عبق تراث ليبيا يفوح من «ملاقاة الربيع» في سوكنة

في دورته الرابعة وعلى مدى ثلاثة أيام متتالية ووسط حضور شعبي ورسمي، جرت فعاليات مهرجان «ملاقاة الربيع» الدولي السنوي بسوكنة، وتميز كعادته برسم البسمة والبهجة على وجوه الحضور، فلم تفلح حالة الاحتراب والصراع السياسي المحتدم بين الأخوة في حرمان أهالي سوكنة والمناطق المجاورة من إحياء المهرجان، الذي أقيم تحت شعار «نتحد لنعبر»، وجرت فعاليات حفله الافتتاحي أمام متحف سوكنة الأثري، وشهد الحفل تنوعًا في فقرات الشعر الشعبي، والغناء، ورقص الأطفال بالزي التقليدي (اللباس الليبي العربي)، بالإضافة إلى نغمات الفنون الشعبية.

لمطالعة العدد 70 من جريدة «الوسط» انقر هناالتمثيل الرسمي في المهرجان قامت به حكومة الوفاق الوطني من خلال وزير الحكم المحلي بداد قنصو (الجهة الراعية للمهرجان)، ورئيس وأعضاء اللجنة التسييرية للهيئة العامة للثقافة حسن أونيس، ومدراء مكاتب الثقافة من ثلاثين بلدية من الغرب والجنوب والشرق، ثم النائبين في مجلس النواب إسماعيل الشريف ومعاذ رافع، إضافة إلى المسؤولين المحليين بالجفرة والجمعيات الأهلية من مرزق وأوباري والفجيج وسبها وهون وودان وزلة والفقهاء وغيرها، ويضاف إلى ذلك أهالي سوكنة من الرجال والنساء والشباب والأطفال وهم يرتدون الزي الشعبي.

إقبال كبير
ورصدت «الوسط» لحظة بلحظة ترحيب أهالي سوكنة بضيوف المهرجان الذي شهدت أجنحته في يومها الأول إقبالاً كبيرًا من الزوار، حينما جذبتهم عروض الصناعات التقليدية والسعفيات والأزياء والحلي والعطور المنزلية والأكلات الشعبية مثل (الفتات، والزميطة بالتمر وخبز التنور والمقطع بالقديد والعصيدة بالسمن، ورب التمور والبازين وكعك وحلويات الربيع وغيرها)، إضافة إلى مختلف الأصناف من التمور والصناعات القائمة عليه مثل «الرب والخل وخميرة الخبز والقهوة العربية من النوي» إلى الأعشاب الطبية، والصناعات الجلدية للطوارق والنحت والمجسمات الخشبية، والفنون التشكيلية والرسم بقلم الرصاص واللوحات الزيتية. أضف إلى ذلك المحاضرات التثقيفية المتعلقة منها بالعادات والتقاليد والموروث الثقافي، وتاريخ وأثريات سوكنة، فضلا عن السهرات الفنية التي أحياها عدد من الفنانين بأغانيهم الشعبية المميزة وأمسيات الشعر الشعبي.

وفي إطار تعدد مناشط المهرجان أقيمت عروض عقد الخيول العربية بأوباري، الذي قدم سباقات وعروض جماعية وفردية، و«التخييم في البر» طيلة أيام فصل الربيع، مبرزة في أركان الخيمة استخدامات الأسرة الليبية مثل: «مخضع اللبن واستخراج الزبدة وصناعة السمن، وخبزة الملة (عجين الدقيق الذي يطمر تحت رماد الحطب بعد إخماد لهيب النار) وغيرها.

كذلك شهدت إحدى الساحات عروضا وسباقات للدراجات النارية، قام بها شباب من بلدية الزاوية، الذين قطعوا مسافة تزيد على ثمانمئة كلم على دراجاتهم للمشاركة في «مهرجان الربيع»، وقدموا عروضا وحركات رياضية ترفيهية نالت إعجاب شباب سوكنة.

لقاءات حصرية
وفي لقاءات أجرتها «الوسط» مع لجنة المهرجان والعارضين المشاركين والزوار جاء في المقدمة، رئيس الدورة الرابعة لمهرجان «ملاقاة الربيع» الحاج عبدالقادر محمد كركوري، الذي قال إن جميع الأخوة أعضاء اللجان المشرفة أدوا واجباتهم على أكمل وجه، ولم تحدث أية مشاكل، ومرت فعاليات المهرجان على مدى الثلاثة أيام بأمان تام.وفي ما يتعلق بما وصفه الإشاعات التي دارت حول أن منطقة الجفرة توجد بها تحركات أو ميليشيات قادمة من خارج المنطقة، قال كركوري: «هذا الكلام لا ندري عنه شيئا أبدا، ولم نر أحدا ممن يدور الحديث عنهم، والمنطقة آمنة للغاية. أدينا واجبنا على أكمل وجه، والضيوف الذين حضروا من مختلف أنحاء ليبيا، أعطوا انطباعات جميلة، ورأوا بجل أعينهم ما يجرى في منطقة الجفرة. نتمنى أن يرفعوا الحقيقة إلى من يبث الإشاعات على أنه توجد ميليشيات، فبإمكان أي شخص أن يستطلع الموقف بعينه».

وأوضح أن المهرجان ناجح بكل المقاييس، وخير دليل على ذلك الناس التي جاءت من خارج المنطقة وشاهدت فعالياته.

من جانبه قال عضو اللجنة التحضيرية والمتابعة، المعنية بتقييم «مهرجان الربيع»، فاتح محمد صالح، إن الدورة الرابعة شهدت توسعا أكثر من المشاركات في العروض بعد الحصول على الدعم المالي من وزارة الحكم المحلي، التي رعت المهرجان. وتمنى صالح أن تجري مناشط دورة المهرجان الخامسة حول أمن ليبيا، قائلا: «أتمنى أن يصبح الليبيون أخوة متحابين غير متناحرين وأن يعيش الجميع في أمن وأمان».

قلم رصاص
كان من بين الجهات أو الجمعيات الأهلية والأفراد المشاركين بأعمالهم، الرسام أحمد محمد الأمين، الذي تخرج في كلية الفنون والإعلام بطرابلس، وشارك بلوحات رسمها بالألوان الزيتية وقلم الرصاص، وقال إبان الفعاليات: «الاهتمام بجانب عروض الرسم من قبل الزوار قليل، غير إنني متفائل بأن يشهد مع الأيام القادمة إقبالاً وتطورًا أكثر».

وأضاف الأمين: «من الناحية التنظيمية كانت صورة المهرجان جيدة، وعكست انطباعًا جيدًا عن المنطقة، بيد أنه يحبذ أن يكون هناك تلاحم وتلاقٍ، ولاسيما أن الجميع يأمل بالفرح والانبساط. ولا بد من الابتعاد إزاء ذلك عن «فيروس» البغض والكراهية، لنعيش جميعا ربيعا جميلا».النحات عثمان محمد برول أحد المشاركين في المهرجان الذي ضم جناحه عديد المنحوتات الصغيرة الحجم من الخشب والأعمال الفنية اليدوية والتحف، أعرب عن دواعي شرفه بالمشاركة في مهرجان سوكنة، وأشار إلى إعجاب الزوار كافة بجناح النحت والمنحوتات المعروضة.

واعتبر المهرجان دعوة للسلام ولم الشمل في ربوع ليبيا الحبيبة، مشيرا إلى أنه لجأ مضطرا إلى بيع بعض أعماله بسبب انعدام السيولة المالية وحاجة أطفاله، مؤكدا أنه يعز عليه بيع بعض أعماله، لأن كل جهد يقوم به يأخذ جزءا من عمره كفنان.

أياد مبدعة
أما رئيسة جمعية «الأيادي المبدعة» للصناعات التقليدية بمرزق، ميلاج أحمد البكاي، فقالت إن «مشاركتنا وأهدافنا تهدف إلى نشر رؤيتنا في توارث الأجيال الآتية للموروث الثقافي الشعبي لكي لا يندثر، ولتصبح المصنوعات التقليدية من الاستخدامات النسائية في البيت مثل البخور والعطور، والصناعات السعفية مثل القفاف والقبعات والسلال والبوشية والمراوح، والمأكولات الشعبية منها القلية والعصيدة والشعير، وكثير الأشياء الأخرى التي مازالت متداولة حتى الآن في مناطق الجنوب».

وأوضحت البكاري أن مهرجان الربيع يعد فرصة جيدة «للتعريف بعملنا وإظهار الجانب الإيجابي للمرأة الليبية ربة البيت»، موجهة الشكر للجنة التحضيرية والقائمين عليها وأهالي سوكنة على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

وأشارت إلى أن الجمعية تنظم الدورات للنساء والأطفال من الإناث والذكور، ودربت 15 سيدة من ربات البيوت و10 أطفال. وأكد أن إمكانيات الجمعية ذاتية، وأنها تأسست في العام 2015.من جهتها قالت رئيسة جمعية «صانعات الأمجاد» بمنطقة «حج حجيج» بمرزق، زهرة عبدالسلام، إن هذه أول مشاركة لها في الحرف اليدوية القديمة، مشيرة إلى أنها تعمل من خلال الجمعية على تطوير تلك الحرف، وكذلك الأشغال الصوفية والتطريز اليدوي، والعمل على استقطاب ربات البيوت لتأهيلهن، وأما مديرة فرع المنظمة الليبية للسياحة والتطوير ببلدية بنت بيه بقبرعون، سالمة إبراهيم عبدالجليل، فأشارت إلى اتساع مناشط وأعمال المنظمة، ليشمل عمليات تنظيف الأماكن السياحية مثل الحدائق العامة والواحات، وإبراز الوجود من خلال المهرجانات السياحية والتراثية، وكانت لهذه المنظمة عدة مشاركات داخل وخارج ليبيا. وتعد «المشاركة في مهرجان سوكنة بالخيمة التراثية، لربط حضارتنا القديمة بالحديثة، وهذا واجب جيل ليبيا الجديد، وإبراز المورث الثقافي والتراثي، وخلق التواصل بين الماضي والحاضر».

السجاد والتدوير
وعن مشغل «صابرين» للأشغال اليدوية والسجاد بمنطقة جرمة الأثرية ببلدية الغريفة، تحدثت، عائشة إبراهيم، وقالت إن 39 طالبة تخرجت في المشغل، بينما لا تزال 18 طالبة أخرى تحت التدريب، مشيرة إلى أن مشاركتها الحالية في المهرجان هي الخامسة في معارض عدد من المدن الليبية، ويقوم المشغل بعدد ليس بالقليل من الأعمال والمناشط من بينها «السجاد والتدوير والطي والورشير والإبرة الشرقية».

وأضافت إبراهيم: «المهرجانات تعد شيئا جيدا من ناحية إبراز الأعمال والتسويق، إذ يجري العمل حاليا بصعوبة بالغة، نظرا لعدم توفر المقرات لعرض المنتجات، أما عملية تدريب الفتيات فتجرى داخل إحدى غرف المدارس في المنطقة، فضلا عن التكلفة العالية للخامات والمعدات، وبرغم هذا نعمل بلا يأس ولا كلل من أجل خلق الحياة في ظل غياب الجهات الداعمة أو المحفزة، ونأمل بأن تكون هناك جهة ما تتبنى عملية التسويق لأن هذا الإنتاج يساعد الأسرة على تحسين دخلها وخصوصا المرأة وربات البيوت بالدرجة الأولى».مديرة جمعية «أبناء الوادي» الخيرية للتراث والأصالة، ضاوية حمودة سعد، فتقول إن جمعيتها تعمل على الصناعات التقليدية السعفية مثل الأطباق والسلال والمراوح والعطور والبخور والإكسسوارات الخرزية والمواد الغذائية المجففة، وتعمل حاليا على صناعة مكملات الأثاث المكتبي مثل حافظات الأقلام وغيرها.

وأضافت: «هذه المشاركة هي الثانية في «مهرجان الربيع»، ومن أبرز الأعمال التي تعرضها هي الصناعات اليدوية للمرأة في قبرعون، لأن هذا عملها باعتبارها ملازمة للبيت، وهي تعتمد عليها كدخل مادي يساعد الأسرة في دخلها المادي، ويوجد إقبال كبير على المنتجات السعفية باعتبار منطقة قبرعون منطقة سياحية». وأبدت ضاوية إعجابها بحسن التنظيم ومستوى الترحيب من أهالي سوكنة، والذي ظهر من خلال التكاتف والتعاون والتفاهم بين الجميع.

فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان اختتمت مساء الأحد، وأقيمت في إطار مراسمها احتفالية تكريمية أمام مسرح سوكنة، شارك فيها عدد كبير من الداعمين والأفراد والجهات الرسمية والأهلية، وحصلوا على شهادات شكر وتقدير، بالإضافة إلى هدايا رمزية أخرى.
لمطالعة العدد 70 من جريدة «الوسط» انقر هنا

المزيد من بوابة الوسط