«معهد واشنطن» يحذر ترامب من تغيير السياسة الأميركية في ليبيا

رأى «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» أن الشيء الرئيسي الذي لا يمكن التنبؤ به بالنسبة لليبيا هو إذا ما كانت إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ستواصل السياسة الحالية التي تتبعها الولايات المتحدة، المتمثلة بتشجيع «مجلس النواب» وجماعات أخرى للانضمام إلى رئيس المجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق» فائز السراج مع الحفاظ على الموقف المناهض لتنظيم «داعش» ومكافحة الإرهاب.

وقال الباحث بين فيشمان في دراسة حديثة بعنوان «تحويل الدعم الدولي لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا» نشرها معهد واشنطن : «قد يبدو التمسك بـ(حكومة الوفاق الوطني) بأنه مهمة شاقة، إلا أنه قد ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية في الآونة الأخيرة: فقد وصل إنتاج النفط إلى 700,000 برميل يومياً بعد انخفاضه إلى 200,000 لمعظم عام 2016، كما وافق البنك المركزي على الإفراج عن 25 مليار دولار كميزانية إلى حكومة الوفاق الوطني من أجل الرواتب، والخدمات العامة، والمشاريع الحيوية للبنية التحتية».

استمرار المفاوضات حول حكومة الوفاق يقلل احتمالات استئناف الحرب الأهلية
وأضاف الباحث، الذي سبق له العمل ضمن طاقم «مجلس الأمن القومي» الأميركي في الفترة 2009 إلى 2013: «الأهم من ذلك هو أنه طالما تبقى المفاوضات الخاصة بـ(حكومة الوفاق الوطني) ناشطة، يتضاءل احتمال قيام الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر باستئناف الحرب مع «ميلشيات من مصراتة التي استحقت دعم الغرب من خلال مواجهتها تنظيم الدولة الإسلامية في سرت».

وحسب الدراسة نفسها، فإنه «إذا مالت الإدارة الأميركية نحو ما تفضّله موسكو والقاهرة، والمتمثل بإعادة زعيم قوي مناهض للإسلاميين في ليبيا إلى القيادة، فمن الممكن أن تُقحِم البلاد من جديد وعن غير قصد في اندلاع أعمال عنف على نطاق أوسع بين الميليشيات».

وبتقدير «معهد واشنطن»، المعروف بصلاته الوثيقة بالدوائر الإسرائيلية، فإنه «في مثل هذه الحالة، ستواجه مؤسسات ليبيا الضعيفة بالفعل المزيد من الأضرار، وقد تؤدي الفوضى الناتجة عن ذلك إلى عودة تنظيم الدولة الإسلامية بقوة من معاقله المشتبه بها في الجنوب المنفصل سياسياً وغير الخاضع للحكم إلى حد كبير».
وبنفس التقدير، توقع المعهد أن «تقوم قوات مصراتة، التي كان لها دور فعال في طرد تنظيم الدولة الإسلامية من سرت، بتغيير موقفها والوقوف في صفوف أولئك المتطرفين أنفسهم بدلاً من التنازل لحفتر وللجيش الوطني الليبي».

و قال فيشمان: «مع تولّي الإدارة الأميركية الجديدة مهامها ووسط تجديد القصف الأميركي على أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية بالقرب من سرت في 18 يناير، يتزايد انقسام الدعم الدولي لـ(حكومة الوفاق الوطني) الليبية الضعيفة أكثر فأكثر والتي تدعمها الأمم المتحدة».

وأضاف: «حدث المثال الأخير عندما زار اللواء خليفة حفتر، القائد المثير للاستقطاب لـ(الجيش الوطني الليبي) المتمركز في شرق البلاد، حاملة طائرات روسية تبحر قبالة ساحل ليبيا في 11 يناير. وقد قاد حفتر جانبا واحد من الحرب الأهلية بين عاميْ 2014-2015، التي توقفت مع التوصل إلى الاتفاق الذي شكل (حكومة الوفاق الوطني)، ولا يزال يشكل حالياً عقبة رئيسية أمام الوحدة الليبية».

وتابع: «ستتوافر فرصة أمام إدارة ترامب لبث روح جديدة لحكومة الوحدة الضعيفة. لكنها إذا تجنبت تلك الفرصة، ورضخت عوضاً عن ذلك لما تفضّله روسيا ومصر، أي مباركة حفتر كقذافي جديد، فستعمل ذلك على حساب (حكومة الوفاق الوطني)، متسببةً على الأرجح باستئناف حرب أهلية شاملة».

حكومة الوفاق تصل إلى طريق مسدود
يرى التقرير أن حكومة الوفاق الوطني تصل على الدوام إلى طريق مسدود، وخاصةً بسبب الخلافات بين السراج ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح حول تشكيلة مجلس الوزراء ودور حفتر، الذي زاد نفوذه في الآونة الأخيرة من خلال سيطرته على منطقة نفطية رئيسية بينما كانت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني تحارب تنظيم (داعش) وتعاني خسائر فادحة في سرت. ونتيجة لذلك، بقي السراج عالقاً في طرابلس مع سلطة حكم صغيرة جداً.

وتابعت الدراسة: «الآن، بعد انقضاء المهلة المحددة لحكومة الوفاق الوطني التي أمدها عاما واحدا لكي تنقل سلطتها إلى حكومة منتَخبة دستورياً، أصبحت شرعيتها المستمرة هشة. وكانت بعض العناصر من المؤتمر الوطني العام، وهو الهيئة التشريعية الموقتة التي انتهت ولايتها عند انتخاب مجلس النواب في العام 2014، قد أعلنت بالفعل عن تشكيل (حكومة إنقاذ وطني) منفصلة في الخريف الماضي. وفي 11 يناير، أعلن خليفة الغويل، الذي نصّب نفسه كرئيس وزراء تلك العناصر، أن الميليشيات المتحالفة معه قد سيطرت على عدة مبان وزارية في طرابلس، الأمر الذي سبب كارثة أخرى للمجلس الرئاسي».

ونوه فيشمان إلى أنه «في غضون ذلك، تستمر الأحوال المعيشية السيئة في جميع أنحاء البلاد بإضعاف حكومة الوفاق الوطني، من بينها الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، ونقص الوقود والعملة، والمشاكل الأمنية».

كوبلر استنزف جهود الوساطة المتواصلة
وفيما يتعلق بالأطراف الخارجية المتداخلة في الأزمة الليبية، ذكر «معهد واشنطن»: «لكل جهة من الجهات الفاعلة المعنية بالشؤون الداخلية في ليبيا جداول أعمال مختلفة، وكثيراً ما تتعارض مع بعضها البعض. وكانت الأمم المتحدة المصمم الأساسي للاتفاق السياسي الليبي، وتبقى المدافع الرئيسي عن حكومة الوفاق الوطني، عبر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والممثل الخاص مارتن كوبلر. إلا أن كوبلر استنزف جهود الوساطة المتواصلة التي قام بها لتوسيع الدعم الداخلي لحكومة الوفاق الوطني، وأن حفتر يرفض مقابلته. كما أجرت قيادة مجلس النواب محادثات عرضية مع كوبلر ومبعوثين غربيين آخرين، ولكن دون نتيجة ملحوظة».

وتابعت الدراسة: «أيّدت الجهات الفاعلة الغربية الرئيسية في ليبيا (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، وإيطاليا) أيضاً حكومة الوفاق الوطني، إذ أصدرت بيانات دعم متكررة وفرضت تجميد الأصول وحظر السفر على (المفسدين) الذين يعيقون تطبيق الاتفاق السياسي الليبي، غير أن هذه الجهات تختلف نوعاً ما بشأن حفتر: فإيطاليا وفرنسا تقترحان بأنه يجب أن يكون جزءاً من الحل السياسي، بينما تصر واشنطن ولندن على أن يخضع للإشراف المدني، الذي يرفضه».

واستطردت الدراسة: «كما كانت القوى الغربية ناشطة أيضاً على الجبهة العسكرية من خلال محاربتها تنظيم الدولة الإسلامية ومساعدة القوات الليبية الداعمة لـ(حكومة الوفاق الوطني). فبين أغسطس ونهاية ديسمبر، شنت الولايات المتحدة ما يقرب من 500 غارة جوية في سرت كجزء من عملية (برق الأوديسا)، داعمةً الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني من مصراتة، من بين قوات أخرى».

أما إيطاليا فهي، وفق فيشمان، «الجهة الفاعلة الغربية الأكثر نشاطا على الأرض نظراً لمركزها في الخطوط الأمامية. فقد أقامت مستشفى ميدانيا خلال حملة سرت ونشرت أيضاً قوات لحماية العاملين في المجال الطبي. وتشير التقارير الصحفية الإيطالية أن روما نشرت قوات خاصة لحماية السراج وحكومته. بالإضافة إلى ذلك، يشغل جنرال إيطالي منصب كبير المساعدين للشؤون الأمنية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ويعمل على تنسيق برامج لبناء قوات الأمن الليبية، على الرغم من أنه لم يتم البدء في الواقع سوى بعدد قليل جداً من جهود التدريب».

واستكمالاً، قالت الدراسة: «في وقت سابق من هذا الشهر أعادت إيطاليا أيضاً فتح سفارتها في طرابلس، وهي أول دولة تفعل ذلك منذ أن أَجبرت أعمال العنف إجلاء الممثلين الدوليين في العام 2014. وأخيراً، إن إيطاليا هي الدولة الأوروبية الأكثر نشاطاً التي تعمل لاحتواء أزمة الهجرة في جنوب البحر الأبيض المتوسط».

وأضافت: «نشرت بريطانيا قوات خاصة لدعم عمليات سرت. وفي يوليو لقت عناصر من المخابرات الفرنسية حتفها في حادث تحطم مروحية في بنغازي، الأمر الذي ولّد شكوك بأن باريس تدعم حفتر. وينشط الفرنسيون أيضاً في جنوب ليبيا، بما يتفق مع مصالحهم في منطقة الساحل».

وبالنسبة للدول المجاورة، ذكرت الدراسة أن «مصر هي الجهة الفاعلة الإقليمية الأكثر أهمية في ليبيا وقد أوضحت دعمها لحفتر وأجندته المعادية للإسلاميين. وعلى الرغم من أن الحظر المفروض من قبل الأمم المتحدة على توريد الأسلحة أصبح نافذ المفعول منذ العام 2011، يُشتبه على نطاق واسع بأن القاهرة تزوّد قوات حفتر بالدعم المادي. وفي العام 2014، انضمت الإمارات العربية المتحدة إلى العمليات التي تقوم بها مصر الموالية لحفتر، على الرغم من أن الإماراتيين خففوا تدخلهم منذ ذلك الحين، استجابةً للضغوط الأميركية وبسبب الأولويات الأقرب إلى بلادهم».

المشير حفتر هو البديل الأفضل
وتوضيحا، قالت الدراسة: «أما على الصعيد الأيديولوجي، فيرى كلا البلدين (مصر، والإمارات) أن المشير خليفة حفتر هو البديل الأفضل لما يعتبرانه الاعتماد المفرط لحكومة الوفاق الوطني على الجهات الفاعلة الإسلامية»، مضيفة: «لن يؤدي التقدم الأخير الذي أحرزته القوات المسلحة الليبية ضد الميليشيات الإسلامية في بنغازي إلا إلى تشجيع مؤيدي حفتر على منحه المزيد من المساندة السياسية والدعم المادي بالعتاد».

وحسب فيشمان: «لا تتمتع تونس بنفوذٍ كافٍ لتأدية دور ملحوظ كمحكّم بشأن المسائل الليبية على الرغم من المخاوف التي تساورها حول الإرهاب الذي يستمد جذوره من البلد المجاور. ومع ذلك، تستضيف تونس الممثلين الدوليين بينما يتعذر الدخول إلى طرابلس، كما كثيراً ما تجتمع الجهات الفاعلة الليبية هناك، معتبرة إياها مكاناً محايداً».

ووصف فيشمان انضمام الجزائر إلى جهود الوساطة بأنه «أمر غير معهود»، مشيراً إلى أنها «استضافت السراج وحفتر وصالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة عبدالرحمن السويحلي، وهو سياسي بارز من مصراتة».

وبتقدير فيشمان: «تتفق وجهات نظر الجزائر المناهضة للإسلاميين مع رؤية حفتر ومصر، لكن الجزائر تحاول أن تلعب دوراً أكثر توازناً بسبب مخاوفها من استمرار حالة عدم الاستقرار على حدودها والتنازل إلى القاهرة عن كل تأثير على ليبيا».

روسيا وملء الفراغ
لفت «معهد واشنطن» إلى أن موسكو استقبلت اللواء حفتر عدة مرات لاجتماعات رفيعة المستوى، كانت آخرها في نوفمبر، مضيفاً: «لا شك أن اللواء (الذي تمت ترقيته من قبل مجلس النواب إلى رتبة مشير) يأمل في أن تقوم روسيا بتسليح قواته وتدريبها وتساعد على إلغاء الحظر. كما أن الكرملين أوضح بشدة تفضيله لحفتر، الذي هو خريج الأكاديميات العسكرية الروسية».

وحسب الدراسة: «لم تكن جولة الأسبوع الماضي على حاملة الطائرات إلا الدليل الأخير على ذلك. لكن إذا كانت موسكو تأمل بقيادة الدعم الدولي بعيداً عن حكومة الوفاق الوطني وتوجيهه نحو حفتر، فسوف تواجه العديد من التحديات».

وأوضحت الدراسة أن هذه التحديات تشمل أن «حفتر يواجه،على الرغم من أنه قد كسب شعبيةً سياسيةً في النصف الشرقي من البلاد وأجزاء من غربها، معارضةً شديدة من قبل فصيل مصراتة، الذي من المرجح أن يخوض الحرب مجدداً لمنعه من السيطرة (على البلاد)، كما فعل هذا الفصيل في الفترة 2014-2015».

وبتقدير فيشمان، فإن «موسكو تخاطر من خلال إلقاء ثقلها الكامل وراء حفتر، بإنهاء الاتفاق الذي وضع حداً لذلك القتال»،وتشمل التحديات أيضاً أنه «من أجل تقديم الدعم العسكري العلني إلى القوات المسلحة الليبية، سيتعيّن على روسيا إحباط توافق الآراء الدولي، ويشمل ذلك الحظر المفروض من قبل مجلس الأمن والقرارات السابقة الداعمة لحكومة الوفاق الوطني».

وختمت الدراسة: «رغم أن موسكو قد أثبتت أنها على استعداد لسلوك هذا الاتجاه في سورية، فقد لا ترغب في القيام بالمجازفة نفسها في ليبيا، التي هي أقل أهمية لمصالحها الجيوسياسية. وقد تمنع الجهات الفاعلة الأوروبية أي إلغاء رسمي للحظر المفروض على توريد الأسلحة، لكن من الصعب تصوّر كيف ستواجه هذه الجهات الانتهاكات المحتملة المتعلقة بنقل الأسلحة دون مشاركة الولايات المتحدة».

المزيد من بوابة الوسط