«اقتصاد الحرب» يزدهر في ليبيا مع اتساع السوق السوداء

هل يستطيع مصرف ليبيا المركزي وقف تدهور العملة؟ سؤال طرحه تيم إيتون الباحث في المعهد الملكي البريطاني «تشاتام هاوس» في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي».

الفارق بين السعر الرسمي للدينار ومثيله بالسوق السوداء يمثل حلقة مفرغة تضعف قيمة العملة وتفكك القطاع الرسمي

تيم إيتون الباحث في الشؤون الدولية، قال إن الاقتصاد «ينهار»، والموازنة العامة للدولة تعاني عجزًا كبيرًا، مع استمرار أزمة في السيولة بالقطاعات الرسمية، وانهيار القطاع البنكي.

وشرح الباحث الدائرة الخبيثة لتجارة العملة في السوق السوداء، وهي جزء مما سماه «اقتصاد الحرب»، يتسبب في تفكيك القطاع الرسمي، ويلعب الفارق بين سعر الصرف الرسمي للدينار وسعر الصرف في السوق السوداء دورًا حيويًّا في هذا الازدهار.

ويتراوح سعر صرف الدينار الرسمي مقابل الدولار عند مستوى 1.37 دينار، بينما يصل سعر الصرف في السوق الموازية إلى ثمانية دينارات مقابل الدولار.ويوفر الفارق بين الرقمين، بحسب الكاتب، فرصة كبيرة للمضاربة لمَن يملك الوصول إلى الدولارات بسعر الصرف الرسمي وبيعها في السوق السوداء، مما يخلق «حلقة مفرغة» تضعف قوة العملة الرسمية.

وحذَّر الباحث من أنَّ استمرار التراجع في قيمة الدينار، يعني أن الليبين «سيقعون ضحية مزيج من الارتفاع في الأسعار مع تراجع الرواتب».

دائرة خبيثة
ولفت إلى عدة طرق يتم بها استغلال الفارق بين سعر الصرف الرسمي وغير الرسمي، أحدها يتم على نطاق صغير، مثل سحب الدولار من خارج ليبيا عن طريق بطاقات الائتمان بسعر الصرف الرسمي، ثم بيعه في السوق السوداء وتحقيق فارق الأرباح.

وقال: «هناك طريقة أخرى، وهي الأكثر فاعلية، وصفها الكاتب بـ(عملية احتيال على الدولة)، تتم عبر الحصول على خطابات اعتماد لاستيراد بضائع من الخارج إلى ليبيا، عن طريق شراء بضاعة أقل من المنصوص عليها في خطابات الاعتماد، مما يسمح للشخص بإرسال الدولار إلى آخرين أو شركة مجهولة بالخارج».

رجل أعمال: 50 %من البضائع المستوردة تصل السوق السوداء وتعديل سعر الدينار يحل 50 % من مشاكل الاقتصاد

وأضاف: «عند شحن البضائع إلى ليبيا، يتم تزوير الأوراق الرسمية بالجمارك عن طريق الرشاوى، وذلك للتأكيد على أن البضائع التي وصلت هي الكمية نفسها المنصوص عليها في خطاب الاعتماد ثم تباع البضائع وفق أسعار السوق السوداء وليست الأسعار الرسمية، وفي بعض الحالات، لا تصل أية بضائع على الإطلاق، ويتم استخدام خطابات الاعتماد عادة لسرقة أموال الدولة والقيام بعمليات غسل الأموال في الخارج».

وتلك الدائرة، كما يقول الباحث، ترفع أسعار التكلفة على رجال الأعمال، وبالتبعية تعود على المستهلكين. وارتفعت أسعار الخبز خمسة أضعاف منذ العام 2014، ولا يستطيع معظم الليبين الحصول على رواتبهم كاملة بسبب أزمة السيولة.

تضخم جامح
ونتيجة لعمليات الاحتيال تلك، ترتفع معدلات التضخم إلى مستويات مقلقة، وصلت إلى 40%، مع إضعاف قيمة الدينار. وزادت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي في السوق السوداء بشكل ملحوظ خلال الأعوام القليلة السابقة، إذ ارتفع من 1.3 دينار للدولار في أبريل 2014 إلى ثمانية دينارات حاليًّا.

ودعا تيم إيتون، مصرف ليبيا المركزي إلى استخدام سلطاته والاختصاصات المخولة له لوقف تداول العملة في السوق السوداء، وقال: «رغم مرور ست سنوات على الثورة، إلا أن الليبيين يدفعون أموالاً أكثر مقابل البضائع، مع تراجع قيمة الرواتب».

ولفت الباحث إلى انتقادات يوجهها رجال الأعمال إلى محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، يتهمونه بـ«التسبب في تفاقم الأزمة»، مشيرين إلى قرار المصرف المركزي تقليل توزيع خطابات الاعتماد لتشمل عددًا محدودًا من القطاعات، مما أجبر نسبة كبيرة من رجال الأعمال في قطاعات رئيسية مثل البناء، للاعتماد على السوق السوداء لتأمين حاجتهم المالية.ورغم محاولة الصديق الكبير طباعة عملة جديدة لحل أزمة السيولة، تسربت تلك العملة سريعًا خارج القطاع الرسمي إلى السوق السوداء، مع تراجع ثقة المستهلكين بالقطاع البنكي، ورغبتهم في سحب كل ما في وسعهم.

تخفيض العملة
وللخروج من المأزق الراهن، تساءل الباحث: لماذا لا يقوم المصرف المركزي بتقليل قيمة سعر الصرف الرسمي؟!

ورأى أنه «دون تخفيض قيمة الدينار، ليس واضحًا كيف ستتمكن السلطات الليبية من وقف التراجع الحاد في قيمة عملتها»، لكنه لفت أيضًا إلى أن المصرف المركزي سيواجه مقاومة كبيرة في حال قرر تعديل سعر الصرف، لأنه سيخفض قيمة الأموال والمدخرات التي يحتفظ بها المواطنون.

تيم إيتون: المستفيدون من الوضع الحالي أطراف لا تقتصر على المجموعات المسلحة فقط

ويرى رجل الأعمال الليبي، حسني بي، أن تقليل فرص المضاربة أمر ضروري لمحاربة جرائم الاقتصاد، ويعتقد أن تعديل سعر الصرف الرسمي على مراحل، وإصدار خطابات اعتماد بسعر صرف أعلى، يقلل الطلب على الدولار، مما يؤدي إلى تراجع سعر الصرف في السوق السوداء.

وقال: «تعديل سعر الصرف سيساعد الحكومة في إعادة التوازن إلى معاملاتها التجارية، وتخفيض قيمة العملة يعني تحول الدولار إلى كمية أكبر من الدينار».

وبدوره اتفق رجل الأعمال الليبي محمد الرائد مع رأي حسني بي، لكنه أشار إلى أن «50% من البضائع التي تدخل ليبيا تصل إلى السوق السوداء. 50 - 60% من مشاكل الاقتصاد الليبي سُتحَل مع تغيير سعر الصرف الرسمي».

عوائق البيروقراطية
ولفت الباحث في المعهد البريطاني إلى عدم وضوح موقف المصرف المركزي من تخفيض قيمة العملة، لكن يعتقد كثيرون أن المصرف يوافق على تلك الخطوة.

ويقول حسني بي: «إن المعارضة الشعبية من أكبر العوائق التي تحوْل دون تغيير قيمة سعر الصرف»، لكنه رأى أيضًا أن «المصرف المركزي يختبئ خلف أعذار بيروقراطية، ولا يملك السلطة اللازمة للتحكم في السياسات المالية».

ولفت الباحث إلى عائق آخر، وهو «أولئك المستفيدون من الوضع الحالي ممن يملكون الوصول إلى أموال الدولة، وهي أطراف لا تقتصر على المجموعات المسلحة فقط، بل تضم جميع اللاعبين الرئيسيين بالمشهد».

وتابع: «يسلط ذلك الضوء على أهم العناصر في (حرب الاقتصاد) بليبيا، وهي أن بعض النخبة تريد للوضع الراهن أن يستمر؛ حتى تستمر في التربح».

المزيد من بوابة الوسط