حسابات عرقية وراء تفاقم الأزمة السياسية في بلجيكا

تواجه الدولة البلجيكية مجددًا أزمة ثقة مستفحلة وخطيرة وباتت تأخذ أبعادًا غير مسبوقة في الآونة الأخيرة بعد أن دخل التشكيك الرسمي في أدائها إلى أعلى أجهزة القضاء في البلاد، وهو أمر غير متعارف عليه من قبل.

وبعد الاضطراب القوي الذي هز أركان المؤسسات البلجيكية بفعل الثغرات الخطيرة المسجلة في أداء الأجهزة الأمنية في البلاد، وضيق بصيرة مَن يقفون وراء اتخاذ القرار السياسي إبان هجمات الثلاثاء الدامي في 22 مارس، فإن استمرار حالة التسيب في قطاعات حيوية أخرى يثير انتقادات وتشكيكًا في ماهية الدولة نفسها.

وتسبب التقصير في إدارة أزمة الإرهاب في بلجيكا في تداعيات سياسية بالدرجة الأولى، ولكن أيضًا اقتصادية واجتماعية خطيرة وتراجع أداء النشاط الاقتصادي بشكل واضح وخطير وإفلاس عدد من المؤسسات وتسريح العديد من المستخدمين.

ولكن يتضح أن محاولات التقصير والثغرات في الإدارة تطال هذه المرة مجالات أخرى بجانب القطاع الأمني، وتحديدًا قطاع العدل وقطاع القضاء.

ووجه أول قاضٍ في محكمة النقض البلجيكية، وهي أعلى هيئة قضائية في البلاد، القاضي جون ديكوجت، ضربة قوية للدولة البلجيكية بوصفه إياها يوم الاثنين 16 مايو بأنها دولة «بلطجية».

وأثار هذا التصريح غير المتعارف عليه من قبل هيئة قضائية «ملزمة بالحياد» تقليديًّا ردود فعل واسعة في البلاد، واعتبره المراقبون بمثابة بداية تمرد على الحكومة الحالية وضد وزير العدل، كون ، على وجه التحديد، وفي وقت كشفت فيه إدارة أزمة السجون المتواصلة منذ ثلاثة أسابيع تباعًا في بلجيكا خللاً هيكليًّا واضحًا في إدارة السياسيين البلجيكيين مسائل حيوية أمنية واجتماعية وعدم استخلاص الدروس من الأزمات السابقة.

وفي موقف مشابه أعلن القاضي الشهير جان فرنسوا يونكرهير، القاضي الشرفي في محكمة مونس (جنوب البلاد) دعمه الصريح لموقف رئيس محكمة النقض جان ديكوجت.

ويتهم القضاة البلجيكيون الحكومة الحالية بأنها وراء تدمير آخر ما تبقى من هياكل الدولة وأسسها، التي قام ببنائها البلجيكيون طوال العقود الأخيرة.

وتوجَّه الاتهامات بشكل صريح للحزب القومي الفلمنكي (إن في آي) الذي يتزعمه الزعيم القومي بارت ديوفر، الذي يتقاسم السلطة حاليًّا مع الحزب الليبرالي الفرانكفوني بقيادة رئيس الوزراء شارل ميشيل.

وينتمي وزير الداخلية يان يامبون إلى الحزب القومي الفلمنكي، وتوجه إليه أصابع الاتهام، وإلى غيره من السياسيين الفلمنكيين، بالتغافل عمدًا عن حالات التسيب في أجهزة الدولة لتشجيع النعرات الانفصالية على المدى المتوسط والبعيد.

واعتبر رئيس محكمة النقض البلجيكية أن السياسة الحالية للحكومة الليبرالية التي تركز على الحد من النفقات في قطاعات حساسة مثل قطاع العدل تلحق ضربات موجعة على سير الأجهزة القضائية وتحد من دور الدولة ونفوذها وتجعل صلاحيتها منعدمة، مما يدفع القضاة أنفسهم إلى التمرد على القانون.

وقال إن الدولة البلجيكية لم تعد دولة قانون وإنما دولة «بلطجية».

وأكد أن أبجديات حقوق الإنسان في التعامل مع الجانب القضائي باتت مهددة بسبب التخفيضات الحادة في النفقات وأنه لم يعد بالإمكان القيام بقضاء عادل ونزيه في البلاد.

وتمثل هذه التصريحات جانبًا لما تتعرض له الحكومة الحالية من انتقادات في البلاد، حيث دعت النقابات والمنظمات العمالية إلى يوم احتجاجي ضخم مجددًا يوم 30 مايو الجاري للتنديد بالتدابير التقشفية المعلنة والحد من النفقات في القطاع العام ومراجعة نظام التقاعد والحد من الأجور والتقشف على حساب الخدمات الأساسية للمواطنين.

وقالت القاضية مانوالا كاديلي، رئيسة جمعية القضاة البلجيكيين، وهي النقابة الرئيسة لأعضاء السلك القضائي في بلجيكا، إن الحكومة تريد بوضوح جعل وزارة العدل آلية خرق القضائية الفعلية للدولة وتجاوز المحاكم والدستور.

كما أعلن النائبان الفرانكفونيان في محكمة بروكسل، ليك هينارت وميشيل كلاز، أنهما يدعمان رئيس محكمة النقض في انتقاداته للحكومة. أما بول مارتنيس الرئيس السابق للمحكمة الدستورية، والقاضية فرنسوازا تولكمينس من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فقد وصفا خطة وزير العدل كون بإصلاح النظام الجنائي في البلاد «بأنه تراجع حضاري»، مما يعكس غليانًا كبيرًا في جهاز القضاء بعد حالات التمرد في أجهزة الأمن وداخل النقابات العمالية.

وقال السياسي المخضرم، ديديه غوزوان، أحد الوجوه الأكثر تأثيرًا في بروكسل العاصمة، إن الدولة تتهاوى من كل جانب، وأوضح يوم الثلاثاء 17 مايو أن مجمل إدارة الشأن العام تسير نحو الأسوأ وأن حالات المرافق العامة والطرقات والسجون وغيرها تدفع على القلق.

وأشار السياسي الفرانكفوني إلى أن كل «ذلك يصب في مصلحة الأحزاب القومية الفلمنكية التي توهم الناس بأن الأمور تسير بشكل جيد، ولكنها تعمل على تدمير الدولة من الداخل».

وقال إن الدولة الاتحادية يجب أن تقام على قطاعات الأمن والعدالة والضريبة، وليس على تفكيك كيانها لصالح إنشاء كيانات جديدة مستقلة.

أما النائب جورج دالماني، وهو عضو أيضا في لجنة التحقيق في هجمات بروكسل وأحد الوجوه السياسية الفاعلة في البلاد، خاصة بين النواب، فإنه شدد على أن القوى الفلمنكية تسعى بوضوح للسيطرة على أجهزة الدولة الرئيسة من العدل إلى الدفاع إلى الاستخبارات.

وقال إنه يشعر بقلق بالغ بسبب سيطرة الفلمنكيين على المناصب الحيوية، وإن البعض منهم لا يتردد في الدعوة إلى نهاية بلجيكا ككيان موحد.

وأشار جورج دالماني، في حديث إلى مجلة (باري- ماتش) في عددها الأخير، إن 11 منصبًا من المناصب الـ13 الحيوية في مجال الأمن العام توجد تحت قبضة فلمنكية وإنه تُجرى محاولة واضحة لإضفاء الطابع الفلمنكي على مرافق الدولة.

ويخشى المراقبون أن تؤثر هذه المشادات في سير الأداء العام للدولة وتنمي بؤر التوتر الطائفي بما لا يخدم ضروريات الانتعاش الاقتصادي وعودة الثقة للمتعاملين وهو أهم ما تحتاج إليه بلجيكا حاليًّا.

 

نقلاً عن جريدة «الوسط»، العدد السادس والعشرون. اضغط هنا (PDF)

 

 

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط