أجدابيا.. مسرح المعارك التي تخلف الأسئلة

في 16 من ديسمبر الماضي، قامت عناصر سلفية بالهجوم على منزل أحد العناصر البارزة فيما يعرف بـ«شورى ثوار أجدابيا» يدعى «بريك المصرية» في حي القلوز، الأمر الذي دفع الأخير وأشقائه الأربعة إلى الرد بقوة من أعلى سطح منزله على المهاجمين، وهكذا تبادل الطرفان القذائف لتنهال على الحي وسكانه، وتسجّل مدينة موقعة دامية أخرى في سجل الحروب التي فرضت على المدينة التي بدت وكأنها ضحيّة موقعها الجغرافي، فهي دائما كانت مفترق الطرق، واعتبرت تلك الاشتباكات بين مقاتلي «شورى ثوار اجدابيا» و عناصر تحسب على السلفيين صراعا أيدولوجيا بين التنظيمين الإسلاميين، وفي الوقت نفسه تحديدا أعلنت القيادة العامة للجيش عن عمليّة «العصف المأكول» لتحرير درنة من «الجماعات الإرهابية»، وتعود اجدابيا اليوم مسرحا لمعركة جديدة تبدأ بأسئلة مهمّة وتنتهي بأسئلة أهم.

استيقظ سكّان المدينة السبت الماضي، على وقع اشتباكات بين قوات من الجيش مدعومة بشباب السلفيين، كما يطلق عليهم في المدينة، وشباب الأحياء من جهة، وعناصر ما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار إجدابيا» و«سرايا الدفاع عن مدينة بنغازي» من جهة أخرى، فأعاد المشهد للأذهان البيان الذي أصدره الأخير في 3/6/2016 معلناً فيه تأسيس تشكيل مسلح تحت اسم «سرايا الدفاع عن مدينة بنغازي»، ومرجعيته دار الإفتاء، وهو التشكيل الذي تبناه المفتي السابق الصادق الغرياني بدعوة سكان بنغازي لدعمه عبر نداء موجه من خلال قناة «التواصل» المحسوبة على دار الإفتاء، وإطلاق عملية عسكرية في الوقت نفسه ضد ما يعرف بعملية «الكرامة»، التي أطلقها الفريق خليفة حفتر قائد عام الجيش في مايو 2014 ضد ما عرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي»، المتحالف مع تنظيم «أنصار الشريعة».

«سرايا الدفاع عن بنغازي» تعتبر هجوم السبت عملية «تحرير إجدابيا من عصابات حفتر الإجرامية»

وحملت أحداث السبت الماضي رسالة للتدليل على «جدية» ذلك البيان، الذي أُلحق ببيان وصفت فيه «سرايا الدفاع عن بنغازي» هجوم السبت بعملية «تحرير إجدابيا من عصابات حفتر الإجرامية» في إشارة إلى قوات الجيش، وبارك الغرياني ما اعتبره «انتصارات قوات غرفة عمليات تحرير إجدابيا ودعم ثوار بنغازي»، مطالباً إياهم بالاستمرار حتى «تحرير مدينة بنغازي»، وداعياً جميع «الثوار وأهالي بنغازي» إلى الانضمام إلى هذه السرايا وتحرير البلاد ممن وصفهم بـ«الظلمة والبغاة».

◆ الأحداث ضاعفت ارتباك المشهد بدخول قوة مسلحة جديدة إلى ميدان الصراع المسلح

جاءت هذه الأحداث لتزيد المشهد الليبي إرباكاً، بدخول قوة مسلحة جديدة إلى ميدان الصراع المسلح في البلاد، إذ إن هذه هي المرة الأولى التي يعلن فيها تشكيل مسلح، بشكل صريح ومباشر، تبعيته إلى مرجعية دينية هي دار الإفتاء، وزاد في الارتباك طبيعة المنطقة التي شهدت أول عملية لهذا التشكيل، وهي باتجاه الشرق تشكل مدخل مدينة بنغازي، أما غرباً فهي تلامس الهلال النفطي.

تضارب الأنباء حول حقيقة ما حدث في إجدابيا
وفي التفاصيل تضاربت الأنباء حول حقيقة ما حدث في إجدابيا السبت الماضي، حيث أكد الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش، العقيد أحمد المسماري، أن عناصر من تنظيم «القاعدة» مجهزين بأكثر من 50 آلية مصفحة ومدرعات حديثة، حاولوا الهجوم فجر اليوم (السبت) على مدينة إجدابيا من جهة الطريق المؤدية إلى بلدة جالو جنوب المدينة.

وقال في تصريح إلى «الوسط»، إن قوات من الكتيبة الأمنية الأولى مشاة التابعة للجيش وأهالي المدينة تصدوا للهجوم، مما أسفر عن قتيل وجريحين من أفراد الجيش وانسحاب عناصر «القاعدة» إلى الخلف، مع استمرار اشتباكات متقطعة.واتهم المسماري «بقايا أفراد تنظيم داعش» المتمركزين بالمنطقة بأنهم وراء هذا الهجوم، كما وجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى كل من آمر حرس المنشآت النفطية للمنطقة الوسطى إبراهيم الجضران وشقيقه أسامة بتحريض التنظيم على هذا الهجوم.

قوات من الجيش تصد هجوماً على مشروع النهر الصناعي
وأوردت وكالة الأنباء الليبية التابعة للحكومة الموقتة في البيضاء، أن قوات من الجيش صدت هجوماً على مشروع النهر الصناعي ( 20 كلم جنوب إجدابيا) شنته «ميليشيات ما يسمى (سرايا الدفاع عن بنغازي)، التي تتخذ من المفتي المعزول الصادق الغرياني مرجعاً» السبت، وفق الوكالة.

وربطت الوكالة «التقدم الكبير للميليشيات» بـالخطاب الأخير للمفتي السابق، الصادق الغرياني، الذي حرض فيه على التوجه إلى الحقول النفطية ومدينة بنغازي لتحريرها حسب وصفه. وكانت مجموعة مسلحة ظهرت الأسبوع الماضي في شريط مسجل تعلن تأسيس ما أطلقت عليه «سرايا الدفاع عن بنغازي، ونصرة مجلس الشورى، وغرفة ثوار إجدابيا» كما ورد في بيانها، مؤكدين أن مرجعيتهم الصادق الغرياني.

ما حدث في إجدابيا بأنه «بداية العمليات العسكرية لغرفة عمليات تحرير إجدابيا»

ونشرت ما تسمى «سرايا الدفاع عن بنغازي» إدراجات، وصفت فيها ما حدث في إجدابيا بأنه «بداية العمليات العسكرية لغرفة عمليات تحرير إجدابيا»، وأنها تمكنت من السيطرة على المنطقة الصناعية، ومقر الأمن الدالي، والبوابة الجنوبية ومعسكرات أخرى، على حد زعمها.

وكان لما حدث كما هو متوقع ردود فعل محلية ودولية، أبرزها بيان المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، الذي دان صراحة هجوم «مجلس ثوار إجدابيا» و«سرايا الدفاع عن بنغازي»، ووصف الأخيرين بـ«الميليشيا»، ودعا قوات الجيش إلى «الضرب بيد من حديد العصابات التي تسعى إلى تمكين قوات الإرهاب من الشرق الحبيب»، مضيفاً أنه «يتابع بقلق شديد تطورات الأوضاع في محيط مدينة إجدابيا المجاهدة بعد الهجوم، الذي شنته ميليشيات مارقة خارجة عن شرعية الدولة على مقار وتمركزات قواتنا من الجيش».

وزارة الدفاع بحكومة الوفاق تدين الهجوم على إجدابيا
ورأى المجلس في بيانه أن «هذه الميليشيات» جاءت لنجدة فلول الإرهابيين من تنظيم (داعش) في مدينتي إجدابيا وبنغازي، بعدما تلاشت وخرت قواهم أمام ضربات جيشنا الباسل»، وفق البيان.
ودانت وزارة الدفاع بحكومة الوفاق الهجوم على إجدابيا، وجددت في بيان نُشر بالصفحة الرسمية لوزير، الدفاع المهدي البرغثي، على «فيسبوك» دعمها ووقوفها مع «جميع قوات الجيش الليبي والقوى الوطنية المساندة له في محاربة الإرهاب في بنغازي وسرت وربوع ليبيا كافة».

كما دان المبعوث الأممي لدى ليبيا، مارتن كوبلر، من جانبه بشدة الهجوم على إجدابيا، من خلال تغريدة له في حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك).

من ناحيته قال المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، جوناثان وينر، إن الوضع في مدينة إجدابيا «يحتاج إلى مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة لمواجهة المارقين وكذلك الإرهابيين»، وفق ما غرد به عبر حسابه على موقع «تويتر» . وفي تغريدة أخرى أعرب عن قلقه من التصريحات «المزعجة» للمفتي الصادق الغرياني، مشيرا إلى تحذيرات رابطة علماء ليبيا التي انتقدت الغرياني بشأن مطالبته للمسلحين بالتوجه إلى بنغازي بعد تحرير سرت.وجاء الهجوم ليشكل إحراجاً جديداً للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني ولرئيسه شخصياً، إذ تحاشى المجلس التطرق لاسم المفتي السابق الصادق الغرياني، الذي يعد من خلال تصريحاته التي يطلقها بالخصوص الأب الروحي لـ«سرايا الدفاع عن بنغازي»، التي اعتبرها المجلس في بيانه «ميليشيا»، دون الإشارة إلى الغرياني الموجود في العاصمة طرابلس، ويحرض علناً في أكثر من مناسبة على نقل الحرب إلى مدينة بنغازي ضد «الجيش» وضد الفريق حفتر، ويبارك هجوم إجدابيا الذي دانه المجلس.

نشطاء ليبيون يطالبون بملاحقة الغرياني قانوناً باعتباره محرضاً على القتل

وطالب نشطاء ليبيون عبر مواقع التواصل الاجتماعي الليبية بملاحقة الغرياني قانوناً باعتباره محرضاً على القتل، وعلى إشعال حرب أهلية في البلاد، وفي هذا السياق أكد نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي خلال الثورة، عبدالحفيظ غوقة، أن مجموعة من الحقوقيين باشروا في جمع تصريحات ومقاطع الفيديو التي دعا فيها المفتي الصادق الغرياني «المقال من قبل مجلس النواب» للعنف والقتل لاتخاذ الإجراءات القانونية ضده.

وقال عبدالحفيظ غوقة في حديثه لقناة «ليبيا» الفضائية الأحد الماضي: «باشرنا بجمع تصريحات الغرياني وفيديوهاته التي تدعو إلى العنف والقتل لاتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وأصبح الصادق الغرياني مفتياً للدم والكراهية ومحرضاً للعنف عن طريق ذراعه العسكرية»، واعتبر غوقة أن عملية الهجوم على جنوب مدينة إجدابيا من قبل ما يسمى «ثوار إجدابيا» و«سرايا الدفاع عن بنغازي» نُفذت بأمر من الشيخ الصادق الغرياني وتستهدف مشروع بناء الدولة.لكن ما تفاصيل الأحداث التي شهدتها المدينة، بعد أربعة أشهر تقريبا من إعلان القيادة العامة للجيش الليبي رسميًا تحرير مدينة إجدابيا عقب عملية «العصف المأكول»، التي أطلقها الجيش في منتصف ديسمبر العام الماضي، ضد ما يسمى بـ«مجلس شورى ثوار إجدابيا».

ما يمكن الخروج به مما حدث–ظاهريا- على الأقل هو أن المجلس بقيادة شخص اسمه الساعدي بوخزيم النوفلي عاد في محاولة للسيطرة على المناطق التي كان يتخذها معقل له، في الكيلو الـ60 و الـ18 والقنان والحي الصناعي، بالتنسيق مع تنظيم جديد ذي صلة على ما يبدو بالمفتي السّابق الصّادق الغرياني سمّي «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وأظهرت لقطات (فيديو) تم بثّها على صفحات التواصل الاجتماعي سيّارات عناصر «مجلس شورى ثوار إجدابيا» وهم يرفعون علمهم فوق مبانٍ قرب شركة النهر جنوب إجدابيا، كما أظهرت الصور التى حملت شعارات المجلس سيارات عسكرية مسلحة، قيل إنها غنائم.

تكوين غرفة عمليات لـ«تحرير إجدابيا»، بقيادة شخص اسمه الساعدي النوفلي

وأفصح قيادي في «شورى ثوار إجدابيا» في تصريح إلى "الوسط» عن تكوين غرفة عمليات لـ«تحرير إجدابيا»، بقيادة شخص إسمه الساعدي النوفلي، تشكلت الشهر الماضي من مجموعة وصفها بـ«الثوار المهجّرين» بعد أن ألحقوا بتنظيم «داعش» و«دعوشت دماؤهم» على حد تعبيره.

وقال القيادي الذي طلب عدم ذكر اسمه إن الغرفة شكلت من ثلاث سرايا، إحداها بقيادة فرج شكو، ومجموعة مرعي العرفي الملقب (بنزينه)، ومجموعة أحمد التاجوري، ويبلغ عدد منتسبيها 470 عنصرًا، 140 منهم من إجدابيا، و250 عنصرًا من بنغازي، و80 عنصرًا من مدينة درنة، مؤكدًا أن هدفهم ردع ما وصفوه بـ«العملية الانقلابية» التي يقودها الفريق حفتر.
لكنّ هذا القيادي لم يتحدّث عن دور "سرايا الدفاع عن بنغازي" التي اعتبرت فيا بياناتها ما حدث بأنه عمليّة "تحرير اجدابيا"، وبهذه التسمية باركها الصادق الغرياني.

إلى أين ستؤدي معركة سرت

على الجانب الميداني أثار وصول مسلحي ما يعرف بـ«شورى ثوار إجدابيا»، و«سرايا الدفاع عن بنغازي» إلى أطراف المدينة بسهولة مع رتل يتكون من أكثر من 40 آلية عسكرية، غموضاً وتساؤلات لدى متتبعي المشهد، على رأسها أي المسارات التي سلكتها هذه القوة إذا كانت قدمت من الجفرة، وكيف اجتازت خمس بلدات هي سوكنة وهون ودان وزلة والفقهاء المفترض أن تتواجد فيها قوة الجيش المكلفة من قبل القيادة العامة للجيش تحرير «سرت الكبرى»، كما أعلن في وقت سابق.

وكانت هذه القوة اشتبكت بالفعل أوائل مايو الماضي مع «بقايا الدروع الهاربة من بنغازي»، وفق تصريح الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش، العقيد أحمد المسماري، وهؤلاء هم أنفسهم مَن شاركوا في الهجوم على إجدابيا، لكن من هم هؤلاء؟ هل هم عناصر شورى مجاهدي إجدابيا، واتخذوا إسم "سرايا الدّفاع عن بنغازي" أم هم الإثنين معا؟ أم هم عناصر "داعش" الذين إنسحبوا من مدينة درنة فجأة في أبريل الماضي؟

الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً.. وهو:
ماذا بعد هذا الهجوم الذي يقول منفذوه إنهم سيطروا على عدد من المناطق الحيوية في المدينة، وإنهم عازمون على المضي نحو «تحرير إجدابيا» المدينة، التي تفصلها عن بنغازي مسافة 160 كيلومتراً؟.
وقبل ذلك أيضا ماذا بعد معركة سرت، أي ماذا لو هزم "داعش" وأستعيدت المدينة ؟ ما هي التداعيات السيّاسيّة لكلّ ذلك، وإلى أين ستقود نتائجها السّيّاسيّة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هيى الإجابة عن السؤال الأكبر : إلى أين تسير ليبيا؟.

المزيد من بوابة الوسط