«واشنطن بوست»: لماذا يعد الحل الإيطالي لأزمة المهاجرين خاطئًا؟

قال الخبير بالشأن الليبي، جلال حرشاوي، والباحث ماثيو هربرت، في تقرير نشر أمس الثلاثاء بجريدة «واشنطن بوست» الأميركية، إن الخطة التي وضعتها إيطاليا لمعالجة أزمة تدفق المهاجرين عليها من ليبيا كانت خاطئة، رغم الهدوء السائد منذ يوليو الماضي بمياه ليبيا الإقليمية الغربية، والتباطؤ الملحوظ في حركة توافد المهاجرين لينخفض عددهم عن 23 ألف مهاجر شهريًا.

المهاجرون يتكدسون على ساحل ليبيا، وكثير منهم مسجونون في ظروف غامضة

وأشار الكاتبان إلى أن المهاجرين يتكدسون على ساحل ليبيا، وأن كثيرًا منهم مسجونون في ظروف غامضة، موضحين أن حركة تدفقهم عبر ليبيا إلى إيطاليا تكبحها ميليشيات حولت نشاطها إلى العمل على عرقلة تدفق المهاجرين المسافرين إلى الشمال والذين كانوا يستفيدون منهم في السابق.

وتابعًا أنه في عمق الصحراء الجنوبية ترى الميليشيات الناشئة غاية في إغلاق حدود ليبيا مع النيجر وتشاد أمام المهاجرين الساعين للوصول للشمال، وهو محاولة السيطرة على المناطق التي لا تخضع لتأمين أي من الحكومات المتنافسة، وقالا إن «تحفيز الميليشيات الليبية الجديدة من أجل كبح حركة الهجرة هو سياسة جديدة تقودها الحكومة الإيطالية ويتبناها الاتحاد الأوروبي».

وأوضح التقرير أن النهج الإيطالي قام على أساس دفع أموال للميليشيات المرحبة بالعمل كقوات رادعة للمهاجرين، مضيفًا أن «ممثلي الحكومة الإيطالية يستخدمون وسطاء مثل رؤساء البلديات أو الزعماء المحليين للتفاوض على شروط الاتفاقات مع الجماعات المسلحة، كما أنهم يبنون الدعم المحلي في المناطق المستهدفة من خلال توزيع المساعدات الإنسانية».

هناك مساران لتعويض الميليشيات، الأول عن طريق الهدايا النقدية المباشرة. الثاني تدفق المال ذي الطبيعة السياسية عبر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا

ولفت إلى أن هناك مسارين لتعويض الميليشيات، الأول عن طريق الهدايا النقدية المباشرة. الثاني تدفق المال ذي الطبيعة السياسية عبر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، وقال إن: «الاتحاد الأوروبي هو أكبر مانح لحكومة الوفاق الوطني، كما أن روما تبدو أنها في وضع يسمح لها بتخصيص بعض الأموال للكيانات التي ترغب في مكافأتها، «حيث تمكن هذه العملية السياسية روما من نفي أنها تكافئ الميليشيات مباشرة، كما تمكن حكومة الوفاق الوطني من الإبقاء على توقفت تدفق المهاجرين».

وذكر التقرير أن الهجرة برزت كأحد أكبر القضايا السياسية التي تواجه أوروبا في السنوات الأخيرة، لافتًا إلى أنه منذ العام 2014 وصل 1.7 مليون مهاجر للقارة، وفي هذا السياق سعى الاتحاد الأوروبي إلى إبعاد الهجرة عن شواطئها، وحفزت جيرانها على وقف تدفق المهاجرين من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية والتنازلات السياسية.

سياسة الاتحاد الأوروبي تجعل هدف إحلال الاستقرار وتوحيد ليبيا بعيد المنال لثلاثة أسباب رئيسية

وتابع أنه لأجل هذه الغاية أبرم الاتحاد الأوروبي في العام 2016 اتفاقًا مع تركيا، وهو ما نتج عن توقف تدفق المهاجرين المغادرين من أنقرة، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي التفت بعد ذلك إلى ليبيا، ويحذوه رؤية بمضاعفة الصفقة التركية.

إلا أن الجهود الرامية إلى إغلاق ممر الهجرة عبر ليبيا، الذي أصبح الآن الممر الرئيسي للمهاجرين للوصول إلى الاتحاد الأوروبي، عرقله المشهد السياسي والأمني المنقسم في ليبيا، وأضاف التقرير أنه مع اتضاح أن الغالبية العظمى من المهاجرين الواصلين إلى أوروبا يبقون حاليًا في إيطاليا، أيد الاتحاد الأوروبي النهج الإيطالي لحل الأزمة.

وقال التقرير إنه بعيدًا عن النجاح ضيق الأفق فإن سياسة الاتحاد الأوروبي تجعل هدف إحلال الاستقرار وتوحيد ليبيا بعيد المنال لثلاثة أسباب رئيسية.

سياسة الاتحاد الأوروبي تمكن الجماعات المسلحة غير الحكومية
اعتبر التقرير أن خطة إيطاليا القائمة على مبدأ «دفع الأموال نظير وقف تدفق الهجرة استحدث طريقة جديدة للجماعات المسلحة اللاأخلاقية وغير المنضبطة في فرض إتاوات» على المهاجرين والمهربين، بينما لا تزال أزمة الهجرة قائمة، مشيرًا إلى أنه في السابق كان المهاجرون والمهربون يدفعون للميليشيات إتاوة نظير الرحيل إلى أوروبا، أما الآن فالاتحاد الأوروبي بتنسيق من إيطاليا يدفع في الواقع ضريبة لنفس الجماعات لإبقاء المهاجرين في ليبيا.

وذكر أن تلك الأموال «تُمثل أيضًا للميليشيات تصريحًا بالشرعية مما يُسهل على وسطاء السلطة المحلية بناء رأس المال السياسي مع الاستمرار في الربح بشكل جيد»، مضيفًا أنه إذا توقفت الأموال فإن التشكيلات المسلحة يمكن أن تستأنف في أي وقت تهريب المهاجرين وفرض إتاوة على عملية الهجرة.

ونقل التقرير عن وزير الداخلية الليبي قوله إن هذه السياسة تساعد في «إعادة تحويل» الميليشيات الليبية إلى أنشطة اقتصادية مشروعة، إلا أنه اعتبر أن رؤية وزير الداخلية تلك «خيالية، حيث يملك قادة الميليشيات والمقاتلون الموجودون تحت تصرفهم الفرصة للتراجع والانخراط في جوانب أخرى من اقتصاد الحرب في ليبيا، بما في ذلك تهريب الوقود المدعوم وغيره من السلع الأساسية».

وأشار إلى أنه في العام 2015 استأجرت شرطة نفط إيطالية ميليشيات في غرب ليبيا لحماية المنشآت الهيدروكربونية، وقد قبلت الميليشيات بكل سرور مهمة الحماية حتى مع استمرارها في الاستفادة من تهريب البشر، معتبرًا أن «ذلك يؤكد أن الدفع للميليشيات نظير خدماتها لا يؤدي إلى تحويل نشاطها أو إصلاحها، فالإيرادات الإضافية تعزز قوتهم فقط».

الاتفاق الذي تروج له إيطاليا تسبب في «النظر للميليشيات الليبية باعتبارها جزءًا من قوات الأمن الرسمية التابعة لحكومة الوفاق الوطني»

قال التقرير إن الاتفاق الذي تروج له إيطاليا تسبب في «النظر للميليشيات الليبية باعتبارها جزءًا من قوات الأمن الرسمية التابعة لحكومة الوفاق الوطني»، مضيفًا أن «ذلك هو المثال الأفضل على الوضع الأمني المركب: حيث تدعي حكومة ضعيفة أنها حيدت الميليشيات المستقلة من خلال تقديم المال لهم، فيما تتابع الجماعات المسلحة في مثل هذه الحالات جدول أعمالها وتتجنب التسوية السياسية».

وذكر أن «ليبيا تواجه بالفعل تحديًا فيما يتعلق بالوضع الأمني المركب، حيث أن 80 % من أفراد حرس الحدود في البلاد كانوا منتمين لوحدات تابعة للميليشيات»، مشيرًا إلى أن «إبقاء أفراد حرس الحدود على علاقاتهم مع الميليشيات ومشاركتهم في أنشطة غير مشروعة يعيق فعالية القوة».

وأضاف التقرير أن مسؤولين أمنيين ليبيين أكدوا في مقابلات أن أحد أهم شواغلهم هو كيفية التعامل مع هذه القوة الهجينة وإضفاء الطابع المهني عليها، بحيث تصبح متجانسة فعليًا، وقال إنه «بمكافأة الميليشيات دون تشتيتها أو إعادة تشكيلها، فإن النهج الإيطالي يؤخر عملية الدمج هذه».

استراتيجية إيطاليا قد تؤجج الصراع
قال تقرير «واشنطن بوست» إنه من غير المرجح أن تبقى الجماعات المسلحة الأخرى التي لم تدرج في تلك الاتفاقات صامتة بينما يجني خصومهم المكاسب، مضيفًا أن البعض قد يسعى إلى السيطرة على أراض اكتسب أهمية في ظل الوضع الجديد.

وتابع أن «البعض الآخر قد يرتجل طرق هجرة بديلة، في حين أنه في حالات أخرى قد تنقسم الميليشيات حيث إن المقاتلين يرفضون الالتزامات التي تعهد بها قادتهم».

وأضاف: «علاوة على ذلك فإن الفصائل المتحالفة مع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ستحاول التدخل عسكريًا لوقف منافسيها عن اكتساب الشرعية السياسية من خلال استراتيجية المهاجرين التي يتبعها الاتحاد الأوروبي، ومن ثم يتوقع حدوث مجموعة من التأثيرات العنيفة في غرب ليبيا وخارجها».

وقال الكاتبان في نهاية تقريرهما إنه «رغم أن تدفق الهجرة من ليبيا في الوقت الراهن منخفض، إلا أن طرق الهجرة كانت دائمًا ولازالت مجرد عرض لهشاشة الدولة»، وأضافا أن «هذا الهشاشة والتحديات الهائلة التي لا تزال قائمة فيما يتعلق بالأمن وتدعيم الدولة هي الأزمة الحقيقية في ليبيا».

وتابعا أن سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه ليبيا تضحي بتعزيز نفوذ المؤسسات في مقابل تحقيق منفعة الاتحاد.

المزيد من بوابة الوسط