هاني خلاف: الغرب استغل الغياب العربي وقاد الأوضاع في ليبيا

كشف السفير هاني خلاف مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق عن حقيقة ما أثير حول تعيينه مبعوثًا جديدًا للجامعة العربية خلفًا لناصر القدوة، في ظل محاولات الجامعة العربية تحريك العملية السياسية في ليبيا.

وأشار خلاف، في حوار مع «الوسط»، إلى أن أطرافًا ليبية من الشرق والغرب طرحوا اسمه لتلك المهمة، لكنّ الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط لم يصدر قرارًا رسميًا بذلك، حيث ينتظر «تغييرات معينة» في ليبيا ليتخذ القرار، فضلاً عن مراعاة التوازنات في المواقع داخل الجامعة العربية.

قدّمت رؤية تقاربية خلال عملي مبعوثًا مصريًا موقتًا العام 2011 وانتهت بكتابة التقرير

وأضاف خلاف، الذي عُين في السابق مبعوثا مصريا موقتا إلى ليبيا العام 2011، أن مبعوث الجامعة العربية السابق ناصر القدوة لم يكن مدعومًا عربيًا فضلاً عن غموض أحاط بخطته في ليبيا، معتبرًا في الوقت نفسه أن مواقف الجامعة لم تعدو حتى الآن كونها تصريحات لمسؤولين دون تحركات فعلية.وبينما طالب بضرورة إرسال مساعدات عربية إلى مناطق النازحين في ليبيا، أشار خلاف إلى أن ثمّة مجالات عديدة للجامعة العربية داخل ليبيا لم تستثمر حتى الآن، من بينها نشر مراقبين ميدانيين وتقديم مساعدات إنسانية ومفاوضين فنيين. ورداً على سؤال حول إمكانية التدخل العربي في ليبيا، قال: «القوة العربية المشتركة ليس بالضرورة قوة مقاتلة، لكنّ أجزاء منها قوة مساعدات إنسانية، وقوة مراقبة ميدانية، وقوة تفاوض فني بين الأطراف المتنازعة، وليس بالضرورة قوة مادية كجيوش وطائرات»، لافتاً إلى الدول الغربية استغلت الغياب العربي لمحاربة الإرهاب وقادت دفة الأمور في ليبيا، مستبعداً في الوقت نفسه إقدام مصر على التدخل شرق ليبيا، منوهاً بوجود حوالي نصف مليون مصري في ليبيا حالياً.

وإلى نص الحوار:
في البداية، ماذا عما أثير حول تعيينكم مبعوثًا جديدًا للجامعة العربية لدى ليبيا؟
- في البداية، من الشرف أن أتولى هذا العمل بالنظر إلى خبرتي في الشأن الليبي والجماعات الليبية في الشرق والغرب، غير أن أطرافا ليبية من الشرق والغرب طرحوا اسمي لتلك المهمة، لكنّ لم يصدر قرار رسمي من الجامعة العربية بشأن تعيين مبعوث جديد إلى ليبيا، وإن كنت أعتقد أن اختيار شخصية لتلك المهمة سيكون من جنسية أخرى غير المصرية، سواء من الجزائر أو الأردن أو السعودية، بالنظر إلى أحاديث تتردد عن تعيين مصري يخل بتوازنات المواقع داخل الجامعة العربية، في ظل المواقع التي يتقلدها مصريون داخل الجامعة.

وأعتقد أن السيد أحمد أبوالغيظ ينتظر تغيرات معينة يعلن بعدها تعيين مبعوث جديد للجامعة العربية إلى ليبيا.

وكيف تقرأ دور الجامعة العربية في ليبيا خلال السنوات الماضية؟
- الجامعة العربية كانت مسؤولة إلى حد كبير عن الفراغ الذي حدث في ليبيا العام 2011 عندما استدعت التدخل الدولي، لحماية المدنيين بعدما تحوَّل إلى «آلة لهدم البلاد والتفريق». وأسفر عن أزمات لا يزال الجميع يُعاني منها سواء من كانوا يعانون من القذافي وغيرهم من السياسيين الجدد.

القوة العربية ليس بالضرورة قوة مقاتلة.. ومواقف الجامعة لم تعدو كونها تصريحات

لكن الجامعة تقول دائماً إنها تتابع الموقف ولم تتجاهل التطورات في ليبيا؟
- مواقف الجامعة لم تعدو كونها تصريحات حتى الآن، فلم تتخذ قرارت للتعامل مع توغل تنظيم «داعش»، ولم تتحدث عن مواصفات دقيقة للإرهاب في ليبيا. كنت أفضل صدور قرار من الجامعة لتسمية المسميات بأسمائها ويضعون البدائل والحلول للأزمة المتفاقمة في البلاد.لكنّ الآن يمكن طرح بدائل جديدة في الشأن الليبي شريطة وجود أطراف عربية ميدانياً للقاء أطراف ليبية في الشرق والغرب والجنوب، ولا ينبغي للجامعة العربية أن تتخذ موقفاً مسبقاً من الأطراف الليبية، لأن الجزائر وتونس يهمها الاستقرار في الغرب أيضاً كما يهم مصر الاستقرار في الشرق ويهم السودان الاستقرار في الجنوب، فضلاً عن أن التنسيق بين دول الجوار الليبي ينبغي أن يكون حلقة دائمة ومستمرة من خلال اجتماعات بصفة منتظمة وفق آلية ثابتة ودائمة وليس في المناسبات عبر زيارات لمواقع الأحداث.

هل تؤيد تدخل قوات مشتركة في ليبيا تابعة للجامعة العربية؟
- القوة العربية المشتركة ليس بالضرورة قوة مقاتلة، لكنّ أجزاء منها قوة مساعدات إنسانية، وقوة مراقبة ميدانية، وقوة تفاوض فني بين الأطراف المتنازعة، وليس بالضرورة قوة مادية كجيوش وطائرات، هناك وجهان يجب أن تتوفر في القوة العربية المشتركة، الأول مدني والثاني عسكري وأمني، فضلاً عن الجانب التثقيفي والإعلامي والإنساني.

يوجد مجالات عديدة للجامعة العربية داخل ليبيا لم تستثمر حتى الآن، كما أستغرب جداً تخاذل الجامعة ودولها في إرسال مساعدات للنازحين، والاطلاع على أوضاعهم الصحية والعلاجية والمعيشية، واستدعاء فرق علاجية أجنبية.

لكن برأيك، لماذا لم تنجح مهمة المبعوث السابق؟
- لا توجد تقارير عن أدوار المبعوث السابق ناصر القدوة في ليبيا، غير أن وزير الخارجية في الحكومة الموقتة محمد الدايري تحدث معي عندما التقيته مؤخراً عن لافتات عابرة بشأن أداء ناصر القدوة.

في المجمل «القدوة» كان إنساناً مهذباً لكنه لم يكن مدعوما جيداً من أطراف كثيرة عربيا ولم تكن خطته واضحة بالنسبة لليبيين، فطبيعة مبعوث الجامعة العربية أن يكون مفوضا من 22 دولة عربية لوضع تصورات للحل يقدمها لأطراف الصراع ثم يبدأ التخطيط بطريقة تكتيكية زكية للمفاوضات والتحركات ويحافظ على قدر من سرية النتائج المرحلية، وأعتقد أن القدوة لم تتوفر إليه تلك المقومات.

التنسيق بين دول الجوار الليبي ينبغي أن يكون حلقة دائمة ومستمرة من خلال اجتماعات منتظمة

ثمّة ضوابط لإدارة مثل هذا العمل التوفيقي والمساعي الحميدة يمكن اللجوء إليها واستعمالها، لو لم يُقدر لي التواجد في تلك المهمة سأطرحها وقتها للشخصية الجديدة.

وماذا عن دوركم السابق في العمل الدبلوماسي بليبيا؟
- أعتقد أن جزءاً من التفكير في طرح اسمي حاليًا يرجع إلى تقدير السيد أحمد أبوالغيط لتجربتي عندما كنت سفيراً لمصر في ليبيا بطرابلس، ودوري عندما أرسلني الدكتور نبيل العربي حينما كان وزيراً للخارجية في مايو 2011 مبعوثاً موقتاً للحكومة المصريَّة إلى طرفي الصراع في ذلك الوقت، حيث ذهبت إلى بنغازي وطرابلس وتبين لي أن هناك مساحة للتفاهم بين الطرفين وفرصة لخلق نوع للمصالحة المبدئية والتنازلات والاعتذارات، وبلَّغت وقتها الدكتور نبيل العربي والحكومة المصرية بتلك التفاصيل، لكن دوري انتهى بمجرد انتهاء التقرير لأني كنت مبعوثاً موقتاً.لماذا لا تلجأ الجامعة العربية لتعيين موفدين سيدات إلى مناطق عربية؟
- أعتقد أن صراعاتنا في المنطقة العربية لا تحتمل مثل هذه الرفاهية الحضارية، حيث أزمات سياسية وأمنية محتدمة لاسيما في ظل وجود جماعات متطرفة وداعش لا يكون الأمر مقبولاً، لكن في بعض المواقع الأخرى ممكن أن تفكر الجامعة العربية في استثمار السيدات استثماراً سياسياً جيداً.

لكنّ يمكن للجامعة العربية استغلال العنصر النسائي في مناصب أخرى ليس بالضرورة دبلوماسياً، يمكن في المجالات الثقافية والفكرية والاجتماعية من خلال مثقفات وكاتبات وفنانات، على غرار تعيين الممثلة المصرية صفية العمري مبعوثة الشؤون الإنسانية في مفوضية الأم المتحدة لشؤون اللاجئين ونجحت نجاحا كبيرا في ملفي فلسطين ولبنان.

بالانتقال إلى عمق الملف الليبي، لماذا غاب الدور العربي في محاربة الإهارب داخل ليبيا؟
- الدول الغربية استغلت الغياب العربي الواضح في مهام محاربة الإرهاب بليبيا، وقامت بإدارة العمليات، وهو ما يشير إلى خلل مستغرب، فمصر فقط من تحركت عندما استهدف بعض أبنائها، لكنّ دول الأردن والإمارات والسعودية وغيرها تنتظر حتى يحدث خلل لمصالحها في ليبيا لتتحرك، ومن المفترض أن يستحضروا مسبقًا خطورة تمدد الأفكار الإرهابية والتنظيمات الراديكالية.

لكنّ البعض يتخوف من اتساع رقعة المواجهات العسكرية في المنطقة العربية؟
- الدور العربي والمواجهة والمقاومة ليست بالضرورة موجهة عسكرية، ثمة تواصل فكري مع مجموعات تدعي أنها تحمل الشعار الإسلامي عن طريق شخص لديه علم بالفقه والشريعة والتاريخ الديني والنقاش للوصول إلى نقاط اتفاق يقضي بعدم المساس بالجاليات الأجنبية والعربية والإسلامية الموجودة في ليبيا وعدم استئثار طرف بالمصالح الخاصة بالليبيين والتصدي لملف الهجرة غير الشرعية، لكن تلك الجوانب تؤثر على كافة الأطراف.

نصف مليون مصري في ليبيا حالياً.. ولا أتصور التدخل المصري لأنه يكرِّس تقسيم البلاد

هل ترى احتمالية للتدخل العسكري لمصر في الشرق الليبي؟
- لا أتصور هذا، لاسيما أن الدخول المصري من شأنه تكريس فكرة تقسيم ليبيا شرقاً وغرباً وجنوباً، فالجيش المصري يحترم سيادة البلاد الأخرى، حيث يقوم فقط بتأمين حدوده من خلال اتخاذ كافة الاحتياطات بذكاء، فيقوم بنقل إمكانيات تكنولوجية جديدة لتغطية المساحات الكبيرة التي تصل إلى 1115 كيلومتراً، خاصة تلك التي لا يتواجد فيها رجال أمن، بالإضافة إلى التغطية الأمنية لحوالي 5 أو 10 كيلومترات شرق وغرب الحدود، لكنَّ فكرة التدخل البري أو الطيران المكثف لمناصرة طرف ضد باقي الليبيين مخالف للقيم المصرية والمبادئ التي تعلنها مصر رسمياً مراراً وتكراراً.هل توجد إحصائية معيّنة لعدد المصريين في ليبيا؟
- كنت أعاني دائماً خلال عملي الدبلوماسي من قلة الإحصائيات الرسمية، لكن كان لدي وسيلة ميدانية أستطلع من خلالها الوضع والتقدير الأكثر اجتهادا ودقة، حيث توصلت إلى أن المصريين في ليبيا حوالي 900 ألف مواطن إلى مليون شخص، وليس مليونين كما تردد إعلاميًا.

ومؤخرا هاجر 350 ألف مصري بعد الأحداث الأخيرة، أصبح هناك ما لا يقل عن نصف مليون مصري في ليبيا حاليا.

ليس لدينا وسائل ميدانية واسعة تعمل استقصاء دقيق لأن الدخول والخروج أحيانا يكون دون تأشيرة بالإضافة إلى التهريب عبر البحر، فضلاً عن المواليد في ليبيا من أسر مصرية لم تعرف لهم بيانات بالسجلات المصرية خاصة في الجنوب الليبي.
للاطلاع على العدد (41) من «صحيفة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط