذه المبادرة أثناء تطبيقها عمليًا، يأتي في مقدمتها رفض بعض أعضاء مجلس النواب من المنطقة الشرقية مسودة الدستور، وتوحيد المؤسسة العسكرية التي سوف تكون مثار خلاف حقيقي بين الأطراف المعنية»، في حين قال عضو مجلس النواب عن أوجلة، فتحي القباصي، أن «إعلان باريس يحتاج لتطوير بعد أن عُـقد الاجتماع على عجل».

في حين رحب نواب عن إقليم برقة، بتوصيات إعلان باريس داعين إلى إجراء انتخابات عامة وفق دستور الاستقلال لعام 1951، أو دستور جديد بمعايير دولية أو وفق الإعلان الدستوري، مع إجراء تعديلات واسعة عليه لمعالجة سلبيات المرحلة الانتقالية.

وأضاف النواب الـ44 أن «المسار الدستوري يرتكز على التوافق بين أقاليم ليبيا التاريخية بأغلبية موصوفة تمثل التوافق في كل مرحلة أو استحقاق من المسار الذي ينتهي بإصدار قانون استفتاء شعبي يرتكز على موافقة ثلثي كل إقليم من الأقاليم الثلاثة برقة وفزان وطرابلس عند إقراره».

المزيد من بوابة الوسط