مع بداية الدراسة.. «شجاعة الليبيين» تصنع الأمل

تشكل بداية العام الدراسي الجديد في ليبيا المقررة يوم الأحد 24 أكتوبر الجاري اختبارا ورسالة. الاختبار تخوضه وزارة التربية والتعليم التي أعلنت في أكثر من مناسبة إصرارها على إدارة هذا العام بالشكل الذي يلبي الطموح الوطني، ولا سيما على صعيد نبذ الكراهية وتعزيز التسامح داخل المؤسسات التعليمية.

أما الرسالة فستأتي من بين صفوف الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، ذلك أن هؤلاء جميعا يستطيعون إثبات أن الليبيين ما زالوا يملكون الأمل في غد أفضل يصنعونه بالعلم وبقدرتهم على مواجهة التحديات.

أسبوع تنشيطي لإخراج الطلاب من الآثار النفسية للصراعات الدامية

وخلال الأيام الماضية جددت وزارة التربية تأكيدها على الموعد الذي حددته لبدء العام الجديد (24 أكتوبر)، معلنة جاهزيتها لاستقبال الطلاب من جميع المراحل، كما أشارت إلى انتهائها من إعداد وطباعة الكتب الدراسية، التي سيبدأ توزيعها في جميع المناطق بدءا من الأسبوع المقبل، علما بأن تأخر وصول الكتب كان السبب الرئيسي وراء قرار الوزارة بتأجيل بدء الموسم الدراسي، وتأكيدا لجاهزيتها أعلنت الوزارة عن إطلاق أسبوع تمهيدي تنشيطي بدءا من يوم الأحد المقبل، يتم من خلاله تقديم بعض الفقرات واللقاءات التوعوية والفنية والترفيهية للطلبة من أجل الخروج بهم من الآثار النفسية والسلوكيات المترتبة عن الصراعات الدامية التي شهدتها البلاد أخيرا.

كما التقى الوزير محمد العزابي مديري الإدارات والمكاتب التابعة للوزارة، لعرض مقترح مشروع (تعليمنا عنوانه التسامح)، الذي يهدف لنبذ العنف وخطاب الكراهية وتعزيز ثقافة التسامح والألفة والمحبة داخل المؤسسات التعليمية.وفي السياق نفسه أصدرت وزارة التعليم بالحكومة الموقتة قرارا يقضي بتحديد ضوابط نقل الطلاب بين المدارس، فمنعت نقل الطلاب من مدرسة إلى أخرى أثناء الفصل الدراسي الأول، على أن يسمح بالنقل عند انتهاء الفصل الدراسي مع استثناء الحالات الطارئة التي يقدرها مكتب الامتحانات بالمنطقة التعليمية. كما منعت الوزارة، في قرار آخر، فتح الفصول الدراسية التي يقل عدد الطلاب فيها عن عشرة طلاب باستثناء المناطق النائية.

وفي تعليقها على قرب بدء العام الدراسي في ليبيا اعتبرت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أن لحظة العودة إلى المدارس في ليبيا، ستكون مناسبة لإظهار شجاعة الطلاب والمعلمين على حد سواء.

وقال تقرير لـ«بي بي سي» نشرته أخيرا عن التعليم في مناطق التوتر بالوطن العربي إن «بعض من يعيشون في سورية واليمن وليبيا لديهم شجاعة تكفي لخوض الرحلة إلى المدرسة، على أمل أن تكون حياتهم طبيعية قدر الإمكان».

وأضاف التقرير: «تعيش ليبيا حالة من الفوضى منذ إطاحة الرئيس السابق معمر القذافي العام 2011. وتراجعت نسب الالتحاق بالمدارس في البلاد بحوالي 20 % خلال العام الماضي، وهو ما يعني حرمان حوالي 150 ألف طفل من التعليم».

4 مشاكل تلاحق التعليم أبرزها غياب الخطة الوطنية

وأشار التقرير إلى «تحول الكثير من المدارس إلى ملاجئ للنازحين. لكن الآباء ما زالوا حريصين على إتاحة فرصة التعليم للأطفال، حتى في مدينة بنغازي التي دمرت بسبب الصراع، وتعطل العمل في حوالي 73 % من مدارسها».

ونقل التقرير عن طفلة تدعى ملاك تبلغ من العمر سبعة أعوام وتعيش في بنغازي قولها إن الرجوع إلى المدرسة يعني «مقابلة الأصدقاء».

وفي ظل عدم توافر إحصاء حديث عن التعليم في ليبيا قدر تقرير للمنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات صدر في أبريل الماضي عدد طلاب المرحلتين الابتدائية والإعدادية بحوالي مليون طالب وطالبة، منهم 508 آلاف (ذكور) و495 ألفا من الإناث، بينما بلغ عدد طلاب المرحلة الثانوية 223 ألفا، أغلبهم من الإناث (125 ألف طالبة)، وذلك استنادا إلى أرقام نشرت في العام 2012.

وبلغ عدد طلاب المرحلتين الابتدائية والإعدادية في العاصمة طرابلس حوالي 176 ألفا، وفي بنغازي قرابة (108 آلاف) ومصراتة (54 ألفا)، وسرت (26 ألفا) وسبها (24 ألفا)، علما بأن منطقة بدر هي أقل المناطق من حيث عدد الطلاب بإجمالي 1106 طلاب وطالبات.

ووفق الإحصائية نفسها بلغ عدد المدارس في عموم ليبيا 3296 مدرسة، منها 285 في طرابلس و210 في بنغازي و304 في الجبل الغربي و148 في الزاوية و136 في مصراتة و95 في سرت و41 في سبها و49 في بني وليد، مع ملاحظة أن منطقة تازور جاءت في نهاية الترتيب بـ6 مدارس فقط، وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها ليبيا أكدت وزارة التعليم في أكثر من مناسبة نجاحها في إدارة العملية التعليمية، خلافا لما أوردته بعض الجهات الدولية وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» عن حرمان مليوني طفل ليبي من التعليم بسبب الصراع المسلح.وقالت الوزارة في بيان صحفي نشر في أغسطس 2015 إن تقديرات إدارة شؤون التعليم الأساسي بالوزارة تشير إلى أن متوسط إجمالي عدد التلاميذ في ليبيا خلال السنوات الأربع الماضية بلغ مليونا وأربعة وعشرين ألفا وتسعمئة وخمسة وأربعين تلميذا وتلميذة، وأكدت الوزارة أنه «رغم الظروف الصعبة والاستثنائية التي عانى وما زال يعانيها قطاع التعليم في ليبيا، إلا أن جميع مدارس مراحل التعليم الأساسي والثانوي في ليبيا فتحت أبوابها لاستقبال التلاميذ طيلة السنوات الأربع ما بعد التحرير».

وأشار البيان إلى أن المدارس التي تعذر عليها استقبال التلاميذ، بسبب تضررها أو وقوعها في مناطق الاشتباكات أو شغلها من قبل نازحين، فقد تم إيجاد أماكن أخرى عوضا عنها لتمكين الطلبة من الدراسة في بعض تلك المناطق.

وحسب تقرير المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات يواجه التعليم في ليبيا الكثير من المعوقات، أبرزها أن حكومات ما بعد الثورة لم تجد خطة تعليمية محكمة تتبعها أو أساسا جيدا تقف عليه للقيام بنقلة نوعية، في حين أدى الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد إلى تكبيل جهود الوزارة الحالية من أجل وضع استراتيجية تعليمية مستقرة.

«التعليم»: الكتب الدراسية تصل جميع المناطق خلال أيام

وبعيدا عن السياسة عدد التقرير سلبيات النظام التعليمي في ليبيا، فأشار إلى عدم وجود أي خطة للعملية التعليمية تنسجم مع برنامج وطني شامل، وضعف المنهج الدراسي المعتمد على استيراد المنهج «السنغافوري» خاصة في المواد العلمية، فضلا عن تقليدية الوسائل التعليمية وتسرب الطلاب، خصوصا في المرحلتين الثانوية والجامعية، علما بأن التعليم الليبي احتل ترتيبا متدنيا وفق معايير الجودة الشاملة للمنتدى الاقتصادي العالمي العام 2013؛ حيث جاء بالمرتبة 142 من أصل 144 دولة.

وكان وزير التعليم السابق، علي عبيد، ذكر في العام 2013 أن التعليم في ليبيا يدفع ثمن أخطاء الماضي، وأبرزها التضخم الكبير في الكادر التعليمي والإداري، لافتا إلى أن «عدد موظفي الوزارة يقترب من 600 ألف موظف، وعدد المعلمين والمعلمات يقترب من 400 ألف، بينما لا تحتاج ليبيا إلى أكثر من 85 ألفا إلى 100 ألف معلم ومعلمة».

أما تقرير البرنامج الوطني لتقييم المدارس الذي أصدرته وزارة التعليم بالتعاون مع اليونيسيف في فبراير 2013، فأظهر أن نسبة الطلبة إلى المعلمين في ليبيا تصل إلى (معلم لكل 5 طلاب)، بينما يبلغ المتوسط في الدول العربية الأخرى (معلم لكل 19 طالبا)، مع ملاحظة أن هذا التضخم يقابله نقص نوعي كبير في معلمي الآداب والفنون والموسيقى والرياضيات.

وفيما يتصل بأوضاع المؤسسات التعليمية أشار التقرير نفسه إلى أن 40 % من المدارس تعرضت لأضرار متفاوتة أثناء الحرب، وأن 15 % من المدارس يضطر فيها أكثر من 90 تلميذا بين ذكور وإناث إلى استعمال مرحاض واحد مختلط. في حين أن 16% من المدارس لا يتوافر بها مواد تنظيف للأطفال لغسل الأيدي، ومدرسة من كل أربع مدارس لا يتوافر بها الماء الصالح للشرب، وأن 1.2 % فقط من المدارس لديها مراحيض تصلح لاستخدام ذوي الاحتياجات الخاصة، و40 % من المدارس غير قادرة على توفير مراحيض للمعلمين.
للاطلاع على العدد (47) من «صحيفة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)