«ذا تايمز»: صراع مميت في صحراء ليبيا بين قوات أمنية محلية وشبكات تهريب المهاجرين

تحدثت جريدة «ذا تايمز» البريطانية في تقرير عما وصفته بـ«صراع مميت» في صحراء ليبيا الشاسعة بين شبكات تهريب المهاجرين، وقوات أمنية محلية تفتقر التمويل والمعدات والأسلحة المطلوبة للقضاء على أنشطة التهريب.

ورأت أن «ليبيا وصلت نقطة الانهيار أمام أزمة الهجرة»، وقالت: «ليبيا منقسمة جراء الاقتتال بين مجموعات مسلحة مختلفة منذ حملة حلف شمال الأطلسي (ناتو) العام 2011. وتفاقم الصراع خلال السنوات الثلاث الماضية، وانقسمت البلاد بشدة بين شرق وغرب».

وانقسمت القوات الأمنية بدورها بين مجموعات مسلحة متنافسة متباينة الولاء، ولم تستعد عافيتها بالكامل حتى الآن. وتكافح حكومة الوفاق الوطني في طرابلس من أجل إبقاء المجموعات المسلحة تحت سيطرتها، وتدرس بناء قوات أمنية وجيش موحد. ومع غياب قوات أمنية مركزية، تتحمل عناصر الأمن المحلية العبء الأكبر، رغم أنها تعاني ضعف التمويل والتسليح.

القوات الأمنية انقسمت بين مجموعات مسلحة متباينة الولاء، وعناصر الأمن المحلية تتحمل العبء الأكبر، رغم ضعف التمويل والتسليح

ورافق مراسل الجريدة دورية ليلية لقوات أمنية من مدينة ترهونة، 60 ميلاً جنوب شرق العاصمة طرابلس، وقال إن «الدوريات الليلية تصاحبها عادة قدر كبير من الخطورة، إذ تقع المنطقة على مفترق طرق لعناصر فارة تابعة لتنظيم (داعش)، يحاولون إعادة تنظيم صفوفهم عقب طردهم من مدينة سرت، إلى جانب شبكات التهريب».

ولفتت الجريدة في تقريرها، أمس الجمعة، إلى غياب العدد والتسليح المطلوب، وقالت إن دوريات الأمن الليلية في ترهونة تستخدم عربات قديمة الطراز دون أي دروع واقية، ويرتدي الرجال بزات زرقاء اللون بلا سترات واقية من الرصاص، ويحملون مجموعة من أسلحة «كلاشينكوف» وأسلحة هجومية أخرى، بينما يستخدم مهربو البشر أسلحة مضادة للدبابات والطائرات.

وشهدت ترهونة تدهورًا أمنيًا ملحوظًا خلال العام الماضي، وصل «مرحلة الأزمة»، إذ يتم تهريب قرابة 400 مهاجر من الطريق نفسه حول المدينة يوميًا، ولم يعد آمنًا للعائلات استخدامه خاصة خلال الليل مع انتشار عمليات الخطف.

الدوريات الليلية أجبرت مهربي المهاجرين على سلك طرق أخرى أطول وأكثر خطورة بعيداًا عن ترهونة

لكن أخيرًا بدأت العناصر الأمنية في تيسير دوريات ليلية بالطريق، وبالفعل ساهمت تلك الدوريات في إجبار مهربي المهاجرين على سلك طرق أخرى أطول وأكثر خطورة بالجنوب.

وقال ضابط يدعى محسن الكانوني: «تراجعت أعداد المهاجرين أخيرًا، وحاليًا نلتقط بين 70 - 100 مهاجر أسبوعيًا». وأضاف آخر: «الدوريات الليلية لا تقتصر على قوافل الهجرة غير الشرعية، لكننا أيضًا نبحث عن عناصر (داعش) ومهربي المخدرات وعصابات الخطف». وقال الضابط محسن عمر من داخل سيارته: «نحن نبحث عن آثار حديثة لسيارات، أو أي ضوء صادر عن عاكسات الضوء الخلفية لسيارات التهريب».
منطقة «الأنابيب»
تابع مراسل الجريدة: «اتجهنا جنوبًا، لعدة ساعات، ثم توقفت الدورية عند منطقة تسمى (الأنابيب) نسبة إلى أنابيب المياه الجوفية بالمنطقة. وهي على الحدود مع مدينة بني وليد، ومنطقة معروفة بمهربي البشر وتجارة العبيد. وتم رصد نقطة تفتيش تابعة لـ(داعش) بالجنوب».

وتعد منطقة «الأنابيب»، وفق التقرير، نقطة تجمع رئيسة للمهاجرين القادمين من المدن الجنوبية مثل سبها، حيث يُترك المهاجرون هنا انتظارًا لرحلة أخرى تأخذهم إلى طرابلس والسواحل الشمالية.

منطقة «الأنابيب» نقطة تجمع رئيسة للمهاجرين القادمين من الجنوب، حيث يُترك المهاجرون هنا لعدة أيام دون طعام أو مياه

ويمكن للمهاجرين الانتظار بالمنطقة أيامًا طويلة دون مياه أو غذاء أو مأوى. وتعج المنطقة بالمتعلقات الشخصية، إذ يُجبر المهاجرون على ترك جميع متعلقاتهم، حتى لا تشغل حيزًا في سيارات النقل المتخمة.

وقال الكانوني: «خلال الشهر الجاري، تعثرت سياراتنا في جثتين لمهاجرين من صحراء أفريقيا، توفيا جراء الحرارة الشديدة». وتابع قائلاً: «آلاف المهاجرين يصلون هنا أسبوعيًا، بينهم سيدات وأطفال وحديثو الولادة، أطفال من جميع الأعمار. ينتظر المهاجرون هنا أيامًا، بعضهم يموت بسبب الجوع والحرارة».

محليون عاطلون
وتحدث تقرير «ذا تايمز» عن تورط كثير من السكان المحليين العاطلين في شبكات تهريب المهاجرين من أجل الربح السريع، وهو من أبرز العقبات التي تقف أمام عمل القوات الأمنية المحلية.

ولفت إلى أن قوات أمن ترهونة غيرت من أساليبها بعد أن أدركوا أن كثيرًا من سائقي شاحنات التهريب هم من السكان المحليين العاطلين، الباحثين عن مكسب سريع، ولهذا يتم توجيه إنذار أولى عند القبض على أحدهم، على أن يُرسل السائق إلى طرابلس في حال تكرر الأمر.

كثير من السكان المحليين العاطلين تورطوا مع شبكات تهريب المهاجرين من أجل الربح السريع

وقال التقرير: «تحاول العناصر الأمنية التواصل مع المجتمع المحلي لإشراكهم في جهود القضاء على أنشطة التهريب. وعملوا على تجنيد شبكة من سكان المنطقة مهمتهم الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه».

وأضاف قائلاً: «خلال الرحلة توقفت الدورية عند راعي أغنام سلم رجال الدورية قائمة بالشاحنات التي تم رصدها. في بعض المناطق، غالبًا ما تتم رشوة السكان المحليين حتى تمر شاحنات التهريب دون رصد».

وتعد منطقة السبيعة، تبعد 30 ميلاً جنوب العاصمة طرابلس، هي الأخرى منطقة حيوية لشبكات تهريب المهاجرين، إذ لفت مسؤولون إلى عبور 60 شاحنة محملة بالمهاجرين أسبوعيًا من المنطقة، بعضها تضم عناصر مسلحة.