ريما خلف .. التي قالت الحقيقة في تقرير «الأسكوا» وفي خطاب الاستقالة

بتقرير لم تحتمل الأمم المتحدة تداعياته فحذفته سريعاً من وثائقها، وضعت الوزيرة الأردنية السابقة ريما خلف اسمها في قائمة الذين قالوا «لا» لازدواجية المعايير في الأمم المتحدة، ثم زادت على ذلك ، فسجلت بخطاب استقالتها من منصبها كمديرة تنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الاسكوا» ، بصمة خاصة سيصعب على من لاحقوها بالاتهامات خلال الأيام الماضية محوها، على الرغم مما يملكوه من نفوذ و«متنفذين».

التقرير، لم يأت بجديد ، إذ أنه كشف عن ممارسات إسرائيل المعروفة بحق الشعب الفلسطيني ، منتهياً إلي أن دولة الاحتلال تمارس سياسة فصل عنصري «أباراتيد » كالذي كان متبعاً في جنوب إفريقيا قبل التسعينيات ، وهو قول تؤكده الممارسات الإسرائيلية المستمرة حتى الآن، وظلت الأمم المتحدة تتبناه لأكثر من 15 عاماً ، من خلال قرارها الشهير 3379 الصادر في العام 1975، باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.

لا أستغرب أن تلجأ دول « تديرها اليوم حكومات قليلة الاكتراث بالقيم الدولية وحقوق الإنسان، إلى أساليب التخويف والتهديد

خطاب استقالة ريما خلف جاء نقديا وحادا ، واجهت به إصرار الأمين العام للأمم المتحدة على حذف التقرير، إذ قالت لا أستغرب أن تلجأ دول « تديرها اليوم حكومات قليلة الاكتراث بالقيم الدولية وحقوق الإنسان، إلى أساليب التخويف والتهديد حين تعجز عن الدفاع عن سياساتها وممارساتها المنتهكة للقانون».

وأضافت «وبديهي أن يهاجم المجرم من يدافعون عن قضايا ضحاياه. لكنني أجد نفسي غير قابلة للخضوع إلى هذه الضغوط». وقالت للأمين العام: «وجهت لي تعليمات بسحب تقريرين أصدرتهما الإسكوا، لا لشوائبَ تعيب المضمون ولا بالضرورة لأنك تختلف مع هذا المضمون، بل بسبب الضغوطات السياسية لدول مسؤولة عن انتهاكات صارخة لحقوق شعوب المنطقة ولحقوق الإنسان عموماً».

وفيما يلي نص خطاب الاستقالة:
«حضرة الأمين العام، لقد فكرت مليا في الرسالة التي بعثتها لي من خلال مديرة ديوانك. وأؤكد أنني لم أشكك للحظة في حقك بإصدار تعليماتك بسحب التقرير من موقع الإسكوا الالكتروني، كما لم أشكك في أن علينا جميعا كموظفين لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة أن ننفذ تعليمات أمينها العام. وأنا أعرف على وجه اليقين التزامك بمبادئ حقوق الإنسان عامة وموقفك إزاء حقوق الشعب الفلسطيني خاصة. وأنا أتفهم كذلك القلق الذي ينتابك بسبب هذه الأيام الصعبة والتي لا تترك لك خيارات كثيرة.

وليس خافياً علي ما تتعرض له الأمم المتحدة، وما تتعرض له أنت شخصياً، من ضغوط وتهديدات على يد دول من ذوات السطوة والنفوذ، بسبب إصدار تقرير الإسكوا (الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الأبارتايد). وأنا لا أستغرب أن تلجأ هذه الدول، التي تديرها اليوم حكومات قليلة الاكتراث بالقيم الدولية وحقوق الإنسان، إلى أساليب التخويف والتهديد حين تعجز عن الدفاع عن سياساتها وممارساتها المنتهكة للقانون. وبديهي أن يهاجم المجرم من يدافعون عن قضايا ضحاياه.

لكنني أجد نفسي غير قابلة للخضوع إلى هذه الضغوط. لا بصفتي موظفةً دوليةً، بل بصفتي إنساناً سوياً فحسب، أؤمن –شأني في ذلك شأنك-بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية التي طالما شكلت قوى الخير في التاريخ، والتي أُسست عليها منظمتنا هذه، الأمم المتحدة. وأؤمن مثلك أيضاً بأن التمييز ضد أي إنسان على أساس الدين أو لون البشرة أو الجنس أو العرق أمر غير مقبول، ولا يمكن أن يصبح مقبولاً بفعل الحسابات السياسية أو سلطان القوة. وأؤمن أن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقاً للناس فحسب، بل هو واجب عليهم.

في فترة لا تتجاوز الشهرين، وجهت لي تعليمات بسحب تقريرين أصدرتهما الإسكوا، لا لشوائبَ تعيب المضمون ولا بالضرورة لأنك تختلف مع هذا المضمون، بل بسبب الضغوطات السياسية لدول مسؤولة عن انتهاكات صارخة لحقوق شعوب المنطقة ولحقوق الإنسان عموماً.

لا يسعني إلا أن أؤكد على إصراري على استنتاجات تقرير الإسكوا القائلة بأن إسرائيل قد أسست نظام فصل عنصري، أبارتايد

لقد رأيتَ رأي العين كيف أن أهل هذه المنطقة يمرون بمرحلة من المعاناة والألم غير مسبوقة في تاريخهم الحديث؛ وإن طوفان الكوارث الذي يعمهم اليوم لم يكن إلا نتيجة لسيل من المظالم، تم التغاضي عنها، أو التغطية عليها، أو المساهمة المعلنة فيها من قبل حكومات ذات هيمنة وتجبر، من المنطقة ومن خارجها. إن هذه الحكومات ذاتها هي التي تضغط عليك اليوم لتكتم صوت الحق والدعوة للعدل الماثلة في هذا التقرير.
واضعةً في الاعتبار كل ما سبق، لا يسعني إلا أن أؤكد على إصراري على استنتاجات تقرير الإسكوا القائلة بأن إسرائيل قد أسست نظام فصل عنصري، أبارتايد، يهدف إلى تسلط جماعة عرقية على أخرى.

إن الأدلة التي يقدمها التقرير قاطعة، وتكفيني هنا الإشارة إلى أن أياً ممن هاجموا التقرير لم يمسوا محتواه بكلمة واحدة. وإني أرى واجبي أن أسلط الضوء على الحقيقة لا أن أتستر عليها وأكتم الشهادة والدليل. والحقيقة المؤلمة هي أن نظام فصل عنصري، أبارتايد، ما زال قائما في القرن الحادي والعشرين، وهذا أمر لا يمكن قبوله في أي قانون، ولا أن يبرر أخلاقياً بأي شكل من الأشكال.

وإنني في قولي هذا لا أدعي لنفسي أخلاقاً أسمى من أخلاقك أو نظرا أثقب من نظرك، غاية الأمر أن موقفي هذا قد يكون نتيجة لعمر كامل قضيته هنا، في هذه المنطقة، شاهدة على العواقب الوخيمة لكبت الناس ومنعهم من التعبير عن مظالمهم بالوسائل السلمية.

وعليه، وبعد إمعان النظر في الأمر، أدركت أنني أنا أيضاً لا خيار لي. أنا لا أستطيع أن أسحب، مرة أخرى، تقريراً للأمم المتحدة، ممتازَ البحثِ والتوثيقِ، عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. غير أنني أدرك أيضاً، أن التعليمات الواضحة للأمين العام للأمم المتحدة لا بد من أن تنفذ. ولذلك، فإن هذه العقدة لا تحل إلا بأن أتنحى جانباً وأترك لغيري أن يقوم بما يمنعني ضميري من القيام به. وإنني أدرك أنه لم يبق لي في الخدمة غير أسبوعين، لذلك فاستقالتي هذه لا تهدف إلى الضغط السياسي عليك. إنما أستقيل، ببساطة، لأنني أرى أن واجبي تجاه الشعوب التي نعمل لها، وتجاه الأمم المتحدة، وتجاه نفسي، ألا أكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة تسبب كل هذه المعاناة لكل هذه الأعداد من البشر».

فقرات من تقرير «الأسكوا» المحذوف
وتألف التقرير ،الذي تنشر «بوابة الوسط» فقرات منه بعد ان حذف من موقع »الأسكوا»، من 744 صفحة، إضافة إلى ملحقين. أما خلاصته، التي أعلنتها ريما خلف من بيروت، يوم الأربعاء الماضي ( 16 مارس)، فقالت إن «إسرائيل أقامت نظام فصل عنصري تجاه الشعب الفلسطيني بأكمله، يقوم على تفتيت هذا الشعب سياسيًا وجغرافيًا، وعلى قمع الفلسطينيين حيثما وجدوا».

«بوابة الوسط» تنشر فقرات من تقرير «الاسكوا» الذي سحبته الأمم المتحدة بضغوط أميركية

وأكد التقرير، الذي يحمل عنوان «الممارسات الإسرائيلية نحو الشعب الفلسطيني ونظام الفصل العنصري»، أن إسرائيل أسست نظام أبارتيد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأجمعه، وأن الوقائع والأدلة تثبت بما لا يدع للشك مجالا أن إسرائيل بسياساتها وممارساتها مذنبة بارتكاب جريمة الفصل العنصري كما تعرفها مواد القانون الدولي.

وذكر التقرير أنه «رغم أن مصطلح الأبارتيد ارتبط في الأصل بحالة محددة هي حالة جنوب أفريقيا، فإنه أصبح يُطلق على نوع من أنواع الجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يُعرّف الأبارتيد (جريمة الفصل العنصري) بأنه :أية أفعال لا إنسانية ترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وتُرتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام».

ويؤكد التقرير أن «قصد» الهيمنة العرقية يبدو ظاهرا في عدد من القوانين والممارسات الإسرائيلية، بل يبدو النظام الإسرائيلي مصمما لهذا الغرض بشكل جليّ في مجموعة القوانين الإسرائيلية، وخاصة مبدأ الدولة اليهودية، وهو ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود الغرض والمقصد.

الهندسة الديمغرافية تمثل أحد المجالات التي تخدم سياسات إسرائيل في الحفاظ عليها دولة يهودية

ويقدم التقرير بعض الأمثلة منها سياسة الأراضي، فالقانون الأساسي (ما يشبه الدستور) الإسرائيلي ينص على أنه لا يجوز بأي شكل من الأشكال نقل الأراضي التي تحتفظ بها دولة إسرائيل أو هيئة التطوير الإسرائيلية أو الصندوق القومي اليهودي، مما يضع إدارة هذه الأراضي تحت سلطة هذه المؤسسات بصورة دائمة، وتدير سلطة أراضي إسرائيل أراضي الدولة، التي تمثل 93% من الأراضي ضمن حدود إسرائيل المعترف بها دوليا، وهي، قانوناً، مُحرّم استخدامها أو تطويرها أو امتلاكها على غير اليهود، وهذه القوانين تجسّد مفهوم "الغرض العام" كما يرد في القانون الأساسي الإسرائيلي.

وقال التقرير :«رغم أنه يمكن تغيير هذه القوانين بالتصويت في الكنيست، فإن القانون الأساسي ينص على أنه يحظر على أي حزب سياسي الطعن في ذلك الغرض العام. هكذا يجعل القانون الإسرائيلي معارضة الهيمنة العرقية غير قانونية فعلا».

وأضاف التقرير أن الهندسة الديمغرافية تمثل أحد المجالات التي تخدم سياسات إسرائيل في الحفاظ عليها دولة يهودية. وأشهر قانون في هذا الصدد هو قانون العودة الذي يمنح اليهودي أيا كان بلده الأصلي حق دخول إسرائيل والحصول على جنسيتها، في حين يُحجب عن الفلسطينيين أي حق مماثل بصرف النظر عما يحملونه من وثائق وإثباتات.

منذ 1967 يعيش الشعب الفلسطيني في 4 «فضاءات»، يُعامل فيها معاملة مختلفة في الظاهر، لكنه يتشارك اضطهادا عنصرياً في ظل «الأبارتيد»

وأوضح التقرير أنه منذ عام 1967، يعيش الشعب الفلسطيني في أربعة «فضاءات»، يُعامل فيها السكان الفلسطينيون معاملة مختلفة في الظاهر، لكنهم يتشاركون في الواقع اضطهادا عنصرياً في ظل نظام الأبارتيد.
وذكر التقرير أن «هذه الفضاءات هي القانون المدني - المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون مواطنين في إسرائيل، وقانون الإقامة الدائمة المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في مدينة القدس، والقانون العسكري المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون منذ عام 1967 في ظل الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة، ومنهم من يعيشون في مخيّمات اللجوء، والفضاء الأخير تمثله السياسة التي تمنع عودة الفلسطينيين، سواء كانوا لاجئين أم منفيين يعيشون خارج المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل».

و استناداً إلي التقرير ، دعا فلسطينيون ومنظمات دولية إلى عزل إسرائيل .وقالت الخارجية الفلسطينية ( الخميس) إن التقرير يدق ناقوس الخطر، مضيفة أنه «يجب أن يقود إلى صحوة في المجتمع الإسرائيلي للضغط على حكومته لوقف احتلالها واستيطانها وممارساتها العنصرية، قبل أن يغرق المجتمع الإسرائيلي نفسه في نظام الفصل العنصري».