حكايات «البيت الآمن» للمهاجرين في بني وليد

معاناة تلو أخرى يعيشها المهاجرون غير الشرعيين في ليبيا، لا يكاد الواحد منهم يخرج من إحداها حتى تباغته أخرى، ولعل أخطر ما يواجهونه هو محاولة الإتجار بهم من أصحاب النفوس الضعيفة ومهربي البشر، خاصة في المناطق الواقعة بالجنوب الليبي وصولاً إلى الشمال، حيث صبراتة وزوارة التي ينطلق المهاجرون منها إلى أوروبا.

رحلة محفوفة بالمخاطر
ومدينة بني وليد، واحدة من البلدان التي يعبرها المهاجرون نحو البلدان الساحلية، لكن رحلتهم تلك تظل محفوفة بالمخاطر على الدوام، فمن حين لآخر يسمع المواطنون بوجود جثة أو وجود مواطنين أفارقة على الحدود الإدارية للمدينة يحتاجون إلى ملاذ آمن ومأوى، من هنا جاءت فكرة «البيت الآمن» الذي أنشاه وأشرف عليه الدكتور حسين خير أحد أبناء المدينة، وهو المسؤول والمشرف على البيت.

«البيت الآمن» عبارة عن بيتين تم تأجيرهما من أجل مساعدة الأفارقة المتواجدين داخل مدينة بني وليد

وعن فكرة إنشاء «البيت الآمن» قال خير لـ«الوسط»: «البيت الآمن» إنه «عبارة عن بيتين تم تأجيرهما من أجل مساعدة الأفارقة المتواجدين داخل مدينة بني وليد، والسبب الرئيسي الذي دفعنا إلى هذه الفكرة هو ما يواجهه هؤلاء من معاناة في السفر من الدول الأفريقية مثل تشاد والنيجر والسنغال وغانا وغندا وغيرها حتى الوصول إلى مدينة سبها ومنها إلى مدينة بني وليد».

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وعن كيفية وصول المهاجرين إلى «البيت الآمن» أضاف خير: «هذه الرحلة صعابها كثيرة على هؤلاء المواطنين فعندما يأتون إلينا نجدهم بين الحياة والموت وغالبا يكونون قد تعرضوا للتعذيب أو على شفا حفرة من الموت لأن الطريق الذي يسلكونها صعبة ومليئة بالمخاطر.. نتلقى عدة اتصالات من المواطنين يخبروننا بوجود مواطن أو جثة لأحد المهاجرين فتقوم السرية الأمنية بالذهاب مباشرة للمكان وبعدما يتم التواصل معنا في البيت الآمن».

ليبيون يبادرون بتوفير مأوى آمن للمهاجرين وتقديم الرعاية الصحية وفرص العمل

وعن آلية عملهم أوضح خير بالقول: «يعمل البيت الآمن بالتعاون مع سرية حماية بني وليد، وجمعية السلام للأعمال الخيرية بني وليد، ومستشفى بني وليد، الذي يقدم الدعم الصحي، إضافة إلى دعم أهل الخير بالمدينة. والبيت به عدة غرف مفصولة.. الأشخاص الأصحاء لوحدهم والأشخاص المرضى معزولون حتى يتماثلوا للشفاء، وقد تمكن البيت من توفير بعض فرص العمل لـ 80 شخصًا في عدة أماكن مثل شركة النظافة أو المزارع وأصحاب مؤسسات وبيوت».

وبنبرة أسى واصل خير حديثه عن المهاجرين قائلا: «هؤلاء الأشخاص وصلوا إلى بني وليد بعد أن ذاقوا الأمرين وعانوا الفرار والخوف والتشريد، واجتمعت عليهم مشقة الأسفار والخوف من الموت والبحث عن حياة كريمة ودورنا ودور الجميع توفير حياة كريمة لهم، وهذا ما نسعى إليه من خلال البيت الآمن».

وعن حالة المهاجرين فور الوصول إلى البيت زاد خير بالقول: «اللاجئون الذين يأتون إلى هذا البيت يشعرون بالسعادة لمجرد أنهم وصلوا إلى مكان آمن يقيهم برد الشتاء ويحميهم من الاضطهاد».

ومن البيت إلى سكانه من المهاجرين، تتجلى معاناة الإنسان في أوضح صورها، من واقع قصص بعض هؤلاء الذين التقت بهم «الوسط».

أحد المهاجرين الصوماليين، يدعى دادو، جاء إلى مدينة بني وليد بهدف الوصول إلى الجزر الإيطالية، قال إنه أجرى أكثر من محاولة لعبور الحدود الليبية بطريقة غير شرعية «رأيت كثيرا من الأشخاص يسقطون من السيارة التي جلبتنا من الجنوب الليبي دون رحمة، وعندما تسقط من السيارة إما أن تموت أو تبقى في الصحراء تأكلك الكلاب، أو أن يلقاك عابر سبيل يعطيك المأوى ويوصلك إلى بر الأمان»، ولا يخلو الأمر من إيذاء يلقاه المهاجرون من المهربين أنفسهم، كما حكى دادو، موضحا أنه «تعرض للضرب من هؤلاء المهربين بسبب عدم قدرته على دفع قيمة عملية نقله من مكان إلى آخر».

دادو.. مهاجر صومالي عجز عن دفع المال للمهربين فتعرض للإيذاء: تجربة مريرة لا أنصح أحدًا بخوضها

وأضاف دادو أنه يئس من عملية الهجرة، لهذا قرر البقاء في بني وليد ليعمل باليومية، ويختتم حديثه بنبرة مريرة قائلا: «تجربة الهجرة كانت مريرة، ولا أنصح أحدا بخوضها، فالأمور ليست سهلة مثلما كنا نتصورها».

ويواجه المهاجرون في ليبيا، بعد وقوعهم فريسة للمهربين، مشكلات ومتاعب شتى، لعل أبرزها سوء التغذية وانتهاكات لا حصر لها، كما يستخدم غالبيتهم كعمالة يومية في البناء والزراعة، وتتعرض النساء إلى الاغتصاب ويتم إجبارهن على العمل بالدعارة، وقد يموت بعضهم بسبب الجوع والمرض، وفق منظمة الهجرة الدولية.

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقال على الغالي (27 عامًا) من دولة غانا إنه انطلق قاصدا إيطاليا وانتقل إلى مالي ثم النيجر ثم إلى ليبيا عبر عدة مهربين ووسطاء، ودفع 500 دولار للوصول الى ليبيا، وبعد مغادرته من الجنوب الليبي قام المهربون بإنزاله في أحد الأودية القريبة من بني وليد حتى وجده أحد المواطنين وقام بتسليمه للسرية الأمنية في بني وليد التي أوصلته بدورها إلى «البيت الآمن»، مشيرا إلى أن المهربين يحبسون المهاجرين في بعض الأحيان ويجبرون عائلاتهم على سداد مبالغ مالية للإفراج عنهم.

المهربون يحبسون المهاجرين في بعض الأحيان ويجبرون عائلاتهم على سداد مبالغ مالية للإفراج عنهم

وبالرغم من توصيات المنظمات الحقوقية العالمية، المطالبة بإلقاء الضوء على حجم معاناة المهاجرين المقيمين بليبيا أو العابرين خلالها لأوروبا، فإن شيئا لم يتم حتى اللحظة لتخفيف هذه المعاناة سوى بعض محاولات تحسين ظروف الاحتجاز في المراكز الرسمية الخاضعة لمركز مكافحة الهجرة غير الشرعية أو مباحث الجوازات، وكذا بعض محاولات إنقاذ المهاجرين عبر الحدود، سواء المؤدية إلى ليبيا من دول المصدر، أو تلك المؤدية إلى أوروبا عبر مياه البحر المتوسط.

وتقول الطفلة أنبوتي (12 عامًا) من دولة نيجيريا إنه تم خطفها من مجموعة مهربين، وأنهم تواصلوا مع ذويها أكثر من مرة لدفع الفدية، ولكن الأسرة الفقيرة لم تستطع تجميع المال لإطلاقها من المجرمين.

حرق المهاجرين
وأضافت أن المهربين لجأوا إلى «طريقة قد تجبر أسرتي على التسديد وذلك بتصويري تحت التعذيب وسكب الوقود علي، ثم أشعلوا النار في حتى تم حرق جسمي بالكامل، وبعد ذلك قاموا برميي في ضواحي مدينة بني وليد في أحد الأودية، دون أكل وشرب حتى عثرت على سرية حماية بني وليد، وتم نقلي إلى مستشفى بني وليد لتلقي العلاج، ولكن لأن ظروف المستشفى لا تسمح بعلاجي لنقص الإمكانات، قاموا بتحويلي إلى مستشفى (الحروق) بمدينة طرابلس».

وتعهد المواطن عبدالعاطي المروم الصيعاني وأسرته برعاية أنبوتي وعلاجها على نفقتهم الخاصة، وقد أخذ أسرته وباقي أغراضه ليكون محل إقامته بالقرب من المستشفى، وقد بدأت أنبوتي تستجيب للعلاج الذي استمر قرابة شهرين، وبدأت الحياة تعود إلى الطفلة بعد عمليات التجميل والعلاج المكثف، وقد رافقتها أسرة المروم بالمستشفى وكأنها أحد أفرادها.

أنبوتي.. طفلة من نيجيريا أحرقها المهربون حين عجزت أسرتها عن توفير الفدية.. ومواطنو بني وليد أنقذوها

وقالت أنبوتي: «بعد علاجي وخروجي من المستشفى تواصلت مع أمي، التي استقبلت الخبر كأنه حلم ولم تصدق أني على قيد الحياة»، وقد بادرت أسرة المروم بتسجيلها لدى إحدى المدارس الخاصة بالمدينة، وحين عادت لمواصلة حياتها بشكل طبيعي، طلبت أمها منها العودة إلى نيجيريا عن طريق تأمينها من إحدى المنظمات الحقوقية ولكنها كانت دائما تقول «لا أريد العودة للمرض والجوع والفقر، أريد أن أعيش بمدينة بني وليد».
محاولات دؤوبة للخروج من أسر الجهل والفقر والمرض، تتجاوز حدود البلدان المجاورة إلى ليبيا، على أمل تجاوزها إلى عبور مياه «المتوسط» نحو أوروبا، رحلة شاقة ومضنية، ويكتنفها كثير من الخطر، لكن لا شريط المهاجرين ينقطع، ولا سياط المعاناة القاسية تتوقف عن جلد ظهور الفارين من الشقاء في قلب القارة السمراء.

للاطلاع على العدد «103» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط