صندوق رعاية شؤون ضحايا الاغتصاب يوجه رسالة إلى السراج

وجه صندوق رعاية ضحايا الاغتصاب رسالة مفتوحة إلى رئيس المجلس الرئاسي بحكومة الوفاق فائز السراج أمس الاثنين، لمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاغتصاب، ناشد فيها حكومة الوفاق الوطني ، أن يصرف الميزانية المقررة للصندوق، وأن تكون الحكومة في مستوى التزاماتها مع هذه الشريحة من الضحايا.

نص الرسالة
«يؤسس إعادة توظيف تفاصيل البيان الصادر لمناسبة انطلاقة هذا الموعد العالمي لمناهضة العنف الجنسي أثناء النزاعات، لصرخة ذات دلالة أمام تواصل الصمت والإهمال (والإنكار المقنع أو المكشوف)، الذي استمرت الجهات المعنية في ليبيا، تتعامل وفقه مع هذا الملف الشائك.

وقد سبق أن تأخرت الإنسانية بأسرها العديد من القرون للاعتراف بأن الاغتصاب (وسبي الحرائر) ما فتئ يوظف عبر تاريخ البشر الحافل «كسلاح حرب»، حيث شهد مطلع هذا القرن سلسلة مهمة من الأحداث والقرارات التي اتخذت من أعلى هرم منظمات الأمم المتحدة، تعترف أخيرا بتوظيف العنف الجنسي كسلاح حرب أثناء النزاعات. وعين بان كي مون الأمين العام السابق للأمم المتحدة، ممثلة سامية له (هي السيدة زينب بانغورا) لتولي شؤون العنف الجنسي أثناء النزاعات. كما تمت الدعوة لأول قمة عالمية في لندن لإنهاء العنف الجنسي أثناء النزاعات. وهي الجهود التي أثمرت تخصيص هذا اليوم 19يونيو يومًا عالميًا لمناهضة هذا الوباء الذي ما انفك يفتك بجسد البشرية.

وقد واكب نضال مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا؛ التي نهضت للتنديد بتوظيف الطاغية القذافي لسلاح الاغتصاب لقمع الثورة، مختلف المساعي العالمية الذاهبة في هذا الاتجاه. بل أسست الجهود التي تمت في ليبيا بالخصوص، لأحد أهم محركات ذاك الحراك العالمي. وذلك رغم صعوبة المناخ العام في مجتمعنا للحديث عن هذه الطامة، (خاصة مع ظهور بعض الأرقام غير الدقيقة، والمبالغ فيها عن غير مهنية، عن عدد ضحايا الاغتصاب أثناء الثورة) والتي أربكت الرأي العام.

العاملون على هذا الملف في ليبيا يحرصون على عدم تأنيث الضحايا، وقد طالت يد الغدر النساء والرجال والأطفال

وكان يصعب التصديق في بلد محافظ عريق الأصالة مثل ليبيا، يجعل للمرأة بالذات مكانة عالية وفائقة الاعتبار، أن يفتك بحرائرها مثل هذا السلاح. وذهب الأمر ببعض المتشددين إلى إنكار الوقائع، واتهام العاملين على كشف اللثام عن جرائم الطاغية، بمختلف التهم المنكرة والمستنكرة. وذلك رغم أن العاملين على هذا الملف في ليبيا يحرصون على عدم تأنيث الضحايا، وقد طالت يد الغدر النساء والرجال والأطفال، عقابًا لهم على تحديهم للطاغية وإعلانهم الثورة في وجهه.

وفي الوقت الذي رفعت فيه ليبيا بعد انتصار الثورة الشهداء والجرحى إلى مقام وطني عالي الاعتبار، أسدل ستار من الصمت على ضحايا هذا السلاح الفتاك، الذي لا يقتصر على العصف بجسد وروح الضحية، بل هو يتسلل شرخًا، ولغمًا في جسد الوطن بكامله، قد ينفجر بما لا يحمد عقباه، إن لم يعالج وفق ما يجب. على أن إرادة الله سخرت لوجع هؤلاء المظلومين؛ المتلحفين بالصمت والانتظار (خارج قعقعة السلاح ومكبرات الصوت التي وظفتها شرائح أخرى ممن تعرضوا لقمع الطاغية القذافي)، تفهم معالي الوزير صلاح المرغني (وزير العدل الليبي السابق) للقضية.

دعم الصندوق
والذي وقف بشجاعة تاريخية للاعتراف بمصابهم، والإقرار بحقوقهم وواجب الدولة تجاههم، كغيرهم من الشهداء والجرحى الذين دفعوا ثمنًا غاليًا من أجل الوطن. وكان وراء بلورة مشروع أول قانون مُعترف بضحايا الاغتصاب أثناء النزاعات كضحايا حرب. وقد دخل هذا القانون التاريخ منذ ساعة تقديمه إلى المؤتمر العام لإقراره، باعتباره أول قانون في العالم يعترف بضحايا الاغتصاب كضحايا حرب، سابقًا البوسنة والهرسك وألبانيا وكرواتيا أو الكونجو. (المناطق التي شهدت توظيفًا مريعًا لهذا السلاح).

غير أن هذا القانون سيبقى طي الأدراج لدى المؤتمر العام، ثم بعد ذلك لدى البرلمان، الأمر الذي دفع بمعالي وزير العدل إلى إقراره (عبر قرار وزاري) صدر عن مجلس رئاسة الوزراء. وشكل المرغني في هذا الصدد لجنة من الخبراء الليبيين الذين تشاوروا مع نخبة من الخبراء الدوليين في مؤسسات عالمية مختلفة، وتناولوا عبر لقاءات بحثية مختلفة (جرت في اليونيسكو؛ ثم في مقر الأمم المتحدة بنيويورك)؛ أثمرت الرسم المستقبلي لآليات تطبيق القانون، بالأخذ في الاعتبار بخصوصية الثقافة والمجتمع في ليبيا.

صندوق رعاية شؤون ضحايا الاغتصاب: نناشد حكومة الوفاق صرف الميزانية المقررة للصندوق

أثناء القمة العالمية في لندن كان للنضال الليبي شرف إعلان تأسيس أول صندوق في العالم لرعاية شؤون ضحايا الاغتصاب أثناء النزاعات، تخصص له ميزانية إدارية مباشرة من وزارة العدل (الوزارة الراعية للمشروع)، وميزانية سنوية تخصه، تسمح بتنفيذ ما ورد في بنود القرار الوزاري بشأن حقوق الضحايا. ونقل خبره مباشرة من جلسة رئاسة الوزراء المنعقدة حينها في مدينة البيضاء، أمام المحفل العالمي بلندن. وتسجل عندئذ باعتباره الحدث الأهم في تلك القمة، الذي أعقبته الدولة المنظمة بجلسة خاصة مع الوفد الليبي المشارك.
هذه الانتصارات النظرية التي تعني وفق ما ورد في القرار الوزاري بالخصوص، الذي سيكون الصندوق مكلفًا بتنفيذه، تقديم حزمة من المساعدات والحقوق للضحايا، كان لها في واقع الأمر أن تحرز هذا السبق العالمي وتحظى بضجة إعلامية عالمية وبيانات على مستوى رفيع. بل اعتبرت السيدة زينب بانغورا التي التقت بالمفوض العام للصندوق في مكتبها بنيويورك (بأن نجاح عمل الصندوق في ليبيا هو نجاح لمهمتها).

إلا أن هذه الميزانية قد أخلفت موعدها مع الصندوق، في واقع الأمر لقد أخلف الدعم المالي من طرف الحكومات الليبية على تعاقبها موعده مع الضحايا. وهو ما نود أن نندد بشأنه في هذا اليوم العالمي الذي جعل للتوقف أمام عذابات هؤلاء المجروحين المقموعين المحكومين بالصمت.

ونحن نناشد حكومة الوفاق الوطني في هذا اليوم، أن يتم صرف الميزانية المقررة للصندوق، وأن تكون الحكومة في مستوى التزاماتها مع هذه الشريحة من الضحايا. وحتى يتمكن فريق الصندوق من مباشرة عمله والبدء في مشاريعه الهادفة لإحقاق الحق وتقديم الجناة للمحاكمة ومتابعة حقوق الضحايا وانتظاراتهم من الوطن. ونشدد من جديد على أن الاهتمام بهذا الملف، يشكل معبرًا ضروريًا لتحقيق العدالة الانتقالية في ليبيا، ورسم طرق السلام الدائم المبني على كشف اللثام عن المظالم، وجبر الضرر ومعاقبة الجناة وإعطاء كل ذي حق حقه».