درنة في رمضان.. أجواء أسرية دافئة وزحام بالمقاهي والأسواق واحتفاء بالعمال الأجانب

بين تقاليدهم العريقة، وطقوسهم العائلية الدافئة ومتابعة الأنشطة الترفيهية، وفي مقدمتها الدورات الكروية المقامة في أكثر من ناد، يقضي أبناء مدينة درنة أيام شهر رمضان، التي تتميز بأجواء خاصة يحرص الجميع على الاستمتاع بها، على الرغم من الظروف القاسية التي تعيشها المدينة، بحكم الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

وخلال الأيام الثلاثة الأولى من شهر رمضان الحالي، عاش أهالي درنة حالة استثنائية، حيث تزامنت بداية الشهر مع الغارات الجوية المصرية التي استهدفت معاقل «مجلس شورى مجاهدي درنة»، على إثر الحادث الإرهابي الذي استهدف قافلة من المسيحيين المصريين بمحافظة المنيا (جنوب القاهرة).

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وأعلنت القاهرة أنها تستهدف هذه المواقع كونها «مراكز لتدريب الإرهابيين»، في استمرارللأزمة التي تحياها المدينة منذ العام 2014، عندما وقعت في قبضة التنظيمات الإسلامية التي لا تعترف بأي من الأجسام السياسية القائمة في ليبيا.

ولمدة عام تقريباً، سيطر تنظيم «داعش» على المدينة، قبل أن يدخل في اشتباكات عنيفة مع «مجلس مجاهدي درنة»، تمكن خلالها الأخير من بسط سيطرته على المدينة، ليدفع الأهالي ثمن الإرهاب في أكثر من مناسبة. واستهدفت الطائرات المصرية عدداً من تمركزات «مجلس شورى مجاهدي درنة» في محيط المدينة، غير أن صاروخاً سقط على منزل المواطن أسامة جاب الله في حي الجبيلة بوسط المدينة لكنه لم ينفجر.

«أهالي درنة تناولوا السحور في أول أيام رمضان على أصوات القصف المصري»

وتناول أهالي درنة وجبة السحور في أول ليالي رمضان على وقع أصوات الطائرات المصرية التي واصلت قصفها على محيط المدينة لمدة 3 أيام.

وأعلن الناطق العسكري للجيش المصري، العقيد تامر الرفاعي، أن القوات الجوية المصرية نفذت ضربة جوية استهدفت تنظيمات إرهابية مدعومة من «داعش»، بالقرب من مدينة درنة، مشيراً إلى أن الضربات جاءت رداً على هجوم المنيا الإرهابي، بينما قال الناطق الرسمي باسم الجيش الليبي العقيد أحمد المسماري إن الضربات الجوية المصرية تمت بالتنسيق مع القيادة الليبية.

وشهدت المدينة في أول جمعة من رمضان وقفة احتجاجية بساحة مسجد الصحابة، ندد المشاركون فيها بالقصف الجوي الذي استهدف المدينة، مطالبين السلطات المحلية والمجتمع الدولي باتخاذ موقف تجاه ما تتعرض له المدينة، كما رفع المشاركون شعارات تدعو للمصالحة الشاملة وطمأنة العمالة المصرية الوافدة بأنهم بأمان وليس لهم دخل بما يحدث.

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وعلى الرغم من هذه البداية، والأزمات المعيشية مثل نقص السيولة والوقود وانقطاع الكهرباء لخمس ساعات يومياً، إلا أن أعيان درنة تمكنوا عبر مساعي المجلس الأعلى للمصالحة، بالتنسيق مع الجيش الليبي من تسهيل إدخال ما يحتاجونه من ضرورات شهر رمضان المبارك، وشهدت الأسواق ازدحاماً كبيراً وحركة مبيعات ممتازة وتوافرت الخضراوات والفواكه والمواد الغذائية بمختلف أنواعها واللحوم والأسماك والخبز، على ما ذكر مواطنون لـ«الوسط».

عادات رمضانية

وتبدأ حركة الأهالي خلال شهر رمضان مع آذان الظهر، لينطلق أهالي درنة إلى المساجد لأداء الصلاة، ويفضل الكثير منهم مسجد الصحابة بوسط المدينة كونه المكان المخصص لمراسم صلاة الجنازة التي تقام بعد صلاة الظهر فقط في شهر رمضان الكريم عكس الأشهر الأخرى، التي تقام فيها الصلاة في 3 مواعيد معروفة بساحة مسجد الصحابة وهي الساعة العاشرة صباحاً وبعد صلاة الظهر وبعد صلاة العصر.

ويحرص أهالي درنة على المشاركة في صلاة الجنازة أملاً في أجرها من ناحية، ولتقديم واجب العزاء لأهل المتوفي من ناحية أخرى.

«مسجد الصحابة بدرنة يشهد إقبالا كبيرا من المصليين كونه المكان المخصص لمراسم صلاة الجنازة ولقربة من أهم سوق للخضار واللحوم»

ومن الأسباب الأخرى للإقبال على مسجد الصحابة أنه قريب من أهم أسواق الخضار واللحوم الرئيسة في المدينة، علماً بأن السوق أيضاً تحمل اسم «الصحابة». وعادة ما يخرج المواطنون بعد أداء الصلاة إلى الأسواق لشراء ما يلزمهم من خضراوات ولحوم ومواد غذائية ليعودوا بعده إلى بيوتهم لأخذ قسط من الراحة.

عند أذان العصر يبدأ تحضير وجبة الإفطار حيث يتميز الإفطار في درنة بأطباق ثابتة طيلة الشهر الكريم، فتتكون عادة من الشربة التي يمتزج فيها لحم الضأن مع قليل من الشعيرية وهو نوع من المكرونة، لكنه مثل حبات الأرز. وهناك أيضاً طبق الحساء الذي يصنع من خلط الدقيق بالماء مع الطماطم الطبيعية أو معجونها بالإضافة إلى خلطة من الكزبرة والحبق أو الريحان والثوم والفلفل.

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وتضم مائدة الإفطار أيضاً طبق المحشي الذي يصنع من ورق العنب أو السلق والمعروف بـ«الأبراك» وطبق البوريك المحشي الذي يصنع من ورق الكرنب وطبق السلطة الخضراء التي تحضر بأنواع وطرق مختلفة من الخضراوات.

كما يحضر طبق البطاطا المقلية والمبطنة «المحشوة بالمفروم» والعساج وهو مفروم لحم البقر المخلوط مع البيض المقلي بالإضافة إلى البيتزا التي تصنع داخل البيوت في غالبيتها.

وتكون هذه أطباق السفرة الأولى، بجانب الوجبة الرئيسة التي تتكون عادة من الرز المطبوخ والمبوخ أو المكرونة المطبوخة أو المبوخة أو الكسكسي أو طاجين البامية أو البطاطا المحمرة أو طبيخة الفاصوليا أو البازيلا بالرز، لكن الطبق الرئيس المفضل الذي لن تجده إلا في مدينة درنة هو طبق الشعيرية المبوخة، حيث يتم تحضيره بنفس طريقة الكسكسي لكن لا تتقن طهيه إلا السيدة الدرناوية المعروفة بجودة طبخها وتميزه.

خبز رمضان في درنة

أما الخبز فله طقوس خاصة في رمضان بمدينة درنة، فالبعض يفضل أن يقوم بصناعته داخل البيت عبر الفرن أو التنور، وهناك من يفضل مخبزاً معيناً، حيث تكون فترة ما بعد العصر مخصصة لشراء الخبز.

ويذهب البعض بسيارتهم إلى مخابز بعيدة عن مقر سكنهم لشهرة وجودة هذه المخابز، وغالباً ما يكون الذهاب يومياً بصحبة الأطفال.

ولأن خبز التنور لا يعلى عليه وهو «ملك الخبز» في درنة، تقوم بعض السيدات بتصنيعه في شهر رمضان بكميات كبيرة لغرض بيعه، مما يحقق دخلاً جيداً لأسرهن، بل إن بعض الشباب فتحوا بعض الدكاكين لصناعة هذا الخبز بأنفسهم وسط إقبال كبير من الزبائن.

«زيادة الإقبال على خبز التنور خلال رمضان وتصنعه بكميات كبيرة»

وبعد شراء الخبز تكون الوجهة إلى أربعة أماكن عادة ما يفضلها الدراونة، وهي إما العودة للمسجد لتلاوة جزء من القرآن الكريم أو الاستماع لدرس أحد الشيوخ، حيث كان درس الشيخ محمود الديباني رحمه الله في الجامع الكبير الشهير بـ«العتيق» ودرس مسجد الصحابة الذي يلقيه الشيخ جبريل القبائلي الشهير بالطبيب الذي توفي العام الماضي من أكثر الدروس المفضلة لتميز الشيخين وحرصهما على نشر التسامح والمحبة بين الناس.

وعادة، ما تكون الخطبة باللهجة العامية البسيطة التي تجعل رسالتها تصل إلى جميع شرائح المجتمع مهما اختلف مستوى تعليمهم أو أعمارهم.

ويفضل البعض الآخر الذهاب إلى شلال درنة، مصطحبين الأطفال الذين يلعبون في البحيرة وهناك من سكان المزارع من يبيع خبزة التنور واللبن، والبعض يملأ جالوناً من ماء الشلال لاستخدامه في تحضير القهوة والشاي عند العودة إلى البيت.

وعلى جانب الطريق إلى الشلال تجد المزارعين يبيعون الفواكه التي تشتهر بها المنطقة حسب الموسم، ومن أبرزها الرمان والعنب والمشمش بالإضافة إلى عسل النحل.

«يشهد شهر رمضان هذا العام في درنة دوري خالد الزروق بنادي دارنس بمتابعة جماهيرية كبيرة لما فيه من قدامى اللاعبين»

وبينما يفضل آخرون الذهاب إلى كورنيش البحر لصيد الأسماك على وقع أثير راديو سيارتهم وتبادل الأحاديث مع الأصدقاء ورفاق البحر، يحبذ فريق رابع مشاهدة دوريات كرة القدم المصغرة، حيث العديد من الدوريات المشهورة في المدينة، وفي هذا العام يحظى دوري المرحوم «خالد الزروق» الذي يقام في نادي دارنس بمتابعة جماهيرية كبيرة لما فيه من قدامى اللاعبين المعروفين من نجوم لاعبي دارنس والأفريقي، بالإضافة إلى مشاركة الحارسين صاحبي الشعبية الكبيرة في مثل هذه الدوريات عبدالقادر الغيثي وعبدالحميد الحبوش، وعادة ما تنتهي المباريات قبل أذان المغرب بحوالي 15 دقيقة فقط.

الإفطار .. أطباق وطقوس
عند آذان المغرب يفطر أهالي درنة، في العادة، على الحليب والعصائر كقمر الدين و«الأورزاتا» وهو خليط مكون من عصير اللوز والحليب، إلى جانب القهوة والتمور والزبيب المنقوع في ماء الزهر والزلابية والمقروض ولقمة القاضي، قبل الذهاب لأداء صلاة المغرب في المسجد والعودة لتناول المائدة الرئيسة للإفطار.

«مؤاد الرحمن بساحة مسجد الصحابة تشهد إقبالا من العمالة المصرية والبنجلادشية»

وتشهد ساحة مسجد الصحابة موائد الرحمن التي يقيمها أهل الخير، ويقوم بتنظيمها متطوعو الكشافة، وشبيبة الهلال الأحمر، ويرتادها غالباً العمالة المصرية والبنجلادشية التي تعمل في المدينة.

وهناك من هذه العمالة من يحظى بدعوات لتناول وليمة الإفطار في بيوت أرباب العمل أو حتى زبائنهم أو جيرانهم وسط أجواء تعكس الترابط والعلاقة الطيبة التي تجمعهم بسكان درنة.

وبعد الإفطار، يحرص أهل درنة على مجموعة من الطقوس الاجتماعية، حيث تجتمع الأسرة على سفرة الشاي وتبادل الأحاديث وتناول الفاكهة.

«العائلات ذات الجذور الصوفية تقرأ قصائد المديح في الرسول قبل آذان العشاء»

وتقوم بعض العائلات ذات الجذور الصوفية بقراءة قصائد المديح في الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وتنتهي هذه الجلسة العائلية مع أذان العشاء، حين يغادر الرجال وحتى النساء إلى المساجد لأداء صلاة التراويح في المساجد الشهيرة، وأبرزها الجامع الكبير الشهير بـ«العتيق» ومسجد الصحابة وجامع السنوسية لما لها من ارتباط روحي وتاريخي لدى أهالي درنة.

أما بعد صلاة التراويح، فتبدأ الزيارات العائلية التي تنتهي عادة بتناول وجبة السحور، بينما ينتشر الشباب في المقاهي والأندية والمراكز الثقافية والأسواق. وتشهد المقاهي إقبالاً كبيراً من مختلف الأعمار، وبالذات عند مشاهدة مباريات كرة القدم المحلية والعالمية.

لمطالعة العدد 82 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وفي رمضان هذا العام نظم مكتب الثقافة بالمدينة نشاطاً ثقافياً بالبياصة الحمراء بوسط المدينة، حيث أقيمت الأمسيات الشعرية والقصصية وعروض لمشاهد مسرحية مختصرة وندوات ومحاضرات تثقيفية.

وفي الأسبوع الأخير من شهر رمضان تزدحم شوارع المدينة خاصة شارع الفنار الذي يعتبر أهم شوارع المدينة التجارية، حيث تخرج العائلات للتسوق وشراء حاجيات وملابس العيد لأطفالهم، فيما يشهد سوق الظلام مبيعات كبيرة للزي الوطني الليبي الذي يفضل كبار السن وبعض الشباب ارتداءه أول أيام عيد الفطر المبارك.

المزيد من بوابة الوسط