معهد أميركي: نهج واشنطن في ليبيا يفشل وسيتركها ملاذًا لـ«داعش» و«القاعدة»

انتقد تقريرٌ نشره موقع معهد «أميركان إنتربرايز» السياسات الأميركية في ليبيا، ورأى أنها «تفشل ولن تؤتي نتائجها المرجوة»، داعيًا إدارة الرئيس دونالد ترامب لتغيير سياساتها هناك.

وقالت معدة التقرير الباحثة بالمعهد، إميلي إستل إن الولايات المتحدة بحاجة إلى سياسة جديدة في ليبيا، موضحة أن «النهج الحالي يفشل وسيترك ليبيا ملاذًا آمنًا لتنظيمات مثل (داعش) و(القاعدة) على أعتاب أوروبا». ويأتي التقرير ضمن مشروع «كريتيكال ثريتس»، المعني بمتابعة المستجدات في ليبيا والشرق الأوسط.

انهيار الدولة الليبية تسبب في زعزعة استقرار حلفاء الولايات المتحدة في منطقة شمال أفريقيا

وأشار التقرير، الذي نشر الجمعة، إلى أن السياسة الأميركية الحالية تقتصر على توجيه ضربات جوية ضد معاقل ومراكز تدريب «جهاديين» في ليبيا، وهي سياسة «ذات تكلفة عالية على المدى الطويل، إذ تتكلف الطائرات دون طيار والمعدات وعمليات المراقبة والاستطلاع والتحليل أموالاً باهظة».

وتابع: «إن الاعتماد على هذا النهج وحده قد يحقق مكاسب على المدى القصير فقط»، وقال: «إن اتباع هذه الاستراتيجية على مدى العقود السابقة أكد احتمالية فشلها، وأن تكاليف الإصرار عليها أكبر».

وحذَّرت الباحثة من أنَّ الأزمة الليبية ليست منحصرة داخل ليبيا فقط، بل إنَّ انهيار الدولة منذ 2011 تسبب في زعزعة استقرار حلفاء وشركات الولايات المتحدة في منطقة شمال أفريقيا، وغذى المنافسات السياسية وفاقم من أزمة الهجرة غير الشرعية صوب أوروبا.

ومع التطورات الأخيرة على الساحة الليبية، رأى التقرير أنَّ الإدارة الأميركية أمام «فرصة وتحدٍ جديدة» في ليبيا، وتحدث عن ضعف الوضع الأمني وقوة المجموعات «السلفية الجهادية»، لكنه قال: «إن الوضع في ليبيا ليس سيئًا بالمقارنة مع الوضع في سورية واليمن أو العراق».

لماذا يجب أن تتحرك واشنطن الآن؟
وحثت الباحثة الأميركية إدارة دونالد ترامب على التحرك «الآن»، وقالت: «لا وجود للدولة الليبية، فالدولة رهينة دائرة من عدم الاستقرار منذ 2011 وحملة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفشلت اتفاقات السلام والحكومات الانتقالية المتعاقبة، وانزلقت الدول في دوامة الحرب الأهلية».

وذلك إلى جانب أن انهيار ليبيا مثل «فرصة رئيسية استغلتها المجموعات السلفية الجهادية مثل (داعش) و(القاعدة)»، وتدفقت الأسلحة من ترسانة القذافي للمسلحين في ليبيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وتلك الظروف مكنت «القاعدة» و«داعش» من إقامة موطئ قدم لهما في ليبيا لتدريب وتجنيد المقاتلين والاستفادة من أنشطة التهريب والإعداد لهجمات ضد دول الجوار وأوروبا.

موسكو تسعى من خلال ليبيا للضغط على أوروبا.. واستعراض قوتها العسكرية في البحر المتوسط

وقالت الباحثة: «إن ليبيا واحدة من البلدان القليلة جدًّا، حيث تستطيع تلك المجموعات العمل وأداء مهام على نطاق واسع، إذ سمح فراغ السلطة والفراغ الأمني لها بالسيطرة على مساحات واسعة وفرض حكمها».

وتطرَّق التقرير إلى دور روسيا في ليبيا، وقال: «إن موسكو تسعى للتأثير داخل ليبيا للضغط على أوروبا، وتحدي العلاقات الأميركية مع دول مثل مصر، واستعراض قوتها العسكرية في البحر المتوسط».

وحذر التقرير من أنَّ الوضع داخل ليبيا يتجه إلى الأسوأ، وقالت الباحثة: «إن المجموعات الجهادية السلفية تعزز من تواجدها في ملاذات آمنة بالصحراء. وأصبحت ليبيا الوجهة الرئيسية للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا».
استراتيجية خاطئة
وحتى وقتنا هذا، اعتمدت الاستراتيجية الأميركية في ليبيا على مساعدة أطراف محلية لطرد عناصر «داعش» من المناطق التي سيطر عليها، وتخريب خطط التنظيم في شن هجمات خارجية، واحتواء حالة عدم الاستقرار إلى الحد الأدنى.

ورأت الباحثة: «إن سياسة واشنطن الحالية تعطي الأولوية لتحقيق أهداف قصيرة المدى على حساب أهداف أهم. وفشلت في تحقيق الاستقرار بليبيا أو القضاء على (داعش)، وخلقت ظروفًا سمحت بتجنيد المقاتلين لصالح المجموعات الجهادية».

وأرجعت الباحثة أخطاء الاستراتيجية الأميركية إلى «عدم الفهم الكامل بمدى جدية التهديد الإرهابي في ليبيا»، وقالت: «إن المجموعات الإرهابية التي تهدِّد مصالح الولايات المتحدة، مثل (القاعدة) و(داعش)، هي جزء من الحركة السلفية الجهادية العالمية، وهدفهم الرئيسي تحويل المجتمعات الإسلامية وإقامة أنظمة حكم تتماشى مع مفهومهم للشريعة».

وتعمد المجموعات «السلفية الجهادية» إلى استخدام أساليب مختلفة للوصول إلى هدفها، بينها الهجمات الإرهابية، وأساليب الحرب التقليدية والأنشطة غير العسكرية.

ولهذا أكدت الباحثة: «إن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة الانتصار في المعركة باستخدام القنابل وحدها»، وأكدت أن نجاح أية استراتيجية للتعامل في ليبيا يجب أن يركز على حماية الشعب الليبي من خطر الحركة السلفية الجهادية، ويكون ذلك من خلال حل الصراع الحالي، وسد الفراغ الأمني وفراغ السلطة القائم.

توصيات لحل الأزمة
وأوصت الباحثة الإدارة الأميركية باتباع خطة من خمس مهام لإنهاء الأزمة. أولاً دعم تحقيق تسوية سياسية عبر مفاوضات شاملة لإقامة هيكل للحكم والمؤسسات الأمنية، يحظى بقبول الجميع.

وثانيًا، حثَّ التقرير إدارة ترامب على تدريب ومساعدة وتقديم المشورة للقوات الليبية من أجل تدمير تهديد المجموعات «السلفية الجهادية» وتأمين كامل الأراضي الليبية.

نجاح أية استراتيجية يجب أن يركز على حماية الشعب الليبي من خطر الحركة السلفية الجهادية

هذا بالإضافة إلى تمكين المجتمعات المحلية من «تعريف وعزل المجموعات السلفية الجهادية والأفراد التابعين لها».

ورابعاً، أوصت الكاتبة واشنطن بالعمل على القضاء على أي دوافع تستخدمها الأطراف المختلفة للاستمرار في الصراع.

وأخيرًا، دعت الكاتبة للضغط على الدول الإقليمية لوقف التدخلات العسكرية ودعم تسوية سياسية شاملة.

وأكدت الكاتبة أنَّ القيادة الأميركية مطالبة بالتوصل إلى حل دائم في ليبيا، وقالت: «على واشنطن الاضطلاع بمهام القيادة، إلى جانب الحلفاء والشركاء الدوليين، لحل الحرب الأهلية في ليبيا وإرساء قواعد الحكم والأمن على المستوى المحلي».

أربعة خطوط متزامنة
وأشارت الكاتبة إلى أن الجهود الأميركية يجب أن تسير في أربعة خطوط متزامنة، أولها سياسي تلتزم بموجبه واشنطن وحلفاؤها باتباع نهج شامل للانخراط مع الجميع.

والخط الثاني يتمثل في توفير الخدمات الحيوية عبر الهياكل والهيئات المختلفة لإنهاء فراغات السلطة ومنع وقوع كارثة إنسانية.

والخط الثالث يتركز على الأمن، ويتضمن تدريب وإعداد القوات الأمنية لإرساء الأمن في مختلف المناطق الليبية.

ورابعًا، حثَّ التقرير واشنطن على تقديم محفزات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية؛ للحيلولة دون إطالة أمد الصراع.

وأكدت الباحثة أن «أي سياسات أخرى يتم اتباعها ستفشل»، وقالت: «إن دعم رجل قوي في ليبيا سيفشل أيضًا، لأنَّ ذلك سيعزز الخلافات التي غذت الحركة السلفية الجهادية بالأساس». وتابعت: «إن الاستراتيجيات قصيرة الأمد مكلفة، لأنَّها تتطلب تدخلاً أميركيًّا مستمرًّا لمواجهة التهديدات القائمة».