السياسات الأوروبية «فشلت» في إدارة أزمة الهجرة في ليبيا

رأت ورقة بحثية للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن السياسات الأوروبية للتعامل مع أزمة الهجرة غير الشرعية في ليبيا «ضيقة الأفق» فشلت في التقليل من تدفق المهاجرين إلى سواحل القارة الجنوبية وجاءت بنتائج عكسية، وأكدت أن حل الأزمة يبدأ من مساعدة السلطات الليبية في إصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور، والعمل مع المجالس البلدية المحلية، وتوسيع نطاق عمل بعثة «يوبام - ليبيا» لتأمين الحدود.

وقال معد الورقة الباحث ماتيا توالدو إن أوروبا عليها أن «تعرف كيف تدير تدفقات المهاجرين بدلاً عن أن تحصر جميع جهودها في إيقافها»، داعيًا أوروبا لفتح قنوات هجرة قانونية حتى يتسنى إغلاق الممرات غير القانونية عبر مجموعة من الاتفاقات، والابتعاد عن مقترح إغلاق حدود القارة أمام المهاجرين لأسباب اقتصادية.

توالدو: يجب إصلاح منظومة الدعم بشكل خاص نظرًا لاستغلالها من قبل شبكات التهريب

ورأى توالدو أن السياسات الأوروبية «ضيقة الأفق وعفا عليها الزمن»، لم تحقق الأهداف المرجوة منها، لأنها ركزت فقط على تعزيز السيطرة على الحدود البحرية للاتحاد الأوروبي وتقليل أعداد المهاجرين واللاجئين القادمين عبر البحر المتوسط بدلاً عن إدارة الأزمة بشكل جيد.

وزادت معدلات الهجرة من ليبيا إلى إيطاليا بنسبة 18% خلال العام 2016 و25.7% خلال الأربعة أشهر الأولى من العام 2017، وفق تقديرات أوردتها الورقة البحثية.

واستعرضت الورقة السياسات الأوروبية الحالية لحل أزمة الهجرة، ووضعت مجموعة من التوصيات أهمها تعزيز الاقتصاد الليبي والمجتمعات المحلية وتعزيز حكم القانون وحقوق الإنسان في ليبيا، وفتح قنوات قانونية للمهاجرين ووضع إجراءات سريعة وآمنة لضمان حصول المهاجرين على حق اللجوء.
حالة من الجمود
رأى توالدو أن السياسات الأوروبية الراهنة للتعامل مع أزمة الهجرة المتزايدة من ليبيا وصلت «مرحلة من الجمود»، وقال إن «السياسات الهادفة لإغلاق الحدود الأوروبية غير فعَّالة لأنها تدفع مزيدًا من المهاجرين نحو شبكات التهريب».

دعوة لتوسيع عمل بعثة «يوبام - ليبيا» ليتسنى لها العمل مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية مثل المجالس البلدية والقبائل

وأوضح أن السياسات الأوروبية في ليبيا، اقتصرت على مساعدة قوات البحرية وخفر السواحل الليبي وإجراء برامج تدريب وتوفير الدعم المالي، وتنفيذ برامج لبناء القدرات وتحقيق الاستقرار، لكن تأثيرها على الأزمة لن يتحقق سوى على المدى المتوسط أو المدى البعيد، وأضاف: «إذا أرادت أوروبا وقف موجات الهجرة غير الشرعية من ليبيا بشكل أسرع عليها توقيع اتفاقات إعادة القبول مع دول المنبع وأيضًا توفير قنوات قانونية للهجرة».

وقال توالدو: «لا تزال أوروبا تعاني من أجل إيجاد الطريقة الأمثل لإدارة تدفقات الهجرة من ليبيا. وبالأخص، تواجه صعوبات في إدارة طلبات اللجوء وتنفيذ اتفاقات إعادة القبول. فتقييم طلبات اللجوء يمر خلال مرحلة بطيئة للغاية»، مضيفًا أن «تركز السياسات الحالية على تقليل أعداد المهاجرين، لكنها تنتهي بنتائج عكسية».

ولهذا لفت إلى أن تلك الصعوبات وغيرها يمكن تخطيها من خلال فتح قنوات شرعية للهجرة إلى أوروبا. وقال أيضًا إن الأهداف والسياسات الأوروبية يجب أن تتغير للوصول إلى نتائج إيجابية، واعتبر أن الانتخابات السياسية التي أُجريت أخيرًا في عدد من العواصم الأوروبية قد توفر الدفعة المطلوبة للحكومات لتعديل سياساتها.

ومن هنا، تحتاج أوروبا إلى إعادة النظر في سياساتها والنهج الذي تتبعه، فهي بحاجة إلى نهج شامل يوازن بين زيادة معدلات الهجرة القانونية وتسريع إجراءات عودة المهاجرين غير القانونيين مع احترام حقوقهم.
توصيات لحل الأزمة
رغم الجهود المضنية المبذولة من قبل الاتحاد الأوروبي، قال توالدو إن الاتحاد لا يملك أدوات فعَّالة مثل تلك التي تملكها الدول الأعضاء على حدة، ولهذا لا تنجح أدواته في تقليل تدفقات المهاجرين أو إدارتها.

لكن الدول الأوروبية مجمعة يمكنها وضع حد للأزمة وإدارتها بشكل أفضل، ويتم ذلك عن طريق، أولاً، مساعدة السلطات الليبية في تحسين الوضع الاقتصادي ودعم المجالس البلدية وتعزيز حقوق المهاجرين.

معدلات الهجرة من ليبيا إلى إيطاليا زادت بنسبة 18% خلال العام 2016 و25.7% خلال الأربعة أشهر الأولى من العام 2017

في هذا الصدد دعت الورقة البحثية دول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بدعم عمل منظمة الهجرة الدولية ومفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة للوصول إلى مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا لتوفير التمويل والدعم التقني، إلى جانب دعم برامج منظمة الهجرة لإعادة المهاجرين طواعية إلى بلادهم.

ولفتت الورقة إلى أن إجمالي الدعم الأوروبي إلى ليبيا في مجال الهجرة وصل إلى 90 مليون يورو، مطالبة بتوصيل الدعم المالي مباشرة إلى المجالس البلدية بالمجتمعات التي تستقبل المهاجرين.

لكنها لفتت إلى مشكلة أخرى وهي غياب حكومة مركزية قوية، وهو وضع من المرجح أن يستمر فترة طويلة، وقالت إن أي تمويل مستقبلي يجب أن يكون مشروطًا بحسن إدارة والتصرف في التمويل الحالي، ويجب تقديمه مباشرة إلى المجالس البلدية أو إلى برنامج «مرفق الاستقرار» التابع للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة.

ونفذ برنامج «مرفق الاستقرار» بالفعل عدة برامج داخل ليبيا منها تركيب ألواح شمسية لتوصيل الطاقة في المجتمعات الصحراوية، تحسين الخدمات الصحية المحلية وتسهيل حصول اللاجئين على المساعدات الصحية، توفير قروض مالية، وتحسين الخدمات العامة.
تحسين الوضع الاقتصادي
شدد الباحث الأوروبي على أهمية تحسين الوضع الاقتصادي في ليبيا، داعيًا الخبرات الأوروبية لمساعدة الحكومة الليبية في إصلاح السياسات الاقتصادية المتبعة وتطبيق إصلاحات لتحسين الوضع الراهن.

90 مليون يورو إجمالي الدعم الأوروبي المقدم إلى ليبيا في مجال الهجرة

وأكد توالدو أهمية إصلاح منظومة الدعم بشكل خاص، نظرًا لاستغلالها من قبل شبكات التهريب. فرغم الأزمة الاقتصادية الخانقة، تشمل منظومة الدعم غالبية البضائع، وتغطي أيضًا المنتجات البترولية، والتي يتم تهريبها إلى دول الجوار بعشرة أضعاف ثمنها الحقيقي داخل ليبيا.

وفي هذا الصدد، على أوروبا مساعدة المؤسسات الليبية في تطبيق إصلاحات تدريجية لتقليل الدعم وبالتالي الحد من أنشطة تهريب البضائع المدعومة، مع تقنين بعض الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، التي تسيطر عليها شبكات التهريب، للقضاء على أنشطة التهريب نهائيًا.

وعلى الجانب التقني، يجب على أوروبا مساعدة السلطات الليبية في تعقب شبكات التهريب والقضاء عليها عن طريق توفير المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الحركة عند الحدود وبناء قدرات القوات الليبية وتوفير العدد والمعدات اللازمة.
تمديد تفويض «يوبام - ليبيا»
وأولت الورقة اهتمامًا خاصًا للعمل مع بعثة «يوبام - ليبيا» لتأمين الحدود وتوسيع نطاق تفويضها لتحسين أنظمة تسجيل المهاجرين واحترام الحقوق الأساسية لهم، بجانب دعم منظمات المجتمع المدني المعنية بمراقبة وتفقد مراكز احتجاز المهاجرين واللاجئين.

ودعت الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في تفويض «يوبام - ليبيا»، وتحويلها إلى «بعثة مشتركة للأمن والدفاع» حتى يتسنى لها العمل مع الجهات الحكومية وغير الحكومية على السواء مثل المجالس البلدية والقبائل ومنظمات المجتمع المدني، خاصة في ظل الانقسام المسيطر على المؤسسات الحكومية الرسمية.

السياسات الأوروبية وصلت «مرحلة من الجمود» وتدفع المهاجرين إلى أحضان شبكات التهريب

ومع توسيع نطاق عمل البعثة، سيتسنى لـ«يوبام - ليبيا» زيادة عملها عند السواحل لتدريب قوات خفر السواحل والقوات البحرية وزيادة قدرتهم على التعامل مع المهاجرين وتسجيل دخولهم. وعلى مستوى الحكومة المركزية، يمكن للبعثة العمل على إعادة بناء البنية التحتية للمؤسسات القضائية والشرطية مثل أجهزة التحقيق الجنائي.

وأُنشئت بعثة «يوبام - ليبيا» عقب سقوط معمر القذافي لمساعدة ليبيا في مراقبة حدودها، لكنها انسحبت العام 2014 مع اندلاع معارك مسلحة واسعة النطاق داخل الدولة، لكنها تعود تدريجيًا مع تغيير قياداتها.

المزيد من بوابة الوسط