ألغام «الصابري».. «جريمة حرب» اقترفها الإرهابيون

لم يكن الطفل بدر الطيرة (13عاماً) الذي لقي مصرعه الأحد الماضي في انفجار لغم أرضي في منطقة الصابري هو أول ضحية لتلك الألغام، ويبدو أنه لن يكون الأخير، طالما بقي ضمير العالم مستريحاً في نومه تجاه تلك الجريمة البشعة التي خلفها تنظيم «داعش» الإرهابي في بنغازي، وبقيت الإمكانيات التقنية محدودة في مواجهة مفخخات غير تقليدية خلفها المجرمون وراءهم في كل مكان يظنه الإنسان آمنا؛ من البيوت إلى المدارس ومحطات توليد الكهرباء، حتى بيوت الله لم تسلم من رجسهم فزرعوها بالمفخخات لتقتل المصلين وهم بين يدي ربهم.

ولأن الأمر لم يعد يحتمل الصمت أكثر من ذلك، حيث باتت كل دقيقة تمر دون تصد جاد لكارثة الألغام والمفخخات تعني إزهاق روح جديدة، بدأ عدد غير قليل من المدنيين وغير المتخصصين التطوع للعمل في مكافحة الألغام لمعاونة صنف الهندسة العسكرية بالكشف عنها وتفكيكها.

لمطالعة العدد 92 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وقد تسلم مستشفى الجلاء للجراحة ببنغازي خلال الفترة الماضية جثامين 9 قتلى و10 جرحى مدنيين، سقطوا ضحايا للألغام الأرضية التي زرعتها التنظيمات الإرهابية في منطقتي الصابري ووسط البلاد.

وكارثة الألغام مستمرة في بنغازي منذ قرابة الثلاثة أعوام وحتى بعد إعلان تحرير المدينة من بقايا الجماعات الإرهابية، فهي تحصد أرواح العسكريين والمدنيين، الأطفال والشيوخ على حد سواء في المناطق التي تم تحريرها، والإحصائيات في تزايد كل يوم.

وبالأمس، الأربعاء، فقط، أصيب مدنيان جراء انفجار لغمين أرضيين أثناء تفقدهما منزليهما في أماكن متفرقة بمنطقة الصابري، هما: محمد علي محمد الشيخي (22 عامًا) و سالم مصطفى المعداني (25 عامًا).

العوامي: نواجه مفخخات معقدة بـ«كتر» و«موس» لنقص المعدات

ووفقًا لمسؤولة مكتب الإعلام بمستشفى الجلاء للجراحة والحوادث، فاديا البرغثي، فإن « الشيخي أصيب بشظايا اللغم في أنحاء متفرقة من الجسم ، بينما المعداني اجريت له عملية بتر في الرجل اليمنى ولا يزال يقبع في غرفة العناية الفائقة بمستشفى الجلاء للجراحة والحوادث»، وقالت البرغثي لـ«الوسط» إن إحصائية الضحايا المدنيين «باتت في ارتفاع بسبب الألغام الأرضية».

نقص معدات
الناطق باسم صنف الهندسة العسكرية علي العوامي أكد لـ«الوسط» أن فصيل الهندسة العسكرية تمكن اليومين الماضيين من تفكيك الألغام في عدد من شوارع وسط البلاد وقاموا بإزالتها بالكامل. وأوضح أن فصيل الهندسة العسكرية تمكن من الدخول إلى مصرف الوحدة المختار ومصرف الجمهورية شارع الشريف رفقة موظفي المصرف وذلك لتفكيك الألغام الموجودة هناك.وأضاف أن عملية تفكيك الألغام والمفخخات داخل المصرفين تمت بنجاح دون وقوع أي إصابات بأفراد الهندسة العسكرية والموظفين.

وأشار الناطق باسم الهندسة العسكرية إلى أن مفرزة الهندسة العسكرية انتهت من تمشيط شارع درنة وشارع فندق الأنيس ومحكمة شمال بنغازي وتم تنظيفها بالكامل من قبل الجرافات بعد تفكيك كافة الألغام الموجودة هناك.

وأفاد بأن صنف الهندسة العسكرية له دور كبير في فتح الطريق أمام القوات المسلحة وتمشيط ونزع الألغام التي لم يتم العثور عليها في وقت لاحق، سواء أكانت في الشوارع أو البيوت أو في المقرات.

وينقسم صنف الهندسة العسكرية إلى إدارة صنف وفرع ومركز تدريب وهيئة. وأشار العوامي إلى أن الهندسة العسكرية على الرغم من قلة الإمكانيات إلا أن دورها كبير في المحاور، وإمكانياتها ضعيفة لا تتعدى «كتر وموس فرش».

وأضاف العوامي: «خاطبنا العديد من الجهات لتوفير تجهيزات ومعدات لأفراد الصنف، وواجهنا تأخير في الرد والتجاوب».

وقال: «إن الهندسة العسكرية فقدت 30 من أفرادها، وأصيب 25 آخرون إصابات تتراوح بين البتر في الأرجل أو الأيدي وإصابات في العيون».

وأوضح أن الألغام والمفخخات والعبوات الناسفة ومخلفات الحرب التي تم نزعها وتم التحفظ عليها من بداية تحرير الليثي والقوارشة قرابة 8000 لغم أو تزيد، وتم إعدام جزء منها وجميعها موثقة بالمستندات والصور.

وبيّن العوامي أن الألغام منتشرة بكثرة في مناطق سوق الحوت والصابري وعمارات 12 في قنفودة، ونواجه بطء في تفكيكها نظراً لأننا لا نملك أجهزة للكشف عن الألغام ونعمل تبعاً لخبرتنا العملية.

ونفى تقاضي أفراد صنف الهندسة العسكرية لأي مبالغ مالية عدا مرتباتهم، مقابل عملهم في مختلف المحاور وفي تلبيتهم لنداءات المواطنين عند عثورهم على أجسام مشبوهة في منازلهم أو المزارع.

ووجه العوامي نداء إلى المسؤولين في الصحة لتوفير مصل الوقاية من مرض الكزاز، قائلاً: أحد جنود الصنف تعرض لمرض الكزاز أثناء تأديته لعمله في سوق الحوت، حيث لاحظنا أن منسوب ارتفاعاً في منسوب المياه الراكدة، ووجدنا فيها جثثًا متحللة.وأضاف أنه تواصل مع مدير مكتب الرعاية الصحية لمنطقة السيرتي لتوفير المصل، ولكنه أجاب بأنه لا يمكن إعطاؤهم المصل لأن الكمية المتوفرة قليلة.

وأشار إلى أنه التنظيمات الإرهابية قامت بزرع كميات كبيرة من الألغام في سوق الحوت الصابري، تم العثور على كميات كبيرة منها في شارع درنة خلف فندق الأنيس.

وتابع: «وضعنا في المناطق المحررة مؤخراً لافتات تحذيرية بدعم من شركة الخليج العربي للنفط، وناشدنا المواطنين في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وفي صفحات التواصل الاجتماعي أخذ الحذر والحيطة من الألغام».

الزريريعية الأكثر تلغيمًا
وقال آمر صنف الهندسة العسكرية بالمنطقة الشرقية العميد يوسف اللواطي في تصريح إلى «الوسط» إن التنظيمات الإرهابية لا تستخدم الألغام الأرضية العادية والمتعارف عليها بل يستخدمون الألغام لاستهداف العسكريين والمدنيين على حد السواء، حيث يتم استخدام ما يعرف بالمساطر التي يتم ربطها بسلك وزرع الدانات أو الحقيبة أو اللغم وفور الوقوف على المسطرة ينفجر اللغم ويقتل أكبر عدد ممكن من العسكريين والمدنيين.

وأوضح اللواطي أن بعد تحرير الصابري دخل صنف الهندسة العسكرية وباشر مهامه بالمنطقة، مؤكدًا أن منطقة الزريريعية الأكثر تلغيمًا حتى الآن في محور الصابري، بينما الأزقة وكافة المباني بمنطقة وسط البلاد تكثر فيها الألغام والحقائب بالإضافة إلى الألغام الأرضية، فضلًا عن وجود عدد كبير منها في منطقة سيدي خريبيش والتي تعتبر منطقة عمليات عسكرية بسبب تحصن جيوب التنظيمات الإرهابية في مساحة صغيرة جدًا ويستخدمونها كخط دفاع للتصدي لقوات الجيش الليبي.

وأشار اللواطي إلى أن صنف الهندسة العسكرية يعاني من نقص في الإمكانيات ويعمل بأقل الإمكانات وبمعدات بدائية جدًا وبسيطة بسبب فرض حظر الأسلحة على الجيش الليبي من المجتمع الدولي، وهذا يؤثر عليهم سلبًا في إنهاء تمشيط المناطق المحررة ومناطق العمليات العسكرية.

وأضاف قائلًا: «إنهم يقومون لفتح ممرات أمام تقدم قوات الجيش الليبي، بالإضافة إلى تمشيط المناطق المحررة والتي سيطر عليها الجيش حفاظًا على حياة العسكريين والمدنيين»، مطالبًا المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الدولية بالوقوف مع أهالي مدينة بنغازي وتوفير المعدات بشكل عاجل بحكم الوضع الإنساني، حيث إن الألغام الأرضية والمفخخات تستهدف المدنيين أيضًا، مشيرًا إلى أن التنظيمات الإرهابية قامت بتفخيخ المنازل والشوارع والمساجد والسيارات والمحال التجارية وهذا لا يعتبر استهدافًا للعسكريين الذين يواجهونهم بشكل مباشر.وأكد اللواطي أن «صنف الهندسة العسكرية قدم حتى الآن 54 شهيدًا للواجب» وأكثر من 60 جريحًا، بالإضافة إلى مقتل 76 ضابطً وجنديًا بينهم أمراء محاور بمنطقتي الصابري ووسط البلاد (سوق الحوت) قضوا جراء الألغام الأرضية والعبوات الناسفة و158 جريحًا إصاباتهم بين البسيطة والحرجة، لافتًا إلى أن غالبية القتلى والجرحى في صفوف الجيش بسبب الألغام الأرضية وليس من المواجهات المباشرة بحسب مصادر عسكرية وطبية متطابقة.

مصائد المغفلين
والتقت «الوسط» بمنطقة الصابري منتسب صنف الهندسة العسكرية رئيس عرفاء فتحي الشندي أثناء قيامه بتمشيط شارع توكرة، حيث تجري أعمال النظافة وإزالة الأتربة والحواجز تمهيداً لإعادة افتتاحه، والذي أشار إلى أنهم يعملون بأقل عدد في حقول الألغام للتقليل من حجم الخسائر في حال حدوث أي طارئ.

وقال الشندي إن المفخخات والألغام التي زرعتها الجماعات الإرهابية لم ندرسها ولكننا استطعنا العمل عليها ونزعها بحكم التجربة والخبرة، وإن الجماعات الإرهابية لجأت إلى وسائل مبتكرة وزرعتها في المساجد والمدارس وفي محطات الكهرباء مستهدفة بذلك المدنيين قبل العسكريين، وأوضح الشندي أن المدنيين يطلقون عليها اسم ألغام ولكنها في المسمى العسكري «مفخخات» أو (مصائد مغفلين)، وأكد الشندي أن الجماعات الإرهابية استخدمت دانات الهاوزر التي تتسبب في مقتل من 5 إلى 7 أشخاص وغيرهم على مسافة 100 متر، واستطعنا اليوم نزع عدد من المساطر الموصولة بمتفجرة نوع «جولاطينة» المعبأة بمادة TNT. وساهمت مؤسسة لا للألغام ومخلفات الحرب في نزع الألغام والمفخخات في عدد من المناطق بمدينة بنغازي وضواحيها.

مدنيون يتصدون للمفخخات
قال العضو المتطوع في مؤسسة «لا للألغام ومخلفات الحرب» خليفة محمد العبيدي، الموظف بشركة الجوف للنفط إنه «مع بزوغ ثورة 17 فبراير 2011 التحقنا بالفرق القائمة على إزالة الألغام ومخلفات الحرب في البريقة، ومنها تحصلنا على الخبرة في مجال تجميع وتصنيف الذخائر».

وأوضح العبيدي أن تطوعه في هذا المجال يهدف للتخلص من خطورة الألغام على البشر والحيوان، وجعل ليبيا خالية من الألغام ومخلفات الحروب، مؤكداً أن المؤسسة تطوعية غير ربحية.

وعن صعوبة مواجهتهم لخطر الألغام بحكم كونهم مدنيين، قال: «نحن نملك الإرادة والتصميم والإيمان بأهمية المساهمة في إزالة الألغام، والمؤسسة كان لها الدور كبير في استيعابنا لعمليات التفكيك في وقت قصير».

وسمى العبيدي تسعة من رفقائه فقدهم أثناء رحلته مع المؤسسة في تفكيك الألغام والمفخخات.

وعن طبيعة الألغام التي تركتها داعش في بنغازي، قال: «لو أن ما تركته داعش في الأراضي المحررة ألغامًا بالمفهوم التقليدي العسكري لكان التعامل معها أقل صعوبة ولكن ما تركه داعش عبارة عن شراك وعبوات مبتكرة يصعب التعامل معها (مصائد خداعية)؛ ولذلك فإن درجة خطورة التعامل معها عالية جداً».

العميد يوسف اللواطي: التنظيمات الإرهابية يستخدمون الألغام لاستهداف العسكريين والمدنيين

وتابع العبيدي: «الإرهابيون يتفننون في زراعة الشراك في المزارع وفي الشوارع الرئيسية الفرعية وكذلك في المساجد (الليثي) وداخل المدارس و(جامعة بنغازي في قار يونس وفي مدرسة برقة ومعهد المعلمات في الهوراي)، وداخل المنازل حدث ولا حرج، حيث وجدناها داخل غرف الاستقبال وغرف النوم وفي سخانات المياه في الحمامات وفي أحواض السباحة وفي الملابس وألعاب الأطفال وفي خزانات المياه المنزلية وعلى سلالم المنازل وتحت الأشجار وفي فازات الورود وتحت فرش الأرضيات وتحت البلاط».

وقال العبيدي: «الإرهابيون عادة عند انسحابهم من المنازل التي كانوا متواجدين فيها يقومون بتدمير كل أثاث البيت والخزائن الخاصة بالملابس، الأمر الذي يسهل عليهم تمويه المفخخات التي يريدون زرعها داخل المنزل».

وعن التوعية بتلك المخاطر قال: «في 14 أبريل من العام الحالي، انتظمت في قاعة شركة الأشغال العامة بمدينة بنغازي ورشة عمل بعنوان (ضحايا الألغام) إحياءً لليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام ومخلفات الحرب، حيث تناولت الورشة عدة محاور وشارك الحضور بأوراق عمل مهنية وقانونية، تناولت مخاطر الألغام ومخلفات الحرب وكيفية الوقاية منها وما هي الجهود الوطنية والدولية لإزالة الألغام ومخلفات الحرب التي انتشرت في كل أرجاء البلاد، وبنغازي خاصة.

لمطالعة العدد 92 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

قدمت رئيس المنظمة الليبية لحقوق الإنسان المحامية حنان الشريف ورقة عمل بعنوان (الحماية القانونية لضحايا الألغام ومخلفات الحرب) تناولت فيها التعريف بالألغام والشراك الخداعية وحماية ضحايا الألغام في الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية. وتناولت الورشة الالتزامات القانونية ضد الإرهابيين والجناة في مسائل زراعة الألغام والتفخيخ والشراك الخداعية.

وشارك في الورشة ممثلين عن صنف الهندسة العسكرية–قسم المفرقعات بالسلامة الوطنية–المركز المتقدم للخبرة القضائية والدراسات التخصصية–هيئة السلامة الوطنية–شعبة الإعلام بالتوجيه المعنوي للقوات المسلحة–الاستخبارات العسكرية–النيابة العسكرية–جهاز المباحث العامة–مكتب الإعلام بكتيبة شهداء الزاوية–اتحاد القوميين العرب لحقوق الوطن والمواطن–المنظمة الدانماركية للأعمال المتعلقة بالألغام بالمنطقة الشرقية–منظمة التراث والتعددية–ومنسق عام مؤسسة لا للألغام ومخلفات الحرب–وعدد من النشطاء الحقوقيين والسياسيين.

المزيد من بوابة الوسط