عزة المقهور: ليبيا بين خيارين.. دستور موقت أو الاستفتاء على مشروع «التأسيسية»

دعت ورقة بحثية أعدتها المحامية والباحثة الليبية عزة المقهور إلى ضرورة إصلاح مجلسي النواب والدولة بضم المقاطعين إلى مجلس النواب، وإجراء انتخابات عاجلة لرئاسته وتعديل لائحته الداخلية، بالإضافة إلى مراجعة تشكيل مجلس الدولة وإعلان أسماء أعضائه وطريقة اختيارهم وإعادة «كتلة 94».

وقالت المقهور، في ورقتها البحثية حول تقييم خطة العمل من أجل ليبيا التي تقدم بها المبعوث الأممي غسان سلامة: «من الضروري أن تكون هناك مرحلة سابقة على المرحلة الأولى من خطة المبعوث الأممي، وهي مرحلة إصلاح مجلسي النواب والدولة».

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقدَّمت المحامية عزة المقهور تقييمًا لخطة المبعوث الأممي إلى ليبيا بهدف تبيان طبيعتها وتعقيداتها في محاولة لتوضيح ما يُتوقع من معوقات ووضع مجموعة من التوصيات لمواجهتها.

طرحت المقهور ربط نهاية المرحلة الانتقالية بإصدار دستور للبلاد، والتركيز في تنفيذها على آلية عمل خلال عام بين سبع مؤسسات

وبعد تفصيل المراحل المقترحة في خطة سلامة قالت المقهور إن الخطة تأتي في ظروف سياسية إيجابية، لكنها تواجه ظروفًا وإشكاليات قانونية ودستورية أكثر تعقيدًا.

ومن بين هذه التعقيدات طرحت المقهور ربط نهاية المرحلة الانتقالية بإصدار دستور للبلاد، والتركيز في تنفيذها على آلية عمل خلال عام بين سبع مؤسسات، تفتقد مبدأ التوافق المؤسسي اللازم لإنجاحها، وتقوم على التوافق للوصول إلى حل سياسي بين مؤسستين (مجلسي النواب والدولة) تعانيان عجزًا وقصورًا ومخالفات وغير ديمقراطيتين في عمليهما.

وقالت المقهور إن ليبيا اليوم بين خيارين: تبني دستور توافقي موقّت بإشراف الأمم المتحدة لحين انتهاء المرحلة الانتقالية بدستور دائم لا سقف زمني لتبنيه، أو تبني دستور دائم ينهي المرحلة الانتقالية، وفقًا للإعلان الدستوري الحالي، وعرضه على الشعب الليبي للاستفتاء بالموافقة عليه أو رفضه، وفي حال رفضه يمكن فتحه للمراجعة من الهيئة التأسيسية.

وأوضحت أنه إذا كان «لخطة سلامة من بد»، فيجب «تحديد المدة الانتقالية المقبلة زمنيًا، وفي حالة تجاوزها يجب توفير البديل أو البدائل بما فيها إمكانية الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، وأن تراعي بوضوح استقلال المسار التأسيسي (الدستوري) عن التشريعي».

لكنها أشارت إلى أن «النقطة الأهم هي أن على مجلسي النواب والدولة أن يكونا على مستوى الحدث، وأن يصلحا من نفسيهما دون تأخير، فلا صلاح يرتجي ممن هم بحاجة إلى الإصلاح».وفيما يلي النقاط التسع لنتائج الورقة البحثية وتوصياتها:
1 - إن الخطة امتداد لاتفاق الصخيرات وتقوم على الأساس ذاته، وهو التوافق بين المؤسسات القائمة حاليًا، وإن سياسة التوافق بين المؤسسات بحاجة إلى مؤسسات فاعلة، تمارس عملها بمهنية وحسن نية بما يغلب الصالح العام.

2- من الصعب أن تقوم مؤسستان عاجزتان مختطفتان من القيمين عليهما، لا تتبنيان آليات الديمقراطية ضمن عملهما الداخلي، ولا تعتمدان الشفافية سبيلاً، وتفتقران إلى المهنية والحكم الرشيد، ويلحقهما اشتباه بالفساد، بعملية معقدة لاستئناف المسار الديمقراطي الليبي، ما لم تخضع كل منهما لإصلاحات حقيقية تبنئ عن حسن النوايا والالتزام بقواعد العمل المهني للمؤسسات الحاكمة.

3ـ من الضروري أن تكون هناك مرحلة سابقة على المرحلة الأولى في الخطة، أو أن تكون على الأقل متزامنة مع المرحلة الأولى، وهي مرحلة إصلاح مؤسستي مجلسي النواب والدولة، بضم المقاطعين إلى مجلس النواب والتداول بشأن تغيير المقر الموقت له، وإجراء انتخابات عاجلة لرئاسته، وتعديل لائحته الداخلية بما يتماشى مع خطة سلامة وخفض مصاريفه ومزاياه إلى الحد الأدنى، أما مجلس الدولة فعليه القيام بمراجعة كاملة لتشكيله استنادًا إلى الملحق الثالث من الاتفاق السياسي، والإعلان عن أسماء أعضائه وطريقة اكتسابهم للعضوية، وإعادة كتلة 94 وإعادة انتخاب مجلس الرئاسي، وإعادة النظر في لائحته الداخلية بما يتفق وخطة سلامة وتخفيض مرتبات أعضائه ومزاياهم، واعتماد الحكم الرشيد والشفافية والكفاءة في العمل.

4- إعادة الالتزام الرئيسي للمؤستين (النواب والدولة)، وبالعودة إلى دوائرهم الانتخابية والتواصل مع المنتخبين خاصة فيما يتعلق بخطة سلامة. وهو الالتزام لم يعد ضمن أولويات أعضاء هاتين المؤسستين للأسف.

المقهور: إن كان لخطة سلامة من بد فإن على الخطة أن تحدد المدة الانتقالية المقبلة زمنيًا، وفي حالة تجاوزها يجب توفير البديل

5- إن مؤشر نجاح هذه الخطة وإنجاز هدفها النهائي هو الوصول لإصدار دستور للبلاد. وهي الخطة التي ستقوم عليها انتخابات تشريعية ورئاسية، لكن هذه الخطة لم تعط أية فرصة لإمكانية الدعوة لانتخابات مبكرة وإجرائها في حال عدم التمكن من الوصول لإصدار هذا الدستور. إن من اللازم توقع عدم تحقق الهدف بالوصول إلى انتخابات مقبلة قائمة على الدستور. إن هذ الخطة تسلم مسار ليبيا الديمقراطي ومخرجها من أزمتها لمؤسستين لم تنجحا حتى اليوم في التوافق على التعديلات على اتفاق الصخيرات للمضي قدمًا للمرحلة الثانية.

6- إذا كانت خطة سلامة حزمة واحدة فإن هذا يعني أن هذه المرحلة متتابعة ومرتبطة، وفي حالة فشل مرحلة من الصعب المضي قدمًا إلى المرحلة التي تليها، أما إذا كانت هذه المراحل غير مترابطة فإن تجاوز إحداهما سيضعف الخطة ويتطلب إعادة توازن لها، وأهمها العمل على توضيح مهام المؤتمر الجامع وآلياته وعلاقته بالاتفاق السياسي ومخرجاته ومؤسساته، وتشكيل لجنة خبراء ليبيين مستقلين تواكب عمل المؤتمر الجامع وتعمل بالتوازي معه تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة لوضع مخرجاته في وثيقة مكتوبة تلتزم بها الأطراف كافة، ووضع آلية لجعلها ملزمة، ومن شأن ذلك دعم العملية الدستورية دون التدخل فيها.

7- في ضوء الخطة وتعدد المؤسسات المعنية والحديث عن ضرورة توحيد المؤسسة العسكرية، يصبح من الصعب أن تتحقق هذه الخطة خلال عام، خاصة أنها لا ترتبط بمدة زمنية بل بإنجاز الدستور.

8- من المعيب إقحام مجلسي النواب والدولة في العملية الدستورية، فبالإضافة لما تفتقران إليه من قدرات فنية وما يعتريهما من عيوب لا تؤهلهما لذلك، فإن المنطق والأساس الدستوري لتشكيل الهيئة التأسيسية المنتخبة لصياغة الدستور يمنع ذلك منعًا باتًا، وهو ما يجب أخذه في الحسبان بشكل جدي. إن تدخل هذين المجلسين سينقل سلبياتهما وعيوبهما إلى العملية الدستورية، لذا فإن ما تحتاجه العملية الدستورية هو استكمال الهيئة التأسيسية لمسارها الدستوري وفقًا للإعلان الدستوري بما فيه عرضه على الاستفتاء وإمكانية عودته للهيئة للمراجعة في حال رفضه، ومع الأخذ في الاعتبار الأحكام القضائية وإلزامية نتائجها في هذا الشأن.

9- إن المواطن الليبي اليوم بين خيارين: خطة سلامة بالمضي قدمًا في مرحلة انتقالية مقبلة بمؤسسات وطنية غير جديرة وبحاجة للإصلاح أو الاستبدال، ولمدة مرتبطة باستحقاق وليس بمدة زمنية، وبين الاستفتاء على مشروع الدستور الصادر عن الهيئة التأسيسية في ضوء حكم القضاء فيه، مع فتح الطريق لإمكانية مراجعته من خلال خيار رفضه وإعادته إلى الهيئة التأسيسية، وإنهاء هذه المرحلة بمؤسساتها.

إن كان لخطة سلامة من بد فإن على الخطة أن تحدد المدة الانتقالية المقبلة زمنيًا، وفي حالة تجاوزها يجب توفير البديل أو البدائل بما فيها إمكانية الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، وأن تراعي بوضوح استقلال المسار التأسيسي (الدستوري) عن التشريعي، والنقطة الأهم هي أن على مجلسي النواب والدولة أن يكونا على مستوى الحديث وأن يصلحا من نفسيهما دون تأخير عملاً بقول الله تعالى:«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، فلا صلاح يرتجى ممن هم بحاجة إلى الإصلاح!

المقهور: على مجلسي النواب والدولة أن يكونا على مستوى الحديث وأن يصلحا من نفسيهما دون تأخير

ولخصت الباحثة خطة سلامة في:

المرحلة الأولى:
وهي المرحلة الحالية القائمة استنادًا إلى المادة ١٢ من الأحكام الإضافية بالاتفاق السياسي الليبى (اتفاق الصخيرات)، الذي سبق إبرامه في ديسمبر ٢٠١٥، وما يجري اليوم في تونس من حوار بين مجلسي النواب والدولة يتم استنادًا إلى المادة ١٢، وفي حال التوافق على التعديلات المقترحة، يصدر مجلس النواب التعديلات المتوافق عليها في شكل إعلان دستوري (الإعلان الدستوري العاشر)، ليصبح الاتفاق السياسي المعدل دستورًا موقتًا لليبيا في الفترة الانتقالية المقبلة.

المرحلة الثانية:
وهي مرحلة ستتخذ خلالها خطوات متعددة أهمها:
ـ مؤتمر وطني جامع يشمل مجلس النواب بكامل أعضائه، ومجلس الدولة بأعضائه المنتخبين في ٧ يوليو 2012، (أي بما يشمل كتلة ٩٤) ومجموعات وأعضاء آخرين بمن فيهم ممثلون عن نظام الحكم السابق، بهدف توسيع المشاركة، وسيتولى هذا المؤتمر «تحديد واختبار أعضاء المؤسسات التنفيذية التي أعيد تشكيلها في البلد على أساس توافقي.

مهام أخرى خلال المرحلة الثانية:
ـ فتح مشروع الدستور مجددًا والعمل بشأنه من قبل الهيئة التأسيسية ومجلس النواب بشكل متواز.
ـ تقديم ملاحظات ومقترحات حول مشروع الدستور بما يشكل فرصة لمراجعته وتنقيحه.
ـ إصدار مجلس النواب لتشريعي الاستفتاء على مشروع الدستور، وقانون الانتخابات بعد الاستفاء، وهو ما يعني أن المرحلة الانتقالية حسب خطة سلامة لن تنتهي إلا بصدور الدستور، وما يستتبعه من تشريعات (قانون الاستفتاء وقانون الانتخاب).
ـ استعداد المفوضية العليا للانتخابات للاستحقاقات الدستورية، وحوار مع الجماعات المسلحة بغرض إدماجها سياسيًا أو مدنيًا، ومبادرة لتوحيد الجيش الوطني واستمرار جهود المصالحة الوطنية ومعالجة قضية النازحين.
ومن المهم التأكيد على أن هذه المرحلة تقع بين فترتين زمنيتين، فترة مراجعة مشروع الدستور وإصداره، وفترة ما بعد إصدار مشروع الدستور وإصدار التشريعات اللازمة لانتقال السلطة إلى المؤسسات المنبثقة عن الدستور.وهذه المرحلة فارقة لأنها المرحلة التي ستنهي الفترة الانتقالية وتفتح الباب على مرحلة الاستقرار، بعد إصدار الدستور والتشريعين اللازمين لنقل السلطة: الاستفتاء والانتخابات.

المرحلة الثالثة
هي مرحلة ما بعد إصدار الدستور وتشمل إصدار مجلس النواب قانون انتخاب لسلطتين: تشريعية ورئاسية، ومن جديد يجب التأكيد على ضرورة التوافق على القانونين من مجلسي النواب والدولة قبل إصدارهما من مجلس النواب بحسب الاتفاق السياسي.

الوضع القائم
ما تزال هذه الخطة في المرحلة الأولى، أي الاجتماعات بين مجلسي النواب والدولة من خلال لجنة صياغة مشتركة بإشراف غسان سلامة، التي بدأت في شهر سبتمبر وما تزال تعمل دون أن تصدر حتى الآن أي نص توافقي من النصوص المقترح تعديلها وهي تتعلق بـ
1 - السلطة التنفيذية بغية فصل شقيها الرئاسي والحكومي وتحديد اختصاصات كل منهما.
2 - آلية اختيار المجلس الرئاسي ورئيس الوزراء.
3 - المادة الثامنة في صلب الاتفاق السياسي والمادة الثامنة في فصل الأحكام الإضافية، والمتعلقة بالمؤسسة العسكرية.
4 - تركيبة مجلس الدولة.

تقييم الخطة
سنتناول تقييم هذه الخطة من زاويتين: الأولى تتعلق بالظروف التي جاءت فيها الخطة، وهي ظروفة سياسية في جلها وتبدو إيجابية، أما الزاوية الأخرى فهي زاوية قانونية تبدو ذات مصاعب جمة.

1 - ورث غسان سلامة ملف الأزمة الليبية عن سابقيه بعد إخفاقات عديدة أدت إلى نتيجتين، جمود في تنفيذ اتفاقية الصخيرات، وانزلاق الملف الليبي شيئًا فشيئًا من مسار الأمم المتحدة إلى مسارات فرعية تمثلت في البحث عن حلول جانبية بتدخلات دولية متضاربة أحيانًا، من بينها مبادرة الاتحاد الأفريقي والمبادرة الثلاثية المصرية التونسية الجزائرية، والمبادرة المصرية التي أسفر عنها إعلان القاهرة في ديسمبر 2016، وأخيرًا لقاء حفتر/ السراج في أبوظبي ثم فرنسا، الذي نتج عنه بيان لاسيل سان ـ كلو في يوليو 2017.

المقهور: مجلس الدولة تشكَّل بالمخالفة للاتفاق ولم تطبَّق المادة «64» للنظر في خروقات الاتفاق السياسي

وكان لابد للأمم المتحدة أن تعيد العربة لحصانها، فكانت خطة سلامة لتنفض الغبار عن اتفاق الصخيرات وتعيد الحياة إليه، وهكذا اتفق المجتمع الدولي على أن يجتمع مجددًا وراء هذه الخطة في اجتماع نيويورك بحضور الأمين العام للأمم المتحدة، وأصدر مجلس الأمن بيانًا لدعمها.

2 - كان حجر الأساس في اتفاق الصخيرات هو خلق جسم تنفيذي جديد قائم على محاصصة واسعة جهوية وأيديولوجية، تجمع المؤسسات التنفيذية المنقسمة، وفي الوقت نفسه تعيد الحياة للمؤسسات التي انتخبت ديمقراطيًا، لكن تآكلت ديمقراطيتها وشرعيتها بسبب نهايتها بانتخابات جديدة (المؤتمر الوطني العام)، لكن جزءًا منها تمسك بالسلطة ورفض تسليمها، أو انتهت مدتها لكنها مددت لنفسها دون مسوغ دستوري يخولها ذلك (مجلس النواب)، أو تجاوزت مدتها (الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور)، دون أن تنجز مهمتها عند توقيع اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015.

وخلافًا للتوقعات أنجزت الهيئة التأسيسية مهمتها في شهر يوليو 2017، وأحالت مشروع الدستور لمجلس النواب الذي لم يتخذ قرارًا بشأنه، إضافة إلى صدور حكم من محكمة استئناف البيضاء (الدائرة الإدارية) في 16 أغسطس 2017، بإيقاف تنفيذ قرار الهيئة التأسيسية بإحالة المشروع إلى مجلس النواب، وهو حكم محل طعن أمام المحكمة العليا الليبية.

لكن هذا الاتفاق واجه فشلاً بنيويًا داخليًا بسبب فرض التصويت بالإجماع على قرارات المجلس الرئاسي وهو ما لم يحدث، فصدرت قرارات المجلس في أغلبها دون إجماع، وأحيانًا بصوت وحيد هو صوت رئيسه لاستحالة جمع الأصوات.

كما أن مجلس الدولة تشكل بالمخالفة للاتفاق ولم تطبق المادة 64 للنظر في خروقات الاتفاق السياسي، بل تعامل المجتمع الدولي مع المخترقين له دون احترام للاتفاق السياسي، كما لم يعن الاتفاق السياسي بمسألة دخوله حيز النفاذ وتحديدها تحديدًا نافيًا للجهالة مما أعاق تنفيذها.

الأمر الذي ترتب عليه عدم منح الثقة للحكومة المسماة بحكومة الوفاق الوطني، مما أدى إلى فشل أهم أهداف الاتفاق السياسي، وهو إنهاء حال الانقسام وجمع المؤسسات التنفيذية تحت هيكل تنفيذي واحدة، مما أدى إلى مزيد الانقسام ليتحول الجسم التنفيذي الجديد (حكومة الوفاق الوطني) إلى عضو طارد وليس فاعلاً في جسد ليبيا العليل.

وهكذا تحول الدواء إلى داء جديد، الأمر الذي أدى إلى بقاء الاتفاق اتفاقًا سياسيًا ولم يتحول إلى غايته الحقيقية، أي أن يصبح تعديلاً دستوريًا، بل دستورًا موقتًا لليبيا لحين صدور دستور وإجراء انتخابات استنادًا إليه.

3 - تجاوزت بعض الأحداث خاصة العسكرية منها، بعض نصوص الاتفاق السياسي، فكان بيان القاهرة ثم بيان لاسيل سان كلو اللذان شكلا ضربتين قاصمتين للمادة الثامنة في الاتفاق السياسي، والمادة الثامنة من الأحكام الإضافية التي جرى الاعتراض عليها باكرًا من مجلس النواب بالتحديد.

وبعد تصلب في الموقف مفاده أن اتفاق الصخيرات نهائي ولن يفتح للتعديل، وبعد الظروف السابق بيانها وغيرها أعلن المبعوث الجديد عن خطته للعمل من أجل ليبيا.الجانب الدستوري للخطة
ـ جدير بالقول إن خطة سلامة في مرحلتها الأولى وبعد إجراء التعديلات على الاتفاق السياسي تأسيسًا على المادة 12 من الأحكام الإضافية، ستتحول إلى تعديل دستوري، أي دستور يحكم المرحلة الانتقالية، ذلك أن مجلس النواب تأسيسًا على هذه المادة سيقوم بـ«إقراره نهائيًا دون تعديل»، وفقًا للآلية الواردة بالإعلان الدستوري».

ـ ومن المهم تبيان أن الخطة في مرحلتها الثانية ستتعامل مع العملية الدستورية من خلال المؤسسات التالية:
مجلسا النواب والدولة والمؤتمر الجامع. وتنص المادة 23 من الاتفاق السياسي على أن يقوم مجلسا النواب والدولة بتشكيل لجنة مشتركة بينهما قبل شهرين من انتهاء عمل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، مهمتها اقتراح مشروعي قانوني الاستفتاء والانتخابات العامة الضروريين لاستكمال المرحلة الانتقالية والتشريعات الأخرى ذات الصلة، وتقدم مشاريع القوانين لمجلس النواب لإقرارها».

ـ إن مقياس نجاح خطة سلامة هو إصدار دستور للبلاد؛ لأن في إصداره إعلان لانتهاء المرحلة الانتقالية وانتخابات للسلطتين التشريعية والتنفيذية (الرئيس)، ولا انتهاء للأجسام الحاكمة القائمة (مجلس نواب، مجلس دولة، مجلس رئاسي)، إلا بصدور دستور للبلاد وإجراء انتخابات تأسيسًا عليه.

الإشكاليات الدستورية في الخطة
ـ ربط نهاية المرحلة الانتقالية بإصدار دستور للبلاد: كررت هذه الخطة المشكلة التي أوجدها الإعلان الدستوري أثناء ولاية المؤتمر الوطني العام، ذلك أن تقاعس المؤتمر الوطني العام وتأخره في تنفيذ الاستحقاق الدستوري الذي كان أهم استحقاقاته إصدار الدستور الذي سينهي ولايته، كما كان سينهي المرحلة الانتقالية لكل تململ الشارع والمطالبة بإنهاء ولايته أدى إلى تشكيل المؤتمر الوطني العام للجنة فبراير في 2013، وتبنى التعديلان السادس والسابع للإعلان الدستوري اللذان قرر المؤتمر الوطني العام بموجبهما انتخابات مبكرة، وتأسيس هيئة تشريعية جديدة وهي مجلس النواب وتسليمه السلطة، واستحداث منصب رئيس منتخب للبلاد.

المقهور: مقياس نجاح خطة سلامة هو إصدار دستور للبلاد؛ لأن في إصداره إعلان لانتهاء المرحلة الانتقالية وانتخابات للسلطتين التشريعية والتنفيذية

لذا فإن تكرار خطة سلامة ربط انتهاء هذه المرحلة بإصدار الدستور دون وضع فرضية عدم صدوره، أو الاختلاف حول صدوره أو تأخر صدوره عن السنة المحددة في الخطة (وكل ذلك متوقع)، يعني استمرار هذه الحال الفريدة من التوافق من التوافق التي فرضتها الخطة بمؤسسات عاجزة وغير قادرة على العمل وتنفيذ استحقاقات المرحلة.

ـ تراهن الخطة كما راهن الاتفاق السياسي على مبدأ توافق المؤسسات، وهي آلية غريبة عن الثقافة السياسية الليبية التي غالبًا ما تقوم على التوافقات الفردية والتي فشلت بدورها في الأزمة الحالية، وفشل التوافق في إطار المجلس الرئاسي الحالي خير دليل على ذلك.

وترتكز الخطة في تنفيذها على آلية عمل خلال عام بين سبع مؤسسات: مجالس النواب والدولة والرئاسي والحكومة والهيئة التأسيسية والمفوضية العليا للانتخابات، والمؤسسة العسكرية والأمنية الموحدة، كما أنها تراهن على توافق بين مجلسي النواب والدولة يبدو حتى في المرحلة الأولى صعب التحقق لأجل تعديلات في الاتفاق السياسي، فما بالك في تشريعين مهمين لتسليم السلطة؟

ـ تقوم هذه الخطة في مرحلتيها الأولى والثانية خاصة على مؤسستين رئيسيتين هما مجلسا النواب والدولة.

وهما مؤسستان غير ديمقراطيتين تعانيان استبدادًا داخليًا ولوائح قاصرة، وعجزًا في العمل (مجلس النواب)، وتشكيلاً مخالفًا لسند إنشائه (مجلس الدولة) وقصورًا في عضوتيه، سواء بسبب مقاطعين له أو مرفوضين من العودة إليه.

للاطلاع على العدد «102» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ـ أقحمت الخطة هاتين المؤسستين في المسار الدستوري. فمن المعلوم أن الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور هي هيئة منتخبة توجت أعمالها بمشروع دستور أحيل إلى مجلس النواب، وإن الأمر يتوقف اليوم على مجلس النواب، لذا فإن الجزء المتعلق بالعملية الدستورية في الاتفاق السياسي بحاجة إلى تعديل، خاصة المواد من ٥٠ إلى ٥٢.

إننا اليوم بين خيارين هما تبني دستور توافقي موقت بإشراف الأمم المتحدة لحين انتهاء المرحلة الانتقالية بدستور دائم لا سقف زمنيًا لتبنيه أو تبني دستور دائم ينهي المرحلة الانتقالية وفقًا للإعلان الدستوري الحالي وعرضه للاستفتاء على الشعب الليبي الذي يمكن أن يوافق عليه أو يرفضه. وفي حال رفضه يمكن فتحه للمراجعة من الهيئة التأسيسية.

المزيد من بوابة الوسط