ليبيا إلى أين؟ حوار مع د. علي عبد اللطيف احميده.(1ـ 2)

ليبيا إلى أين .. بعد 7 سنوات على الثورة أو الانتفاضة أو المؤامرة هكذا انقسم الليبيون.

ليبيا إلى أين .. بعد 3 سنوات من الجدل حول اتفاق الصخيرات وتعديلاته رغم أن الأجسام السياسية القائمة استمدت منه شرعيتها.

وما هو درس التاريخ الذي يجب أن تعيه القيادات الليبية للخروج من محنة فشلها في التوافق مرة تلو الأخرى؟ بدأ هذا في 2011 وتصاعد في 2014 ويحدث الآن في 2018! .

هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على الباحث والمؤرخ الليبي د. علي عبد اللطيف احميده، الذي نشرت له الوسط «كتاب ليبيا التي لا نعرفها»، وكان هذا الحوار معه بالقاهرة نهاية الأسبوع الماضي، أثناء زيارته القصيرة، مشاركاً في ندوة علمية بالجامعة الأميركية.

د. احميده حذر من غزو تتعرض له ليبيا من الجنوب، ونبه إلى أن الأمن الوطني في خطر لأن التوافق والمصالحة لم يتحققا حتى الآن، وقال إن الوضع الليبي مرشح لأن يكون أكثر سوءاً ما لم تتنازل القيادات وتبدأ المصالحة، ولذلك فقد شدد على ضرورة أن يجلس قائد الجيش المشير خليفة حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، وممثلو مصراتة معاً؛ كي يتنازلوا من أجل الثوابت الليبية، وحدة التراب الوطني ووحدة الجيش والشرطة.

وأكد أن الرؤية الاستراتيجية تعني أن نعي العالم كما هو، ونبني الدولة لمواجهة الوضع الإقليمي، وقال إن «خبرة التاريخ الليبي الحديث تعطي حكمة استراتيجية أساسية، مؤداها ضرورة حماية الحدود الجنوبية، والتحالف مع دول الجوار لتدعيم المصالح الليبية كما حدث في العهد العثماني، والنظام الملكي، بل حتى نظام القذافي الشمولي استوعب هذه الحكمة».. وإلى نص الحوار

في كتابك «ليبيا التي لا نعرفها»، كتبت شهادتك عن الوضع الليبي في العام 2013، والآن وقد تجاوزنا الربع الأول من العام 2018، بين التاريخين كيف ترى الإشكالية في الوضع الليبي؟
ليبيا تعيش إشكالية تاريخية، وهي أن الليبيين لم يتصالحوا مع نظام القذافي والنظام الملكي، وحتى المرحلة الاستعمارية بتفاصيلها المريرة.
في المرحلة الاستعمارية، هناك من تعاونوا مع المحتل، ومن لجأوا إلى المنفى، والأهم هناك آلاف مؤلفة راحت ضحية الفاشية الإيطالية، إلا أن النظام الملكي سكت عن أشياء كثيرة من أجل التنمية والاستقلال، ثم جاء القذافي وزملاؤه الضباط في انقلاب سبتمبر وبدورهم لم يتعاملوا مع النظام الملكي بموضوعية، قالوا عنه النظام البائد وعميل الاستعمار، صحيح أن النظام الملكي كان موالياً للغرب ويتحكم فيه الأعيان لكن ليبيا لم تكن مثل دول الخليج.

لكن خلال الفترة الملكية كانت هناك قواعد عسكرية للغرب ؟
 طبعاً اعتمد النظام الملكي على التحالف الغربي، وصحيح أنه شاخ ولم يجدد نفسه، غير أن ليبيا في ظل النظام نفسه كان بها دستور وبرلمان وصحافة وتعليم راقٍ، وجامعات على مستوى رفيع.

وماذا عن نظام القذافي؟
 قلت إن نظام القذافي جاء معبراً عن الدواخل وحاجة مجتمعات الدواخل، سأعطيكم مثالا، النظام بالرغم من «هبله» و«جنونه» وتوظيفه لشعارات القومية العربية وللمقاومة ضد الاستعمار والصهيونية، إلا أنه لم يخلق هذه المشاعر المعادية للاستعمار. إنها ثقافة الشعب الليبي، وتجربته التاريخية، فهو شعب ناضل ضد الاستعمار، وخاض تجربة مريرة، وظل التعبير عن هذه المسألة قضية مؤجلة خلال العصر الملكي، وهذا جزء من شرعية القذافي.
كان القذافي يخاطب المواطن الليبي العادي على أن الاستعمار دمرنا وقتلنا ووضعنا في المعتقلات ولم يهتموا بنا. هذا الخطاب الشعبوي وظفه لاكتساب الشرعية.
أيضاً لابد من الاعتراف، بأن نظام القذافي أفلح بتحالفاته في حماية أمن ليبيا، صحيح أنه أضاع كثيراً من الأموال، وصحيح أنه كان يحارب طواحين الهواء ، وكان يؤيد حكومات غريبة غير ذات مصداقية، لكنه أيضاً كان مؤيداً للقضية الفلسطينية وحركات التحرر الأفريقية.

نعيش إشكالية تاريخية.. فالليبيون لم يتصالحوا مع الملكية ونظام القذافي ولا المرحلة الاستعمارية بتفاصيلها المريرة

وماذا تقول عن الأزمة السياسية الراهنة التي طالت أكثر مما ينبغي؟
من الممكن أن نسميها «محنة» على مستوى القيادة السياسية، وأزمة بين الحكومات المتعددة، أساسها في الحقيقة فشل النخب السياسية في التنازل من أجل هدف أسمى وهو أن تكون لليبيا حكومة موحدة وجيش وشرطة. ويبدو أن الوضع في ليبيا من السوء لدرجة أن صار الكل يتهم الكل، وكل يقدم نفسه على أنه الفرقة الناجية، الأسوأ في كل هذا أن كل طرف يحاول أن يجد حليفاً إقليمياً أو دولياً.

وفي رأيي أن الأزمة الليبية هي أزمة فشل في التوافق بعد 2011، وتحديداً في العام 2014. كان أملي في البداية، وسبق أن ناديت مبكراً، بضرورة وجود توافق حول حكومة وجيش وشرطة وحدود، هذا لم يحدث وصار في ليبيا ما يسمى بـ «فراغ قيادي»، إضافة إلى ذلك، هناك أطماع إقليمية تؤيدها قوى كبرى بسكوتها، وأيضاً بخلق كذبة عن وجود أقليات في ليبيا، وعنصرية ضد السود، وهي كذبة صدقها بعض الليبيين بكل سهولة، كما تروجها بعض النخب التي تريد أن تحافظ على امتيازاتها.

الأنكى أن الكل يحتمي بالحليفين الإقليمي والدولي، وهذا أدى في نهاية الأمر إلى وضع كارثي، وهو أن ليبيا تشهد الآن غزواً من الجنوب، فحدودها الشرقية والغربية محمية من الجوار المصري والجزائري، لكن حدودها الجنوبية والشمالية متروكة بلا حماية، لتغزوها جماعات مسلحة ومهربون ومافيا سلاح وتهريب بشر، وما أدراك أن تترك حدودك الجنوبية لتلك الملايين الجائعة.

خبرة التاريخ تعطينا حكمة بضرورة حماية الحدود الجنوبية والتحالف مع دول الجوار.

ودون وجود حل لإشكالية الجماعات المسلحة بقيام جيش وشرطة تحتكر السلاح، أعتقد أن الوضع الليبي مرشح لأن يكون أكثر سوءاً، فالنخب قد تمترست وراء تحالفاتها الإقليمية والدولية، وللأسف الدول الغربية تشاهد ولا يهمها هذا على الإطلاق.

ما حدث في 17 فبراير، ثورة كبيرة وشعبية بمعنى الكلمة، كان هناك رجال ونساء وشباب في منتهى الشجاعة، وحدث ائتلاف بين من كانوا في النظام وبين الشباب والشابات وآخرين كانوا في المنفى، لكن لسوء حظ الشعب الليبي لم تنجح الثورة. وبحكم ظروف تاريخية صارت هناك حرب أهلية في 2011، وانقسم المجتمع الليبي ولا يريد أحد أن يعترف بذلك، فجزء من المشكلة، أن الأشياء لا تسمى بمسمياتها، الذي حدث هو حرب أهلية، هناك قطاع من الشعب الليبي حارب مع النظام. النظام نفسه كان غبياً واستبدادياً وشاخ وتآكل ولم يفلح في تجديد نفسه، هذا كلام قلته أكثر من مرة، كان لدى الشعب الليبي الرغبة في أن يعطي النظام فرصة أخيرة لإصلاح دستوري وقانوني حقيقي.

ليبيا تغزوها من الجنوب جماعات مسلحة ومهربون ومافيا سلاح وتهريب بشر

تقصد محاولة سيف القذافي؟
 نعم، في البدء كان لدى الناس آمال في الإصلاح، لكن اتضح أنها محاولة من النظام للتنفيس، عبر إطلاق سراح المعتقلين، والاستعانة بنخب ذات مصداقية ومهنية لحل مشكلة لوكيربي وغيرها، ويبدو أن القذافي نفسه والأجنحة التي كانت حول النظام رفضت مسار الإصلاح، أرادوا بعض التنفيس لكى يستمر النظام.

الآن.. من أين نبدأ للخروج من الانسداد السياسي.. الانتخابات كمدخل كيف تراها؟
أعتقد أنه ما لم تحل المسألة الأمنية، والجماعات المسلحة، لا يمكن إجراء الانتخابات، الشعب الليبي صوت ثلاث مرات بشكل رائع وديمقراطي، رجال ونساء، صوتوا أمام العالم، لكن الانتخابات لم تؤدِ إلى حل الأزمة. لا خروج من هذه الأزمة إلا بحل مشكلة فوضى السلاح، والجماعات المسلحة، وبناء جيش وشرطة مهنية. ودون لف أو دوران، برأيي يجب أن تسلم الجماعات المسلحة سلاحها، وإعطاءهم فرصة أخرى لحل أنفسهم، لأن وجودهم كجماعات وليس كأفراد «ضحك على الذقون»، وكأنك تترك الذئب مع القطيع.

كيف نفكر في المصالحة الوطنية من غير أن نسقط في تيار الانتقام والثأر والعنف الأهلي؟!

 تبدو الصورة مأساوية، لكن هناك اتفاقاً سياسياً لا يجد من يطبقه، ولا حتى يتفق على تعديله، في المقابل هناك أيضاً جهود لتوحيد الجيش الليبي في مفاوضات تتم بالقاهرة.. برأيك ما أولويات العمل الوطني الآن؟
 لا أزعم أني محايد، أنا كنت جزءاً من ثورة فبراير، وعرض عليّ العمل والانضمام للمجلس الانتقالي، لكني فضلت أن أبقى خادماً لبلدي دون منصب رسمي، وهذه كانت قناعتي دائماً.
وأجيبك بأن السؤال الأساسي الذي يواجه المجتمع الليبي هو كيف نفكر في المصالحة الوطنية من غير أن نسقط في تيار الانتقام والثأر والعنف الأهلي بين شرائح المجتمع التي أيدت النظام وساهمت في استمراره، وقوى المجتمع المناضلة ضد الاستبداد والأغلبية الصابرة الصامتة التي قاومت بطرق عدة. وأؤكد أن الأمن الوطني الليبي في خطر لأن التوافق والمصالحة لم يتحققا حتى الآن، والمنطق الآن يقول: لابد أن يجلس المشير خليفة حفتر وفائز السراج وممثلو مصراتة معاً ليتنازلوا، ويتفقوا ألا يكون هناك انتقام، وأن تبقى الثوابت الليبية هي وحدة التراب وحدة الجيش والشرطة.

وماذا بعد؟
إذا كان هناك تنازل متبادل هذا هو مربط الفرس، وهذا لم يحدث حتى الآن، الشعب الليبي شجاع وله تاريخ نضالي طويل، وهويته تكونت خلال فترة النضال ضد الاستعمار، الآن هو مشتت ويبحث عن لقمة العيش والخبز، هناك أصوات الفيدرالية والانفصالية صارت فاقعة، لكني أزعم أن الشعب الليبي سيرفض الفيدرالية.

لكن قد يقبل الشعب بأي شيء للخروج مما هو فيه الآن؟
للأسف الشديد، وصل الأمر إلى أن يترحم بعض الناس على القذافي، وهذا واقع، ودائماً أقول إن التاريخ ليس خطاً مستقيماً.
صحيح إن الآلام طالت حتى الآن، لكن المهم أن نستفيد من الدروس والعبر في ليبيا، من التدخل الخارجي والتشرذم وفوضى السلاح، وبالتالي يجب أن يجلس حفتر مع مصراتة، مثلما حدث بين مصراتة والزنتان. أتمنى أن ينجح هذا التفكير.

الوضع الليبي مرشح لأن يكون أكثر سوءاً ما لم تتنازل القيادات وتبدأ المصالحة

هل يكفي التنازل الداخلي؟
المسألة الليبية لم تعد بيد الليبيين فقط، إلا أنني أعتقد أنهم لو اتفقوا، فتخف حدة التلاعب الدولي والإقليمي بالملف الليبي.

عم يتنازل حفتر مثلاً؟
ألا يكون الزعيم الأوحد، وألا يكون بيده قيادة الجيش بشكل كامل، عليه كقائد في المنطقة الشرقية حرر بنغازي من الجماعات الإرهابية، أن يتنازل من أجل قضية أشمل، وهي حماية الوطن وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.

وماذا عن مصراتة؟
على الجناح المتشدد، الذي صار قوة عسكرية بعد 2011 ويريد أن يفرض إرادته على الآخرين، أن يتنازل وألا يشيطن خصمه في الشرق، وأن يجلس هؤلاء على الطاولة والاتفاق على قواسم الجيش والشرطة وحل الميليشيات، بحلول إبداعية قانونية.

من يرعى هذا.. ألا يتطلب الأمر وسطاء؟
ذلك صعب، لأن هناك من يريد صب البنزين على النار، ومع ذلك أرى أنه لابد أن يضغط الشعب الليبي للخروج من هذا الانسداد السياسي، لأنه إذا غاب التنازل الحقيقي من جميع الأطراف سيبقى السؤال مطروحاً، ماذا نفعل؟، في حين إذا حلت إشكالية التوافق تلك، سيأتي بعدها بناء الجيش والشرطة وهيئة الإنصاف والمصالحة، وحكومة وحدة وطنية تنقذ البلاد، وخلال 3 أو 4 سنوات ستمضي البلاد في المسار الصحيح للبناء. وغير ذلك لن يرحم التاريخ هذه القيادات..أعود وأكرر أننا الآن في مفترق طرق في ليبيا، والتاريخ لا يرحم.

لابد أن يجلس حفتر والسراج وممثلو مصراتة ليتنازلوا من أجل ثوابت وحدة الوطن والجيش والشرطة

قد نكون على أعتاب مصالحة حقيقية بين الأطراف السياسية ، وبالتالي حلحلة المسألة الأمنية، وأعتقد أننا لو استفدنا من أخطائنا وأخطاء النظام السابق، سنكون أمام دروس وعبر وليس أخطاء.
وفي أحد اللقاءات قلت، إننا بحاجة إلى شجاعة وطنية وأخلاقية وسياسية كي نمارس النقد الذاتي، وهو للأسف ما لم تستوعبه النخبة والقادة والسياسيون، لم يعترفوا بأخطائهم في 2011، ليقولوا مثلا «أخطأنا حين لم نتفق سياسياً قبل الانتخابات، وعندما لم نحل المليشيات، وعندما أبعدنا عناصر النظام السابق الذين لم يرتكبوا جرائم»، أو أخطأوا حين لم يعترفوا بسذاجة تعاملهم مع الدول الغربية، ومع بعض إخواننا العرب الذين حاولوا التلاعب بقراراتنا، والانتقام من خصومهم».

المزيد من بوابة الوسط