الهادي البكوش يكتب: الدراما التلفزيونة.. سلاح الغد الناعم

الهادي البكوش (أرشيفية)

الدراما هي السلاح المستقبلي البديل في الصراع السياسي، حيث لا يمكن استبعاد الفن عن السياسة، ولا يمكن فصلهما عن بعض وخصوصا بعد تطور وسائل الاتصال والثورة التقنية الهائلة، التي من خلالها تستطيع أن تجسد بها كصورة ما لا تستطيع أن تعبر عنه بالرسائل المقروءة واستغلال النص الدرامي الذي يتيح له الجانب المهني لصناعة الدراما في أن تبعث برسائل لا تستطيع السياسة إرسالها نظرا لأن في العمل الدرامي نستطيع إضافة أو استبعاد أي موقف في السيناريو الذي لا يخدم التسلسل الدرامي وخلق المفاجأة والإثارة وتقديم الرسالة المطلوبة، حيث يحق لكاتب الدراما أن يتجاهل أحداثا تاريخية حقيقية ويقوم باستبدالها بمواقف لم تحدث في تلك المرحلة ليدعم بها مسار العمل الدرامي لغرض إرسال رسائل معينة أو للتشويق والإثارة في حين لا تستطيع الرسائل السياسية أن تستبدل مواقف لم تحدث بأخرى، وهذا ما نراه الآن من صراع سياسي يحل محله بديل آخر هو صراع الصناعة الدرامية، وخير مثال ما يحدث الآن بين بعض الدول العربية وتركيا التي أصبحت تستغل في صناعة الدراما بمحاربة بعضها الآخر، وخير دليل هو مسلسل «قيامة أرطغرل التركي» ومسلسل «ممالك النار» العربي.

فهل استطاع العرب أن ينتصروا في هذا الصراع، وهل يستطيع العرب التفوق في هذه الصناعة المهمة بمهنية من حيث النص والإنتاج والأداء سؤال نسأله لصناع الدراما العربية، حيث كثر الجدل والنقاش حول مسلسل «ممالك النار»، معتبرا أنه رد على مسلسل «قيامة أرطغرل» ذاك المسلسل الذي لقى نجاحا كبيرا وشاهده أكثر من 90 مليون مشاهد عبر الإنترنت وعرض في كثير من القنوات منها روسيا ورومانيا وباكستان وإيران وإندونيسيا والمجر واليونان وبلغاريا والبوسنة والهرسك وأذربيجان وأفغانستان وألبانيا وجورجيا وقطر ومقدونيا وسلوفينيا وصربيا وليتوانيا وكرواتيا وقنوات أخرى، وتعددت حلقاته لأكثر من 200 ساعة مرئية، وبهذه الضخامة يعتبر «قيامة أرطغرل» الجزء الأول الذي يلحقه الجزء الثاني «قيامة عثمان» الذي لا نعلم كم عدد ساعاته يقابله هنا مسلسل «ممالك النار» لا يتعدى 14 ساعة رغم تكلفته الإنتاجية التي تعدت 40 مليون دولار، وهذا العمل اعتبر ردا على «قيامة أرطغرل».

نحن هنا نتكلم عن أن الدراما هي السلاح الناعم المستقبلي فهل نستطيع أن نطور من هذه الصناعة حتى يتم استغلالها بالطرق المهنية الصحيحة، سؤال آخر يطرح عندما نقيم المسلسل العربي «ممالك النار» من الناحية الفنية فهو عمل فني متكامل يحمل كل ما يحتاجه المشاهد البسيط من تشويق وإثارة لما بهذا المسلسل من حركة تشويقية ومجاميع، ولكن هل نجح هذا العمل في إرسال الرسالة المطلوبة، وهل نجح في أن يكون ردا على العمل التركي قطعا لا.

كنا نتمنى لو أن تم إنتاج عمل متكامل يحكي عن فترة المماليك منذ قيام دولتهم إلى نهايتها ويتم استعراض المرحلة التاريخية لدولة المماليك وإرسال الرسائل المطلوبة، فكان أجدر بالجهة المنتجة أن تصل إلى مبتغاها وتوصل رسائلها، ولكن بهذه الطريقة التي قدم بها «ممالك النار» اعتبر النقاد أنه حاول تشويه الخلافة العثمانية بمبررات غير صحيحة وأدلة تم تغييرها مثل قتل محمد الفاتح لإخوته وتاريخيا نعلم بأن السلطان مراد تنازل عن الحكم لابنه محمد الفاتح وهذه الانتقادات ربما كانت ستفند بمواقف أخرى إن تمت كتابة مسلسل كامل عن فترة حكم المماليك، وبدل الاستدلال بطمس حقائق تاريخية كان يمكن من خلال تعدد الحلقات وفترة حكم المماليك والتي تجاوزت 132 سنة كان يمكن أن يكون ردا فنيا ناجحا في إيصال الرسائل المطلوبة من خلال تعدد المواقف والمشاهد والأحداث. وتقديم عمل تاريخي يحكي فترة تاريخية يقدم رسائله بطريق غير مباشر في سياق تراكم الأحداث، ليس كما قدم بطريق مباشر ينتقد دخول العثمانيين بدلا للمماليك.. علما بأن المماليك لم يكونوا عربا.

اقرأ أيضا: خالد النبوي: حققت أمنيتي بتجسيد «طومان باي» فارس كل العصور

كل هده الانتقادات التي كانت مقابلها انتقادات لمسلسل «أرطغرل» والتي لم تكن واضحة، حيث كان الاتهام في المسلسل بأن الأتراك وضعوا أنفسهم هم من وقف أمام المغول وهم من قضى عليهم.. وهنا نقول إن مسلسل «أرطغرل» لم يتكلم عن الفتوحات الإسلامية بقدر ما كان المسلسل يتكلم عن بداية قيام أو بداية تأسيس الدولة العثمانية من خلال قيام قرية الكاي بالبحث عن موطن لها في مناطق تركيا الآن وإن أهملت الصراع العربي - المغولي في المسلسل فأهملته في سياق كتابة درامية مهنية.. وهنا الفارق بين «ممالك النار» و«قيامة أرطغرل».

مسلسل «قيامة أرطغرل» قدم في سياق درامي مهني يروي قصة قيام دولة ومن خلاله تم تقديم الرسائل المطلوب تقديمها بأسلوب جعل المتلقي يتعاطف مع العمل ويصدقه في حين «ممالك النار» اعتمد على شكل الإثارة والأكشن وقدم رسائل مباشرة كأنه يقول بأن الحكم العثماني مستعمر وقتلة وحكامه سفاكو دماء، وهنا الفارق بين العملين.. أو لنقل كيفية الكتابة في العملين وهذا يعتمد على نجاح هذه الصناعة من عدمها في أقطارنا العربية، فصناعة الدراما هي سلاح فتاك وذو حدين إن لم يتم استغلاله بالطرق المهنية ربما يكون في غير ما قدم من أجله.

اقرأ أيضا: صراع عروش بين السلاطين العثمانيين والمماليك في «ممالك النار» (صور)

عموما الدراما التاريخية في الوطن العربي ما زالت تعاني من الكتّاب هذا لو استثنينا الدكتور وليد سيف الذي قدم العديد من الأعمال التاريخية الناجحة مثل «صقر قريش» و«ربيع قرطبة» و«صلاح الدين الأيوبي» و«عمر بن الخطاب» والعديد من الأعمال الناجحة شعبيا.

فهل سنرى مستقبلا دراما تاريخية بديلة.. دراما عربية تمتلك أسواقا لها مثل ما ذكرنا من القنوات التي تقوم بعرض مسلسل «أرطغرل».. نعم الدراما التركية فعلت ذلك من خلال دراسة ووضعت استراتيجية لقيام صناعة تضاهي بقية صناعاتها الناجحة، فقدمت في الدراما مسلسلات مثل «كوت العمارة» و«السلطان عبدالحميد» و«أرطغرل» والآن «قيامة عثمان» وما زلت مستمرة في تطوير هذه الصناعة المهمة والتي نأمل من دولنا العربية الاهتمام بهذه الصناعة لما ستؤول لها مستقبلا، حيث ستكون سلاحا ناعما يدخل به حرب الإعلام وحرب التنافس الاقتصادي في عالم التقنية.. عالم الريبوتات وعالم الأقمار الصناعية.

مشهد من «ممالك النار» (خاص لـ بوابة الوسط)
مشهد من «قيامة أرطغرل» (أرشيفية: الإنترنت)
مشهد من «ممالك النار» (خاص لـ بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط