كارنيغي: روسيا عامل تصعيد في ليبيا وتدعم عملية السلام «صوريًا»

قال المحلل السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ماتيا توالدو، إن سؤالاً بات يطرح نفسه على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول المغامرة التي «قد تقحم موسكو نفسها بها إذا ما اختارت تحمل عبء الفوضى الليبية الراهنة بتكثيف دعمها السياسي والعسكري للمشير خليفة حفتر».

حفتر وحلفاؤه وجدوا أنه لابد من إقامة شراكة مع روسيا من أجل الحد من أزمة السيولة

ويستعرض المحلل الأوروبي، في مقال نشره «مركز كارنيغي للشرق الأوسط»، الدور الروسي في ليبيا بالقول إن روسيا «التحقت خلسة، منذ صيف 2016، بالنزاع الدائر في ليبيا، بعدما كانت قد نأت بنفسها عنه في العام 2011 مع انهيار آمالها إثر عجزها عن حماية عقود بقيمة عشرة مليارات دولار كانت وقّعتها مع نظام القذافي».

كما يشير إلى عدد من المصادر التي أكدت أن مستشارين عسكريين روس يقدّمون المساعدة إلى حفتر انطلاقًا من برقة أو القاهرة، ويرى في هذه المعطيات، إلى جانب التقارير عن قيام عبد الباسط البدري «الوسيط في فريق حفتر وسفير ليبيا لدى السعودية» بطلب أسلحة صغيرة وطائرات في سبتمبر الماضي.رجل موسكو في ليبيا
وفيما يصف المقال المشير حفتر بـ «رجل موسكو في ليبيا»، فإنه يشير إلى أمثلة التعاون الروسي مع سلطة شرق ليبيا، ومنها ما حدث في مايو الماضي، عندما تولّى حاكم البنك المركزي في الشرق إدارة عملية شحن أربعة مليارات دينار ليبي (2.9 مليارَي دولار) من غوزناك، المؤسسة الرسمية لسك العملة التابعة للكرملين.

ويذكر المقال أن «حفتر وحلفاؤه وجدوا أنه لابد من إقامة شراكة مع روسيا من أجل الحد من أزمة السيولة المتفاقمة وإظهار كفاءاتهم في حكم برقة»، مضيفًا أن روسيا «تعرضت للانتقادات من الدول الغربية، غير أن هذه الأخيرة رضخت للأمر عندما أدركت أنه ليس بمقدورها وقف شحن الأموال، فتلقّفت روسيا رسالةً مفادها أن السلوك الأحادي في ليبيا لن تكون له تداعيات في الوقت الراهن».

تقديم الدعم لحفتر لن يثير غضبًا عارمًا في واشنطن نظرًا إلى أن الرئيس المنتخب ترامب يحبّذ الأنظمة المناهضة للإسلاميين

و«توطّدت» هذه العلاقة بين موسكو وشرق ليبيا، وفق المقال، خلال شهرَي يونيو ويوليو، مع توجّه حفتر أولاً ثم عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، إلى موسكو لأول مرة للقاء مسؤولين رفيعي المستوى.

ويضيف المقال: «لقد أراد حفتر إبرام صفقة سلاح مع الكرملين للحصول على أسلحة برية وجوية أكثر تطورًا من تلك التي ترسلها إليه حاليًا مصر والإمارات. في ذلك الوقت، كان السفير الروسي لدى ليبيا، إيفان مولوتوف، يصرّ على أنه لا يجوز تسليم أية أسلحة إلى ليبيا قبل قيام مجلس الأمن الدولي أولاً برفع حظر الأسلحة. بيد أن الموقف الروسي أصبح أكثر ليونة مع حفاظ معسكر حفتر على روابط مع الكرملين عن طريق البدري الذي توجّه، في أواخر سبتمبر الماضي، إلى موسكو لينقل إليها رسالة من حفتر يناشدها فيها شنّ عملية عسكرية ضد الإسلاميين في ليبيا مشابهة للعملية العسكرية في سورية، وقد صرّح بوغدانوف للصحافيين أنه سيفكّر مليًا في أي طلب تتقدّم به السلطات الليبية من أجل مشاركة روسيا في العمليات ضد الإرهابيين».

كما يشير المقال إلى زيارة أخرى في أواخر نوفمبر، قادها حفتر من جديد إلى موسكو لإقناع روسيا بالمساعدة على رفع حظر الأسلحة عن ليبيا.

دعم لن يثير غضب ترامب
ويؤكد المقال أن الدعم الروسي يُشكل لحفتر استمرارية لهذه الاستراتيجية القائمة على دعم قائد عسكري يردّد خطابًا مناسبًا عن مكافحة التشدد الإسلامي والإرهاب، وأن من شأن هذا التحالف أن يفضي إلى تعزيز الوجود الروسي في وسط البحر الأبيض المتوسط وتوسيعه، ما يتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا والقواعد الأميركية في صقلية.كما يلفت إلى أن «تقديم الدعم لحفتر لن يثير غضبًا عارمًا في واشنطن، نظرًا إلى أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب يحبّذ الأنظمة السلطوية المناهضة للإسلاميين»، مشيرًا إلى إدارة ترامب التي تضم شخصيات على غرار مستشار الأمن القومي الجديد مايكل فلين معروفين باصطفافهم إلى جانب السياسات الروسية في الشرق الأوسط ويريدون إعادة تركيز المقاربة الأميركية بهدف تقليص جهود مكافحة الإرهاب والابتعاد عن الجهود الآيلة إلى نشر الاستقرار مثل العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في ليبيا، وفق المقال.

ويرجح المقال أن بوتين لن يلجأ إلى تدخل مباشر وواسع النطاق في ليبيا، كما يفعل في سورية منذ عام ونصف العام، مضيفًا أن روسيا تعمد، تحت ستار مكافحة الإرهاب، إلى «زيادة دعمها شيئًا فشيئًا لوكلاء موثوقين على غرار حفتر والجيش المصري الذي أرسل معدّات وأسلحة لدعم قوات حفتر».

دعم يمثل عامل تصعيد
كما يرى المقال أن الدعم الروسي الواسع لحفتر قد يؤدي إلى الإطاحة بالعملية السياسية، عبر انتفاء حاجته إلى التفاوض مع حكومة الوفاق الوطني، الأمر الذي قد يعود بنتائج عكسية على الأهداف الروسية المعلَنة بالتصدّي للإرهاب.

من دون عملية سياسية ناجحة وحكومة معترَف بها في طرابلس قد تتحمّل روسيا عبء الفوضى الليبية

ويضيف أن غالب الظن أن حفتر غير قادر على نشر الاستقرار في ليبيا بكاملها، على الرغم من طموحاته، ومن شأن أي تقدّم نحو الغرب أن يُقحمه في نزاع مع العديد من المجموعات المسلّحة التي ترى فيه «تهديدًا وجوديًا»، ما قد يؤدّي إلى التصعيد أو إلى مزيد من الفوضى، وكلا الأمرين لا يساهمان في احتواء الإرهاب.

ويؤكد المقال أن روسيا تستمر حاليًا في إحاطة مخططاتها بشيء من الالتباس والغموض «فتقدّم دعمًا صوريًا لعملية السلام في ليبيا بينما تمدّ أحد أمراء الحرب بالمؤازرة». ويذكر أن واقع الحال هو أن العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة تعاني شوائبًا شديدة، لكنها جزء من إطار عمل واسع ساهم إلى حد كبير في التخفيف من حدّة النزاع.

ويشير إلى أنه بإمكان الأمم المتحدة قيادة هذه العملية في اتجاه أكثر إيجابية عبر دفع بعض السياسيين الذين دعموا سابقًا حكومة طبرق ويواجهون خطر التهميش في حال اكتسب حفتر نفوذًا واسعًا، إلى الانضمام إلى الائتلاف الداعم لحكومة الوحدة. تزامنًا مع استمرار الأوروبيون في بذل جهود لإرساء الوحدة الاقتصادية في ليبيا، بحسب ما ورد في مندرجات قمتَي لندن وروما.

ويشكك المقال في سعي روسيا إلى الاستقرار في ليبيا، ويقول «لو كانت كذلك لا يجدر بها معارضة مثل هذه الجهود من جانب الأمم المتحدة وأوروبا».

وينتهي المقال إلى أن استراتيجية مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تنجح في غياب استراتيجية لنشر الاستقرار. وأنه من دون عملية سياسية ناجحة وحكومة معترَف بها في طرابلس، قد تتحمّل روسيا عبء الفوضى الليبية فيما تجازف بتوتير علاقاتها مع إيطاليا وفرنسا اللتين يمكن أن تؤدّيا دورًا كبيرًا في الدفع نحو رفع العقوبات الأوروبية عنها.

المزيد من بوابة الوسط