2/1 الفنان محمود جبريل الحاسي
« سمحة بكَل يا بابا» هكذا هتفت، طفلة الشهيد عبد السلام المسماري، التي تقف بجواره وهو يتأمل لوحة من لوحات الفنان محمود الحاسي، والتي لم تتجاوز خمس سنوات مأخوذة بلوحة من لوحاته، ويتصادف أن هذه اللوحة تزين غرفة من غرف أطفالي!
منذ أن جاء إلى بيتي، ذات عشية، الفنان محمود الحاسي رفقة الراحل العزيز خليفة الفاخري، وما أن احتسينا قهاوي تلك العشية، وتحدثنا عن الحال والأحوال، حتى أحسست أنه إنسان خلوق، دفئه ينساب بهدوء مريح، ويصبح كأنك تعرفه من زمن بعيد. كنت أعرف أنه فنان تشكيلي، وشاهدت لوحاته وأخذتني ببساطتها وألوانها، وأحسست وكأنها رسوم أطفال بألوان تبهر العين ويأسرك انسيابها وجمالها. أكثر من ذلك لم أعرف عنها شيئا، لعل ذلك كان في النصف الثاني من ثمانيات القرن الماضي.
إنه يرسم بعفوية مطلقة، مضيفا عليها تقنيته العالية، في تعامله مع الألوان
كنت عائلتي حينها تجهز في غرفة لأطفالي، ولا أدري من علق نسخة لوحة الطفل الباكي للفنان الإيطالي «جيوفاني براغولين» والتي انتشرت في البيوت الليبية بصورة مزعجة للغاية، ولم اكن راض عنها، وهي التي
أصبحت موضوع حديثنا تلك الزيارة. في اليوم التالي جاءني خليفه الفاخري بلوحة طفولية رائعة وأفادني أنها هدية من محمود! إنها بالصدفة تلك اللوحة «السمحة» التي بهرت ابنة الخمس سنوات. وأصبحتُ ومحمود الحاسي صديقين. يوم 20/11/2000 أعد له خليفة الفاخري نصا لمطوية، معرضا من معارضة تقول:
« يقول بيكاسو : لفقد أنفقتُ سنين طويلة لأتعلم الرسم مثل (رفائيللي وديفينشي) لكنني أنفقت سنوات أطول لأرسم مثلما يفعل الأطفال. ذلك أن الرسم بتلقائية وبداهية بالنسبة للفنان المحترف أمر زلق وبالغ الصعوبة. لكنما الفنان محمود الحاسي قد مكنته موهبته الإبداعية، وعمله الشاق المتصل، في مرسمه، من الاقتراب كثيرا مما يعنيه بيكاسو. إنه يرسم بعفوية مطلقة،مضيفا عليها تقنيته العالية، في تعامله مع الألوان، مرصعا إياها بأفكاره الإنسانية، ورؤاه، مما يجعل من اللوحة، في نهاية المطاف، عملا خلاقا يثير كوامن النفس إلى حد الدهشة».
لم يتوقف إبداع الفنان محمود الحاسي منذ بداياته المبكرة، وفي تقديري أنه انجز أكثر 500 عمل، ولقد حاولت أن أنتقى منها، ولكنني عجزت فجميعها تأسرني وتفرض انتقائها، ولكن بعد جهد وجدت أن ما انتقيته منها يحتاج إلى حلقتين، ولقد حاولت بحسب متابعتي لمسيرته تقسيمها إلى مرحلتين. اللوحات التالية هي ما اعتقد أنها مرحلته الأولي. أما المرحلة الثانية فهي موضوعنا للحلقة القادمة.
تعليقات