أردوغان.. 3 مخاطر تهدد مستقبل «الفتى الشجاع»!

تطبيقاً للحكمة القائلة: «إذا هبت رياحك فاغتنمها»، يواصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، توظيف تداعيات الانقلاب العسكري الفاشل الذي استهدف حكمه منتصف يوليو الماضي، من أجل رسم قواعد جديدة للعبة السياسية الداخلية، تكون فيها الكلمة العليا لمؤسسة الرئاسة وليس للجيش والأحزاب وجماعات المصالح.

قفز على التحديات
وفي محاولة للقفز على التحديات التي تواجهه، زار أردوغان روسيا الثلاثاء بهدف إعادة العلاقات بينهما إلى سابق عهدها، معتبرًا أن الجانبين يمتلكان الإرادة اللازمة لتطوير تلك العلاقات، بعدما حاول ابتزاز السلطات الأميركية ومهاجمة البيت الأبيض أكثر من مرة لتسليم فتح الله جولن، كان آخرها عندما قال إن الإعدام مسموح به في الولايات المتحدة الأمريكية، فلماذا لا يكون هناك حكم الإعدام في تركيا؟.

ومنذ تصدي الشعب التركي للانقلاب، شهدت البلاد حملة عنيفة ضد الذين شاركوا فيه أو أيدوه، إذ تم اعتقال آلاف العسكريين وإقصاء أعداد كبيرة من القضاة والموظفين والإعلاميين، مع إغلاق مئات المؤسسات، التعليمية والإعلامية، المشتبه بها، بداعي صلتها بالانقلابيين.

أردوغان يسارع إلى اتخاذ مجموعة إجراءات لإخضاع المؤسسة العسكرية لسلطته المباشرة

في الوقت نفسه، سارع أردوغان إلى اتخاذ مجموعة إجراءات لإخضاع المؤسسة العسكرية لسلطته المباشرة، فيما أعلن حزبه «العدالة والتنمية» بداية التحرك لإدخال تعديلات مهمة على دستور البلاد المطبق منذ العام 1980.

ومع أن الأنباء الواردة من أنقرة، تشير إلى أن «الفتى الشجاع»، وهذا هو معنى اسم أردوغان بالعربية، يتصرف كقبطان جريء عارف بوجهته وواثق–في الوقت ذاته–من بلوغها، إلا أن نظرة أخرى لتفاصيل المشهد تكشف مخاطر كثيرة تتشكل ببطء، لكن بكثافة وفي اتجاهات متعددة، أهمها القلق المتنامي داخل النخب التركية تجاه سيطرة روح الانتقام على التعامل الحكومي مع الانقلابيين مع نزوع أردوغان للهيمنة على العصب المركزي لنظام الحكم، والتوتر المتزايد في العلاقات الأميركية–التركية على خلفية أعقد من التطورات اليومية.

تأثيرات محتملة
ويزيد من التأثيرات المحتملة لهذه العوامل أن أردوغان نفسه يقع–في زخم احتفالاته بالقضاء على الانقلابيين–في تناقضات سياسية قد تقوده لصدامات مستقبلية مع قوى محلية ودولية مؤثرة، تضم–فضلاً عن أنصار غريمه فتح الله غولن المنتشرين في المؤسسات التعليمية والخدمية–أحزاب المعارضة والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية والقوى الغربية، لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتتجلى تناقضات الرئيس التركي في عديد المواقف، فهو–مثلاً–يدافع عن إجراءاته المتشددة ضد الانقلابيين برغبته في حماية مبادئ الجمهورية، كما وضعها المؤسس مصطفى كمال أتاتورك، رغم أن تاريخه الشخصي حافل بالمواقف المعادية لميراث أتاتورك، كما أن توجهاته الأيديولوجية المعلنة تقوم على معاداة العلمانية، خصوصاً ما يتعلق منها بعلاقة الدين بالسياسة.

الرئيس التركي أظهر منذ صباه رفضه توجهات الحكم في تركيا وهو ما دفعه إلى تشكيل مجموعة أحزاب إسلامية

ومعروف أن أردوغان، القادم من أسرة رقيقة الحال تقيم في أفقر أحياء اسطنبول، قد أظهر منذ صباه رفضه توجهات الحكم في تركيا، وكان ذلك دافعه للمشاركة في عضوية، ثم تأسيس، مجموعة أحزاب إسلامية كان مصيرها جميعاً الحل بداعي تهديدها النظام الجمهوري في البلاد.

اليوم، يحفل خطاب أردوغان ضد الانقلابيين بكثير من المفردات التي استخدمها قاراداي في نهاية التسعينات، غير أنه يعمل على إكسابها بعداً أخلاقياً يتمثل في ربطها بالإرادة الشعبية التي أعطت لحزبه الأغلبية البرلمانية في 4 انتخابات متتالية، ثم اختارته هو شخصياً في العام 2014 ليكون أول رئيس منتخب للبلاد بشكل مباشر، بالتزامن مع سعيه المتكرر لإظهار التزامه بـ «مبادئ أتاتورك»، وذلك على نحو ما ظهر في قوله بعد فشل الانقلاب: «سنتبع سياسة واضحة ونشطة من أجل الوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك لإقامة المجتمع المتحضر والمعاصر في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99% من مواطني تركيا».

مزاوجة فريدة
وتعبر هذه المزاوجة الفريدة، وفق بعض المحللين عن ذكاء أردوغان الراغب في الحفاظ على قاعدته الشعبية من جهة، دون الدخول في صدام مع القوى الاقتصادية والاجتماعية القلقة من أي تغيير جذري قد يحدث باسم الهوية في أسس الحياة داخل تركيا من الجهة الثانية، فيما يرى آخرون أنها تعبر عن واقعية سياسية تميز بها أردوغان بعد تأسيسه حزب «العدالة والتنمية» قبل 15 عاماً وجعلته أكثر براغماتية، لكن أصحاب هذا التحليل يرون أن براغماتية من هذا النوع قد تفقد الإسلاميين الأتراك على المدى البعيد هويتهم الأيديولوجية، فضلاً عن أنها قد تفقد حلفائهم في بلدان أخرى كمصر وليبيا وسورية أساس قوتهم الأيديولوجية.

موحد الأمة.. هل يفرقها؟
على غير المتوقع، اجتمعت الأحزاب التركية على دعم أردوغان في مواجهة الانقلابيين وكان ذلك من بين الأسباب الرئيسة وراء انتصاره المؤزر في ليلة 15 يوليو، لكن الرجل، ورغم تثمينه لهذا الموقف وتأكيده على أن «ليلة الخامس عشر من يوليو وحدت الأتراك بكل أطيافهم»، لم يسمع لنصائح هذه الأحزاب وهو يتخذ قراراته المتتالية، الأمر الذي يمهد لعودة حالة الاستقطاب السياسي التي كانت سائدة قبل الانقلاب، خاصة مع اتجاه الرئيس لإجراء «تعديلات دستورية»، تمنحه سلطات واسعة.

القيادة التركية سعت إلى استغلال أجواء ما بعد الانقلاب لتمرير رغبتها في تعديل الدستور رغم صعوبة الخطوة

سعت القيادة التركية لاستغلال أجواء ما بعد الانقلاب لتمرير رغبتها في تعديل الدستور، لكن عملياً، لا يتوقع لهذا التوجه أن يمضي بالسلاسة المرجوة من قبل الحزب الحاكم، خصوصاً في ظل تغيير محتمل في مواقف الرأي العام المحلي بتأثير المعلومات الجديدة التي ذكرها وزير الطاقة بيرات البيرق عن خفايا الانقلاب الفاشل وتضمنت أنه كان رد فعل من جانب أنصار غولن على مخطط حكومي لتطهير الجيش منهم، وهو ما كان أردوغان قد عززه حين سارع إلى تحميل غولن، حليفه السابق، المسؤولية عن الانقلاب. وقد رد غولن، المقيم بالولايات المتحدة، على هذه الاتهامات بتصريحات عاطفية، حمل فيها على أردوغان باعتباره المخطط الحقيقي للانقلاب.

انتقادات متصاعدة
و يبدو أن عامل الوقت لا يلعب في صالح الرئيس التركي، إذ تشهد العواصم الغربية انتقادات متصاعدة لحملته ضد خصومه، وهو أمر من شأنه أن يؤثر سلباً على مساعي تركيا–المتعثرة أصلاً–للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ويزيد من صعوبة موقف أردوغان، الانتقادات الحادة التي وجهتها منظمات حقوقية محلية ودولية في مقدمتها «العفو الدولية» للانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان والاتجاه المعلن لإعادة العمل بعقوبة الإعدام، ناهيك عن التعامل غير الإنساني مع الخصوم، بما في ذلك الموتى الذين عوملوا باحتقار ودُفن بعضهم في مقبرة جماعية سُميت «مقبرة الخونة».

التحالف مع أميركا
كما هاجم أردوغان الولايات المتحدة واتهم قائد قواتها بالشرق الأوسط، جوزيف فوتيل، بالانحياز للانقلابيين بعد انتقاد الأخير لعمليات التطهير التي تمت داخل الجيش التركي، بدعوى أنها تؤثر على الجهود المشتركة في محاربة تنظيم «داعش». لكن واشنطن نفت أي علاقة لها بمحاولة الانقلاب، مؤكدة أن أي تلميح إلى ضلوعها في هذه المحاولة «خاطئ بالكامل». وحسب الناطق باسم الرئاسة الأميركية، إريك شولتز، فإن الرئيس باراك أوباما يعتبر أردوغان «حليفاً قريباً»، مضيفاً: «نحن نتعاون معاً في العديد من القضايا الدولية»، بما في ذلك الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. أما فوتيل فأكد أن الاتهامات التي وجهها إليه أردوغان لا أساس لها من الصحة.

أنقرة تصر على تغليب مصالحها الخاصة على أهداف التحالف الدولي ضد «داعش» خاصة في سورية

أما وزير الخارجية، جون كيري، فأبلغ نظيره التركي بأن الادعاءات بتورط واشنطن في الانقلاب الفاشل تضر بالعلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.

إصرار أنقرة
وفي محاولة لتفسير هذا التلاسن، أكدت مصادر غربية أن توتراً بين البلدين بشأن الصراعات القائمة في الشرق الأوسط، يقف في خلفية هذا المشهد الغريب على العلاقة التي تجمعهما، مضيفة أن الدور التركي في سورية بات موضوعاً لنقاش أميركي–روسي متكرر، بسبب إصرار أنقرة على تغليب مصالحها الخاصة على أهداف التحالف الدولي ضد «داعش».

وكان تقرير لـ «معهد واشنطن» نشر في فبراير 2015، أشار إلى تغيير سلبي أصاب العلاقة بين البلدين، نتيجة سعي حكومة أردوغان للاستقلال النسبي عن السياسة الأميركية. وجاء بهذا التقرير أن الأزمة السورية وضعت العلاقات الأميركية–التركية تحت ضغط هائل، ناتج عن الأولويات المختلفة لدى الدولتين.

ففي حين تريد أنقرة إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد باعتباره خطراً محدقاً عند حدودها، حدّت واشنطن أهدافها بمحاربة تنظيم «داعش».

نفس المعنى، أكده المحلل التركي، مراد يتكين، عندما ذكر في تحليل نشرته صحيفة «راديكال» خلال الشهر نفسه أن العلاقات السياسية تتصف بالتوتر على المدى الطويل، وكأنها تشير إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة في العلاقات بين البلدين، أو أنها ستستمر بالتوتر ولكن بشكل أسوأ من ذي قبل. وتابع : «في الحقيقة، مصدر هذا التوتر في العلاقات بين البلدين هو الاختلاف الجذري في المواقف؛ حيال قضية سورية ومصر وإسرائيل، والقضايا الدورية مثل الإسلاموفوبيا أو الموقف من المنظمات الإرهابية المتطرفة، ناهيك عن تطور علاقات تركيا مع روسيا في الآونة الأخيرة، وموقف تركيا من الأزمة الأوكرانية، التي تختلف تماماً عن مواقف دول حلف نيتو».

القيادة الأميركية تخشى من انفراد أردوغان بالسلطة، واتجاهه للتضيق على قادة المعارضة داخل البلاد

مزيد من الديمقراطية
أما بعد فشل الانقلاب، فكشفت جريدة «واشنطن بوست»، أن القيادة الأميركية تخشى من انفراد أردوغان بالسلطة، واتجاهه للتضيق على قادة المعارضة داخل البلاد، وبحسب أحد المسؤولين الكبار في البيت الأبيض فإنه لا يتوقع المزيد من الديمقراطية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة تلك، ويضيف أن العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة ستزداد تعقيداً.

في الوقت نفسه توقعت صحيفة «نيويورك تايمز» أن تتراجع الحريات أكثر، مشيرة إلى أن أردوغان سيستغل الأزمة ليسحق المتآمرين من الجنود والمعارضين من اليسار، مستشهدين بأقوال أردوغان «سيدفعون الثمن الغالي»، وأن «هذه المحاولة هي منحة إلهية؛ لأنها ستساعدنا على تطهير الجيش».

وقد عبرت واشنطن بالفعل عن مخاوفها من تأثير حملة التطهير على الأداء التركي في الحرب على «داعش»، حيث ذكر مدير المخابرات الأميركية جيش كلابر أن هذه الحملة أثرت على كل ركائز أجهزة الأمن الوطني في تركيا»، وأضاف أن «الكثير من الذين كنا نتعامل معهم تم استبعادهم أو اعتقالهم»، وإنه «ما من شك في أن ذلك سيحدث انتكاسة، ويجعل التعاون أكثر صعوبة مع الأتراك»، وهو ما ردت عليه الخارجية التركية بالتأكيد على أن الجيش التركي «سيُصبح معتمداً ونظيفاً وفعالاً بشكل أكبر في الحرب «ضد» داعش.

على أن الخلاف بين البلدين لا يتوقف على هذا الجانب، إذ رأى باحث صيني متخصص في الشأن التركي أن العلاقة بين واشنطن وأنقرة ماضية لطريق مسدود بسبب التوجهات الإسلامية لأردوغان.

المزيد من بوابة الوسط