«الوسط» تتجول في شوارع بنغازي ما بعد الحرب

كما هي الحروب دائمًا، تضع أوزارها وتترك آثارها، وبنغازي ليست استثناءً بالطبع، فبعد أن أُعلن تحرير المدينة عقب أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي شنها الجيش على «التنظيمات الإرهابية» صار في إمكان أهلها التجول بين شوارعها والاطلاع على ما خلفته تلك الحرب من دمار طال الشوارع وأهم المعالم فيها.

لا يمكن لأحد أن يتصور حجم الدمار الذي طال منطقة وسط البلاد، إذ لم ينج مبنى أو شارع أو زنقة من انهيار ودمار وفجوات قذائف الهاون وقذائف الطائرات التي سقطت على الأسقف، فساوت كثيرًا من المباني بالأرض، بينما جعلت أخرى كومة مرتفعة كجبل شاهق مكون من مبانٍ عريقة في بنغازي.

الدمار طال عمارة السفينة التي تعد من أهم ملامح مدينة بنغازي، فجعلتها كومة من الرماد، وتحول الميدان الذي تطل عليه تلك العمارة إلى مكب لمخلفات الدمار وسيارات الخردة والأشجار التي نمت في غفلة عن أعين الناس.

إحدى المواطنات: لم أذهب إلى بيتي، فأنا خائفة من الصدمة ومن رؤية مسكني وقد انهار

وللمار بشارع عمرو بن العاص أن يتوقف أمام ميدان الشجرة ليبصر المشهد وقد انقسم إلى منظرين: منظر منمق منسق يحتوي الشجرة، وهذا الذي ظهر مؤخرًا على الإعلام، بينما في الجهة المقابلة تكومت المحلات التجارية ببضائعها ودمى عرضها التي تصرخ ألمًا ودهشة وأصبحت كومة كبيرة من الأحجار والقضبان الحديدية.

كل شوارع وسط البلاد ومعالمها، سوق الربيع وسوق الحوت وميدان البلدية وجنينة المرافق وميدان الفيسفاء وقصر المنار والمباني المواجهة للكورنيش ومحكمة شمال بنغازي، كل شيء حتى المساجد لم تنج من شراسة الحرب.

تكومت بقايا الدمار على الجانبين بعد أن تم فتح الشوارع للفرجة فقط وما زالت الحاويات تغلق بعض مداخل الشوارع، وهناك ينهمك رجال الكهرباء في إصلاح إنارة بعض الشوارع قليلة الأضرار، التي قرر أهلها العودة إليها هربًا من النزوح والإيجار ولكنهم يعدون على الأصابع.

يثير مشهد عودتهم كثيراً من الشجن وهم يمرون بالأسقف العالية وقد انهارت، فلم تعد قائمة فوق أعمدة البيوت العامرة بأهلها بل أصبحت معلقة في الهواء ينتظر الناس سقوطها في أي لحظة ما يحمل المارة بالشوارع على الحذر من مبانٍ تتهاوى بين حين وآخر.

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

«لم أزر المنطقة حتى الآن ولم أذهب إلى بيتي فأنا خائفة من الصدمة ومن رؤية ذكريات ومسكني وقد انهار»، هكذا قالت وفاء الغرياني من سكان منطقة البلاد في بنغازي رداً على سؤال «الوسط» بشأن عودة الأهالي إلى بيوتهم وبالمثل قال سليمان علي: «شيء مؤسف ويقهر ما حصل لمنطقة البلاد، لقد شعرت بقشعريرة ووجعني جسدي حين رأيت منظر الدمار لأول مرة. ربي يعوض المدينة خيراً وينتقم ممن كان السبب».

أما فايزة قرقوم فقالت: «ليس لدي قوة وشدة عزم حتى أرى منظر البلاد وهي مدمرة. أنا رأيت الصور وقلبي انكسر، لذلك لا أستطيع أن أراها على الطبيعة».

وفيما كانت الشوارع مهجورة من الداخل ازدهر الكورنيش على طوله بالمارة وسط توافد الأسر لرؤية ذكرياتها قبل ثلاث سنوات في هذا المكان الذي بدأ أهله يستعيدون حياتهم تدريجياً.

ويخشى كثير من مواطني المدينة رحلة العودة إليها واستعادة حياتهم فيها، إذ لا يزال هذا الحلم مهدداً بالألغام التي تركتها عصابات القتل والإرهاب خلفها لتخلف بين يوم وآخر قتلى ومصابين بين مدنيين أوعسكريين.

ليست بنغازي أول مدينة في العالم تتحول معالمها إلى ركام تحت وطأة الحرب وشرورها؛ سبقتها مدينة برلين في ألمانيا حين تعرضت لقصف عنيف من طيران الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حتى أن مؤرخي تلك الفترة قالوا إنها تحولت وقتها إلى كومة من تراب لكنها عادت مرة أخرى إلى مكانتها الكبيرة في ألمانيا وخارجها بسواعد أهلها وصلابة إرادتهم.. وعسى أن تكون عودة بنغازي قريباً.