معارك من صبراتة إلى الهلال النفطي تفجر لغز «الداعشيات» التونسيات

كشفت معارك تحرير سرت وبنغازي إلى أحداث الهلال النفطي اللثام عن قضية التونسيات المنخرطات في تنظيم «داعش» وأبنائهن ثمرة الارتباط بالمسلحين في ليبيا، وتتعقد مسألة إعادتهن إلى بلدهن أكثر في ظل غياب حكومة توافقية، مما يؤجل حل لغز فقدان مئات التونسيين في ليبيا.

وشكل تأجيل زيارة وفد تونسي يمثل ست وزارات إلى العاصمة الليبية طرابلس، لتسلم أطفال تونسيين متواجدين بسجونها، صدمة وسط حقوقيين ونشطاء بالمجتمع المدني التونسي، أمام توتر الوضع الأمني في طرابلس، وللحالة النفسية الصعبة لهؤلاء الأبرياء المعتقلين.

ويكشف مصدر برلماني تونسي، رفض الكشف عن هويته، لـ«بوابة الوسط»، عن تسبب العلاقة المرتبكة بين الطرفين التونسي والليبي أخيرًا في مسألة دعم حكومة طرابلس من عدمه، في تأخر إعادة التونسيين المفقودين، وأضاف أن ضربة صبراتة في فبراير 2016 أظهرت مباشرة وجود أطفال ونساء تونسيين، أزواجهن من المنتسبين للتنظيم الإرهابي داعش، ثم ارتفع العدد بعد معركة سرت ومعارك الشرق وخاصة معركة تحرير بنغازي والهلال النفطي.

30 داعشية تونسية.. ورضع بمعتقلات ليبية
ومع «تخاذل» الحكومة التونسية في ملف المنسيين في ليبيا تستمر المعاناة، ويقدم مصطفى عبدالكبير رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان، أرقامًا تبين أن عدد النساء التونسيات يفوق 30 امرأة ينتمين للتنظيم الإرهابي «داعش»، ويتواجدن بالسجون الليبية إضافة إلى وجود عدد من الأطفال وعددهم المحدد الآن 14 طفلاً في سجن معتيقية، تتراوح أعمارهم من سنتين إلي 10 سنوات، ويسعى المرصد لإعادتهم لأنهم وجدوا في واقع لم يختاروه.

وكان أحمد بن سالم مدير مكتب الإعلام بقوة الردع الخاصة قد كشف لجمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج، وجود 20 طفلاً و13 امرأة في سجن معيتيقة. كما كشف الناشط الحقوقي مصطفى عبدالكبير في تصريح إلى «بوابة الوسط» عن لجنة تونسية مكونة من وزارتي الخارجية والداخلية ووزارة الصحة ووزارة المرأة لاسترجاعهم من المعتقلات الليبية.

وكانت وزارة الشؤون الخارجية التونسية أعلنت، بتاريخ 4 مارس 2017، عن تأجيل الزيارة التي كان من المنتظر أن يؤديها وفد يمثل ستّ وزارات إلى العاصمة الليبية طرابلس، لتسلم أطفال تونسيين متواجدين بالسجون الليبية، إلى وقت لاحق، وأوضحت أنه تم اتخاذ قرار التأجيل قصد استكمال الترتيبات اللازمة للزيارة، وتوفير الظروف الكفيلة بإنجاح مهمة الوفد.

فيما أكد وزير الشؤون الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، في تصريح سابق، أنه اتفق مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج على إرسال وفد تونسي إلى ليبيا، لبحث مسألة إمكانية تواجد أطفال تونسيين في السجون الليبية، مضيفًا أنه سيتم خلال هذه الزيارة التعرف على هؤلاء الأطفال والعمل على استرجاعهم. وفي ظل تعثر المساعي الحكومية لعدة أسباب، ينسق حقوقيون الآن مع الليبيين لاستعادة الأطفال.

وحاليًا لا وجود لأي إجراء رسمي وفعلي لإرجاع هؤلاء الأطفال حسب تأكيد رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج محمد إقبال بن رجب لـ«بوابة الوسط». ويضيف حول مصير المفقودين المحتجزين في طرابلس، أن الدولة التونسية غائبة ولا تقوم بأي محاولات للبحث عن مصير أبنائها ومواطنيها.

شجرة تخفي غابة
لكن قضية الأطفال المعتقلين «الشجرة التي تخفي الغابة»، في سياق الأرقام المتضاربة حول عدد المفقودين سواء المنخرطين بتنظيمات إرهابية أو العمال المسجونين لسبب أو لآخر، ويصنف الناشط الحقوقي التونسي عبدالكبير هؤلاء في عدة حالات، إذ عدد التونسيين في السجون الليبية مرتفع ويفوق 170 تونسيًا، أغلب التهم الموجهة إليهم باطلة وهم عمال بسطاء، أما عدد المفقودين من أبناء بلده في ليبيا إلى الآن فيبلغ حوالي 700 شخص منهم حوالي 25 تونسيًا من ضمنهم صحفيين وموظف السفارة التونسية المفقود منذ سنتين وليد الكسيسكسي.

فيما قدر عدد التونسيين المنتمين للتنظيم الإرهابي «داعش» بما يفوق 300 عنصر في سجون مجهولة في مناطق مختلفة من ليبيا، وخاصة في المنطقتين الشرقية والغربية.

وهو ما يشير إليه أيضًا بن رجب إقبال بأن عدد التونسيين المفقودين الذي اجتمع رأي أغلب المتابعين عن كثب بالوضع الليبي يصل إلى 300 تونسي، في حين يبلغ عدد المقاتلين حسب تقرير الأمم المتحدة في يوليو 2015 ما يقارب 1500 تونسي، ويعتبر أن هذا العدد تناقص بعد القصف الأميركي على ليبيا.

اتفاقيات أمنية مجمدة
ويرى مراقبون في تأخر تفعيل الاتفاقيات الأمنية بين تونس وليبيا عائقًا في إعادة المساجين على الأقل، وقال الناشط عبدالكبير إن تونس فشلت بامتياز في تفعيل اتفاقيات استرجاع المساجين مع غياب المحاكمات في ليبيا نظرًا لغياب الدولة.

واعتبر المصدر ذاته، الخارجية التونسية والحكومة عامة غائبتان تماما عن المشهد الليبي، وفقدت كل أوراقها «وتبقي مجهودات فردية كالمرصد التونسي لحقوق الإنسان الوحيد القادر على تقديم بعض الحلول للتونسيين العالقين هناك، وكل ذلك بسبب أن الحكومة التونسية الآن تواجه ضغطًا كبيرًا داخل البلاد من المعارضين، للتعامل مع حكومة فجر ليبيا أي حكومة طرابلس» وفق تعبيره.

ويتابع عبدالكبير مؤكدًا انعكاسات النزاع الليبي والقتال الداخلي الذي له تأثير مباشر على عودة المساجين، لأنهم يعتبرون ورقة ضغط تستعملها الميليشيات متي شاءت، ويذهب جراء ذلك عدد كبير من التونسيين ضحية مساومات سياسية وميليشاوية وانتهاكات في السجون وبمراكز الاختفاء القسري بليبيا.