ماذا وراء انتحار شباب ليبيين.. «بوابة الوسط» تقتفي أثر «تشارلي» في البيضاء وبنغازي

ماذا وراء لغز انتحار 10 شباب بمدينة البيضاء؟ ولماذا يقدم شباب تتراوح أعمارهم بين 12 و19 عامًا على الانتحار؟

تفاوتت حوادث الانتحار من حيث المكان والزمان والأعمار، إلا أنها جميعًا وقعت خلال أقل من شهر، وبأسلوب واحد هو الانتحار شنقًا، حسب ما تكشف عنه الوفيات الست المعروفة حتى الآن، فضلاً عن الحالات الأربع التي جرى إنقاذها.

تواتر هذه الحوادث أصاب المجتمع الليبي بدهشة وهلع، وبرز السؤال: هل هي حالات فردية، أم أنها باتت ظاهرة؟ خصوصًا مع تزايد إطلاق الإشاعات والتفسيرات على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها تلك التي ربطت الحالة بلعبة «تشارلي» التي انتشرت في عديد بلدان العالم، وزعم أنها تسببت في حالات انتحار في صفوف الشباب.

عن الأسباب الغامضة، البعض أرجعها إلى حبوب الهلوسة، وهو ما نفته وزارة الصحة بالحكومة الموقتة، وآخرون قالوا إنها «لعبة تشارلي»، حتى أن وزارة الداخلية بالحكومة الموقتة وصفتها بالخطر الداهم على «الأمن القومي»، بل وقالت إن «الشباب الذين اعتادوا استعمالها تنتابهم أعراض غريبة وكوابيس وأمراض نفسية تصل حد الانتحار».

وهناك بالطبع من أشار إلى وضع البلاد وسوء الحالة النفسية في المجتمع بأسره.

«بوابة الوسط» تفتح ملف الانتحار الذي كان آخر ضحاياه اليوم السبت، شخص وجد مشنوقًا في منطقة باب بن غشير في طرابلس. ونرصد في هذا التحقيق أبعاد الظاهرة وأسبابها الحقيقية، بعيدا عن ادعاءات السحر والشعوذة، من خلال المصادر الرسمية المعنية، في قطاعات الأمن والصحة والتعليم، وحتى الإخصائيين الاجتماعين وخبراء الصحة النفسية.

البداية من البيضاء
العدد الأكبر من حالات الانتحار سجلته مدينة البيضاء بمنطقة الجبل الأخضر، حيث ذكرت وزارة الصحة بالحكومة الموقتة، أمس الجمعة، على لسان مدير إدارة الإعلام والتوثيق، معتز الطرابلسي، عن 10 حالات انتحرت شنقًا في المدينة.

داخلية الموقتة تتهم «تشارلي» وأمن البيضاء يبرؤها ويبدأ حملة ضد المشعوذين

وأوضح الطرابلسي لـ«بوابة الوسط» أن التحاليل الطبية للحالات الأربع التي نجح التدخل الطبي في إنقاذها، وكذلك تقارير الطب الشرعي للحالات الـ6 المتوفاة أثبتت عدم تعاطي أي منهم لعقار مخدر.

وأضاف أن الجهات المختصة في وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية، وهيئة الأوقاف، والشؤون الإسلامية، ووزارة التربية والتعليم، تعمل على حل لغز سلسلة حالات الانتحار التي تشهدها مدينة البيضاء.وقال: «جميع الحالات انتحرت شنقًا بحبل وهذا هو القاسم الوحيد المشترك».

لكنّ رئيس مركز الخبرة القضائية والبحوث التابع لوزارة العدل في الحكومة الموقتة الدكتور عمر الحجازي يرى «أن حالات الانتحار التي سجلت بمدينة البيضاء شرق البلاد لم ترتق إلى مستوى ظاهرة»، مشيرًا إلى أن وسائل الإعلام المختلفة «ضخمت الأمر».

وأوضح الحجازي، في تصريح إلى «بوابة الوسط»، أن من المبكر التكهن بالأسباب، مؤكدًا سعيهم في الكشف عن دوافع الانتحار لكل تلك الحالات وإعلانها قريبًا. وفي الوقت نفسه، نفى أن يكون للعبة «تشارلي» علاقة بالأمر قائلاً: «هذا كلام لا يستوعبه عاقل، وهذه اللعبة مثل غيرها من الألعاب، وما روجه البعض جعل الناس تخشى اللعبة، بل هناك منهم من صدّق أنها لها صلة بالانتحار وهو كلام غير صحيح جملة وتفصيلاً».

صحة «الموقتة» تنفي تأثير حبوب الهلوسة ومصادر طبية تكذب إشاعات طالت درنة

في غضون ذلك، نفت مصادر طبية، ومحلية متطابقة، من مدينة درنة أخبارًا متداولة بوقوع حالات انتحار بين صفوف طلاب المدارس في المدينة. وقالت المصادر لـ«بوابة الوسط» إن هذه الأخبار عارية عن الصحة جملةً وتفصيلًا، و«مجرد إشاعات»، مؤكدة أنه لم تقع أي حالات انتحار بين طلاب المدارس بالمدينة، كما لم يستقبل مستشفى الهريش أي حالات انتحار.

وأوضحت المصادر أن حالة من الرعب والذعر تسود طلاب المدارس بالمدينة، بسبب الإشاعات التي يروجها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى عدم تعامل المعلمين والمسؤولين بالمدينة بالطريقة الصحيحة مع هذا الملف.

واستغربت مصادر «بوابة الوسط» بمستشفى البيضاء السماح للأشخاص الذين نجوا من محاولات الانتحار الخروج بعد تلقي العلاج من دون علم أخصائي النفسية، فيما تباينت تعليقات الليبيين على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن كيفية مواجهة هذه الظاهرة.

وقال نصر الدين القطعاني، عبر موقع «فيسبوك»، إن «وزارة الشؤون الاجتماعية عليها أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ظاهرة الانتحار»، مضيفًا: «أعتقد أن من ضمن اختصاصاتها دراسة الشؤون الاجتماعية لأفراد المجتمع، ومن الضروري تعاون وزارة الشؤون الاجتماعية مع هيئة الأوقاف بهذا الخصوص».

وكتب محمد الزروق: «لا حول ولا قوة إلا بالله سادس حالة انتحار لسيدة في البيضاء خلال شهر واحد، ويجيك (يأتيك) واحد (أموره طيبة) يقولك (كفر بالله ونقص في الإيمان).. عدي يا ضامن جنتك شوف سبب المشكلة وين ودور دعم نفسي لكل إنسان بائس من حياته ومضطهد في أسرته ووسطه ومجتمعه ومكتئب وساكت ساكت ساكت.. إلى أن ينفجر في وجوهكم أو ينتحر لينجو من شركة وفي الأخير ستجعلونه كافرًا».

وقال الإعلامي محمد الشباح إن حالات الانتحار تعد أمرًا خطيرًا، داعيًا الجميع إلى «الالتفاف لأنفسنا وعائلاتنا، وأن نراعيهم ونستمع لهم ونشاركهم ونحتويهم»، بينما رأت الناشطة حليمة بوزيد أن الوضع يتطلب تكاثف جهود وندوات توعيه، متسائلةً: «أين أنتم يا الإخصائيين الاجتماعيين وعلماء النفس؟ أين أنتم أتبخلون على مجتمعكم بعلمكم؟ أين دوركم (في ليبيا كيف متعلم كيف جاهل) أستغفر الله العظيم».

«تشارلي».. من أحضره؟
حتى صباح اليوم السبت لم تعلن أي من الجهات الرسمية عن أسباب حالات الانتحار، وهل هي ظاهرة أم أن لكل حالة خصوصيتها، ما أعطى اجتهادات المواطنين فرصة للانتشار، على الرغم من عدم واقعية بعضها، وافتقاد بعضها الآخر للدليل.

وبرأي البعض، تعود حالات الانتحار إلى وضع البلاد وسوء نفسية المجتمع بأسره، بينما تداول آخرون روايات عن علاقة لعبة «تشارلي» الشهيرة بهذه الحالات، وهو تفسير يقترب مما تداوله فريق ثالث عن أثر محتمل للسحر والشعوذة.

واكتفى المتحدثون عن سوء نفسية المجتمع بأحاديث عامة عن الغلاء وعدم الأمن ونقص السيولة، في حين قدم من يتهمون لعبة «تشارلي» روايات عديدة تدعم وجهة نظرهم؛ الأمر الذي أدى إلى تخوف الناس من هذه اللعبة ودفع مدارس مدينة البيضاء ومحيطها لمنعها بين الطلاب، حتى أن إحدى مدارس بلدة شحات (سليمان خاطر الثانوية) قامت بطرد فصل كامل لقيام عدد من الطالبات بممارسة هذه اللعبة، وفق مصادر «الوسط».

وانتشرت لعبة «تشارلي»، التي تقوم على إمكانية استدعاء شخصية أسطورية مزعومة تدعى (تشارلي)، عبر قراءات تعويذات معينة، ثم مطالبته بتحقيق مطالب معينة، بين الشباب حول العالم من خلال مجموعة فيديوهات بثت على شبكة الإنترنت بدءًا من العام 2015.

وتتم اللعبة، عبر رسم شبكة من أربعة مربعات على قطعة من الورق مع «نعم» و«لا»، ويوضع فوقها قلم رصاص فوق الآخر في شكل صليب، ثم يطلب اللاعبون تشارلي بالحضور، فإذا تحرك القلم، تكون اللعبة قد بدأت، وذلك حسب ما أوردت الموسوعة الشعبية على الإنترنت «ويكيبيديا».

مدرسة تطرد طالبات خالفن الأوامر و لعبن «تشارلي» داخل الفصل رغم المنع

الغريب أن وزارة الداخلية بالحكومة الموقتة أعربت عن اقتناعها بهذا التفسير، وأصدرت تحذيرًا من هذه «اللعبة»، مضيفةً أن أصلها ينسب لـ«شيطان مكسيكي كما تروي الأساطير يتم استحضاره بما يدخل في نطاق الشركيات التي ينهى عنها ديننا الحنيف».

واعتبرت الوزارة اللعبة بمثابة «خطر يواجه الأمن القومي الليبي»، مضيفة أنه لوحظ من خلال الدراسات وتقصي الأمر أن الشباب وخاصة من هم في سن المراهقة الذين اعتادوا استعمال هذه اللعبة، تحدث لهم «أعراض غريبة وكوابيس وأمراض نفسية تصل إلى حد الانتحار».

وطالبت الوزارة الجهات المعنية بالتنبيه إلى مخاطر هذه الألعاب والثقافات والعادات المحرمة والغريبة على الدين الإسلامي والقيم والعادات الليبية، معتبرة في الأمر خطرًا على الأمن القومي.

أما مديرية أمن البيضاء فتبنت رؤية الفريق الأخير وبدأت في حملات مداهمة للقبض على السحرة والمشعوذين في المدينة، حيث أعلنت عن القبض على سوداني اعترف أنه يمتهن السحر والشعوذة ويتواصل مع مشعوذين آخرين من دول الجوار العربية والأفريقية، دون أن تقدم ما يدل على صلته بحوادث الانتحار.ليست ظاهرة
الناطق الرسمي باسم مديرية أمن الجبل الأخضر النقيب صلاح الدين القطعاني قال، في مداخلة هاتفية عبر إذاعة الجبل الأخضر المحلية، إن حالات الانتحار ذات طابع فردي ولم ترتق إلى مستوى «الظاهرة»، مضيفًا أن المديرية تجري اتصالات مع كافة الجهات ذات العلاقة كالمؤسسات الدينية والتعليمية لمعرفة أسباب الانتحار.

وذكر القطعاني أن لأولياء الأمور دورًا في متابعة أبنائهم ومراقبة سلوكهم وتصرفاتهم، متابعًا: «لا يخفى على أحد ما تمر به بلادنا الحبيبة من تهديدات بالغة الخطورة تحتاج إلى متابعه دقيقة من قبل أولياء الأمور لأبنائهم، حتى لا يكونوا فريسة سهلة للمخدرات أو الإرهاب أو التطرف والعلاقات المحرمة وغيرها من الظواهر السلبية التي تهدد الشباب، والتي يتم الترويج لها عبر وسائل الإعلام كالأفلام والمسلسلات والإنترنت».

إلى ذلك، قال مسؤول العلاقات العامة بمديرية أمن البيضاء محمد إدريس الخزعلي إن المديرية شكلت لجنة لمتابعة ملف حالات الانتحار المنتشرة مؤخرًا في مدينة البيضاء.
وأوضح إدريس لـ«بوابة الوسط» إنه بعد حدوث أول واقعتين جرت متابعتهما واتضح أنهما واقعتان متفرقتان، لكن بعد ارتفاع الإحصائية وبالأخص بين طلبة المدارس بدأ العمل الأمني بشكل رسمي.

وأضاف: «إن الجهات الأمنية تتابع الملف بشكل خاص حيث تواصلت مع الشؤون الاجتماعية بالحكومة الموقتة لإرسال إخصائيين اجتماعيين ومستشارين نفسيين للتواصل مع الحالتين الناجيتين من الانتحار ولمعرفة أوضاعهما النفسية والاجتماعية والاقتصادية أيضًا»، مشيرًا إلى أنه جرى التواصل أيضًا مع هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية لأن الجانب الديني والتوعوي مهم جدًا.

واستبعد إدريس أن تكون لعبة هي السبب الرئيس وراء انتشار حالات الانتحار، موضحًا أن اللجنة ستزور المدارس التي حدثت بها حالات الانتحار لتوعية الطلاب.

وأكد مسؤول العلاقات العامة بمديرية أمن البيضاء، أن جهاز المباحث العامة البيضاء يشن حملة موسعة بدأت فعليًا مساء الاثنين الماضي وتستهدف أوكار السحرة والمشعوذين في المدينة وضواحيها.

قصص وحالات
لا يتفق رئيس قسم الخدمة النفسية والاجتماعية بوزارة التعليم الدكتور خالد بومرادة مع التفسيرات المتداولة لتنامي حالات الانتحار، مؤكدًا أن السبب في كثير من الحالات «نفسي بحت».

ونفى بومرادة أن يكون للعبة تشارلي دخل بهذه الوقائع، معتبرًا الحديث عن ذلك نوعًا من الخيال. وقال إن اللعبة عادية وما يحدث فيها من تحرك للقلم ما هو إلا عملية فيزيائية باعتبار أن الرصاص مادة ممغنطة.وللتدليل على ذلك، قال: «كنا قديمًا نأخذ المشط ونخضعه لعملية احتكاك بشعر الرأس ومن ثم نقربه من ورقة، فتلتصق به، كان الناس يروها شيئًا من السحر إلا أن السبب الحقيقي كان فيزيائيًا لا أكثر».

ولفت بومرادة إلى أن «إقدام الناس على الانتحار يكون بسبب ضغوطات اجتماعية واقتصادية، أو بسبب الحرمان العاطفي».

وتابع: «إحدى الحالات المنتحرة كانت بسبب الدلال الزائد لأسرته وغالبًا كان المنتحر يود من فعله أن يتحصل على ما يريده من ذويه إلا أن القدر كان في طريقه».

رئيس قسم الخدمة النفسية بوزارة التعليم: الانتحار سببه ضغوطات اجتماعية واقتصادية أو حرمان عاطفي

وذكر أن أسر المنتحرين لا تكشف في الغالب حقيقة ما حدث وعادة ما يردون السبب إلى المس والسحر خوفًا من المشاكل الاجتماعية خاصة عندما يكون الأب صارمًا، وهو ماينطبق على حالة امرأة نجت من محاولة انتحار.

وبتقدير بومرادة إن زيادة معدل الانتحار له أسباب عديدة منها تشجع العازمين على الانتحار بتأثير المنتحرين قبلهم، وتعاطف الناس مع من يقدمون على مثل هذه الأفعال.

وأشار إلى أن مشاكل الحياة على الفرد تتراكم، ما يؤدي إلى اكتئاب نفسي، قد يدفع صاحبه إلى الانتحار دون سبق إنذار.

وذكر بومرادة أن هناك حملة توعية تستهدف الطلاب وأولياء الأمور، انطلقت مؤخرًا في 5 مدارس بالبيضاء ومدرستين بكل من شحات وسوسة وماسة، مشيرًا إلى أن هذه الحملة تهدف إلى نشر البسمة والتفاؤل بين الطلاب.