أرمينيا وأذربيجان.. نيران متبادلة ومشهد معقد

بين عشية وضحاها، ارتفعت درجة التوتر بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم «ناجورنو كاراباخ» إلى حد الغليان، وأبت سنوات الهدنة أن تستمر لتندلع العمليات العسكرية بين الدولتين مخلفة أعدادًا من القتلى والجرحى في سيناريو لم يكن يتوقعه أحد ليشتعل الوضع في جنوب القوقاز من جديد.

استهداف المدنيين
فقد أعلن الجيش الأرميني صباح اليوم الأحد مقتل 200 جندي أذري وتحطيم دبابتين وطائرتين دون طيار، متهمًا في الوقت ذاته الجيش الأذري بقصف المناطق السكنية واستهداف المدنيين، واعترف الرئيس الأرميني، سيرج سركيسيان، في بيان بثه التلفزيون أن 18 فردًا من قوات الجيش الأرميني قتلوا خلال الاشتباكات.

جيش أذربيجان: قوات أرمينية أطلقت قذائف هاون على مناطق سكنية قريبة من خط التماس

في الوقت ذاته كذًّبت الرواية الرسمية لجيش أذربيجان هذا البيان، وأعلنت وزارة الدفاع مقتل مواطن أذري جراء إطلاق قوات أرمينية قذائف هاون على مناطق سكنية قريبة من خط التماس، وأوضحت الوزارة أن القوات الأرمينية هي التي خرقت نظام وقف إطلاق النار 127 مرة على مختلف محاور خط التماس، مضيفة أن قوات أرمينيا استخدمت راجمات القنابل والرشاشات الثقيلة، وأعلنت الوزارة تدمير ست دبابات ونحو 15 موقعًا للمدفعية ومنشآت هندسية معززة لوحدات القوات المسلحة الأرمينية، وأسقطت أكثر من 100 عسكري أرميني ما بين قتلى وجرحى.

وجاء في بيان وزارة الدفاع الأذرية أن مواقع للجيش تعرضت طوال ليلة الثاني من أبريل لضربات نارية كثيفة، أطلقتها القوات الأرمينية باستخدام الرشاشات وقاذفات الهاون والقنابل والمدافع، إضافة إلى تعرض عدة مناطق سكنية للقصف، وعلى ذلك قرر الجيش اتخاذ «تدابير فورية» لمنع القوات الأرمينية من توسيع نطاق نشاطها العسكرية.

تبادل المسؤولية
ويحمّل كل طرف الآخر مسؤولية بدء القتال، وذكر كلا الجانبين أيضًا أن مدنيين سقطوا ضحايا للقصف داخل أراضيه واتهم كل منهما الآخر بانتهاك وقف إطلاق النار، حيث تعد اشتباكات أمس السبت هي الأعنف منذ أربعة أشهر، ففي مطلع العام 2016 كان هناك تصعيد مستمر بين القوات الأرمينية والأذربيجانية حول إقليم كراباخ الجبلي، وتجددت المناوشات في الرابع من ديسمبر 2015، عندما شنت أذربيجان هجومًا استهدفت مواقع للأرمن على طول «خط التماس» في الإقليم المتنازع عليه خلَّف أكثر من عشرة قتلى من الجانبين.

ويعود تاريخ المواجهات حول إقليم ناجورنو كاراباخ إلى العام 1988 عندما أعلن الإقليم ذو الغالبية الأرمينية الاستقلال عن أذربيجان والانضمام إلى أرمينيا، وفي العام 1991، أُسِست جمهورية ناجورنو كاراباخ. وحاولت أذربيجان استعادة السيطرة على أراضيها.

وفي العام 1992 أعلن الإقليم استقلاله وتصاعد الصراع إلى حرب واسعة النطاق قتل فيها نحو 30 ألف شخص من الطرفين، ولجأ الطرفان إلى مجلس الأمن الذي أصدر أربعة قرارات تطالب القوات الأرمينية بسحب قواتها من ناجورنو كاراباخ والمناطق المحيطة بها، لكنها جميعًا لم تنفذ وسط تجدد المخاوف من توسع رقعة الحرب في جنوب القوقاز التي تمتد فيها خطوط أنابيب النفط والغاز.

تعقيد المشهد
ومما زاد من تعقد المشهد بين الجارتين حتى مع محاولات الحل السلمي تارة والعسكري تارة أخرى طيلة أكثر من 20 عامًا، هو رؤية كل طرف من الأطراف لوضع إقليم ناجور نوكارباخ من حيث التبعية والولاء.

أذربيجان: القوات الأرمينية بسطت نفوذها على إقليم ناجورنو كاراباخ داخل الأراضي الأذرية عقب نزاع مسلح نشب في العام 1988

فأذربيجان تقول إن القوات الأرمينية بسطت نفوذها على إقليم ناجورنو كاراباخ داخل الأراضي الأذرية عقب نزاع مسلح نشب في العام 1988م، إضافة إلى السيطرة على المحافظات السبع الأذرية الأخرى المجاورة له، مما أدى إلى تشريد أكثر من مليون أذري. وتوصل الجانبان في إطار مجموعة مينسك، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار العام 1994م إلى أن تبنى مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات تدعو أرمينيا إلى سحب قواتها من أراضي أذربيجان، لكن أرمينيا لم تمتثل لها حتى اللحظة.

أما أرمينيا والتي تستخدم الكلمة الأرمينية لاسم الإقليم «ارتساخ»، فتقول إن السكان الأرمن في الإقليم، وهم الغالبية، لهم حق تقرير المصير. وتعتمد عليهم أرمينيا في القتال المسلح على إقليم ناجورنو كاراباخ وأنهم يحملون جوازات سفر أرمينية، ليبقى الصراع على المنطقة دون حل، مخلفًا مئات الآلاف من النازحين يعيشون في ظروف سيئة ويقدر العدد الإجمالي للأرمن الذين تركوا منازلهم في أذربيجان نحو 300 ألف نسمة أعيد توطينهم في الإقليم، في حين يقدر العدد الإجمالي للأذريين نحو مليون شخص ينزحون في مناطق الصراع الممتدة على طول الحدود، ويتخذ الصراع في كثير من الأحيان الصبغة الطائفية بين أذريين مسلمين وأرمن مسيحيين رغم أنه في العنوان الأبرز منه سياسي لا أكثر.

تسوية مقبولة
في الوقت ذاته، لا يوجد إجماع في الجانب الأذري أو الأرميني حول تسوية مقبولة، فبعض الأطراف في الدولتين يرى أن النزاع الإقليمي لا يمكن حله إلا بالقوة العسكرية ولا حديث جديًا حول منح الإقليم الحكم الذاتي والاعتراف به كدولة وليدة.

القصف المتجدد بين الجارتين وساطة دولية من القوى الإقليمية في محاولة لوقف النيران في جنوب القوقاز

واسم ناغورنو قره باغ هو مزيج من الكلمة الروسية ناجورنو، وتعني «الجبلية»، وكلمة كاراباخ أو قره باغ ومعناها بالتركية الحديقة السوداء. لكن المصادر الأرمينية تستخدم الاسم التاريخي للمنطقة «آرتساخ»، وتعني «الغابات القوية».

واستدعى القصف المتجدد بين الجارتين وساطة دولية من القوى الإقليمية في محاولة لوقف النيران في جنوب القوقاز، حيث دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأطراف المتحاربة لوقف فوري لإطلاق النار وضبط النفس، وذلك لتجنب وقوع خسائر بشرية جديدة.

وقال بولاد بلبولجيو السفير الأذري في روسيا إن بلاده على استعداد لحل سلمي والتفاوض على إقليم ناجورنو كارباخ، مشيرًا إلى أن محاولات التوصل إلى حل سلمي لهذا الصراع استمر لمدة 22 عامًا. ولكن إذا لم يكن حلها سلميًا فسوف نلجأ إلى القوة العسكرية على حد قوله.

تقديم العزاء
كما أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالاً بنظيره الأذري، إلهام علييف، لتقديم العزاء في وفاة أفراد الجيش خلال المواجهات وأعرب الرئيس التركي عن دعمه وتضامنه مع أذربيجان، كما أعرب وزير الدفاع التركي، عصمت يلماز، دعمه الكامل لباكو، كما دانت وزارة الخارجية التركية الهجوم الأرمني وطالبت بتحقيق شروط وقف إطلاق النار.

وأعرب الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، عن أسفه للمعارك الدائرة، داعيًا البلدين إلى أكبر قدر من ضبط النفس والالتزام فورًا وبشكل دائم وشامل بوقف لإطلاق النار، وقال هولاند إن المعارك التي اندلعت هي الأكثر خطورة والأكثر دموية منذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في العام 1994.

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يزور أرمينيا وأذربيجان وجورجيا نهاية الشهر الجاري

على الجانب الآخر، أعلنت وزارة الدفاع الأرمينية أنها تجرى اتصالات مكثفة مع المنظمات الدولية والملحقين العسكريين والدبلوماسيين المعتمدين لديها لإيضاح الصورة كاملة بشأن النزاع حول إقليم ناجورنو كارباخ، كما أعلنت أن قوات الدفاع التابعة للإقليم والموالية لأرمينيا تتصدى لما سمته هجمات أذربيجان على خط التماس.

توترات جنوب القوقاز
ومن المقرر أن يزور الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أرمينيا وأذربيجان وجورجيا نهاية الشهر الجاري، لكن وفقًا لمصادر متعددة لم يتم تحديد ما إذا كانت الزيارة متعلقة بالتوترات الأخيرة في جنوب القوقاز أم لا.

والقلق الدولي إزاء الاشتباكات الأخيرة جاء نتيجة طبيعية لما يخلفه العنف بين الجارتين من ضحايا وجرحى يتزايد عامًا بعد عام، فمنذ العام 2013، تضاعف معدل الإصابات (لكل من الجنود والمدنيين) ثلاث مرات تقريبًا وبلغ إجمالي عدد الوفيات الناجمة عن هذه الاشتباكات 19 جنديًا العام 2013، ارتفع في العام 2014، إلى 64 جندياً وثمانية مدنيين فقدوا حياتهم، وهو ما يمثل أعلى مستوى من الوفيات خلال أكثر من 20 عامًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار، أما في العام 2015، فقد تم تسجيل ما لا يقل عن 56 حالة وفاة بين قوات الجيش وثلاث وفيات بين المدنيين على الطرفين.

المزيد من بوابة الوسط