تونس تودع رئيسها: السبسي تمسك بالتوافق السياسي وحافظ على بلده في أصعب الأوقات

صور مثبتة من جنازة الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي، 27 يوليو 2019، (الإنترنت)

شيع التونسيون جثمان الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلى مثواه الأخير، ظهر اليوم السبت، بمشاركة عدد كبير من الرؤساء والزعماء والقادة من مختلف أنحاء العالم.

ونقل جثمان السبسي، محاطا بعلم البلاد، من مقر إقامته في «دار السلام» على متن شاحنة، رفقة تشكيلات عسكرية، إلى مقر قصر قرطاج، حيث تم تأبينه من قبل العديد من الزعماء، ومنهم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج، والرئيس الجزائري عبد القادر بن صالح، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذين ألقوا كلمات، نعوا فيها الراحل، مؤكدين أنه ترك أثرًا كبيرًا في تونس والعالم.

فقدنا رمزا سيشهد له التاريخ
وقدم السراج، التعازي إلى الشعب التونسي، مستشهدا بكلمات الراحل التي كان يكررها دائما «نحن شعب واحد في بلدين».

وأضاف السراج: «(السبسي) رجل عمل ليلا نهارا لخدمة قضايا أمته في زمن التبعية والردة على المبادئ الراسخة والمعاني الجميلة، كما امتلك مرونة دبلوماسية مدهشة ثقلتها المحن والخطوب والتجارب، والخبرات لتتشكل شخصية بديعة ذات ملامح، ومكونات متكاملة توجت بكاريزما ذاتية وحضور لافت، لا يختلف في جدارتها وأهليتها أحد».

وأكد أنه «من الصعب رثاء قامة كبرى مثل الراحل الباجي، الذي أفنى حياته في سبيل إعلاء شأن شعبه وأمته، وشكل مثالا رائعا ونموذجا حضاريا رائدا لجيل القادة العظماء الذين أنجبتهم تونس على مدار العقود الماضية».

وتابع: «فقدت (تونس) رمزا من أوفى وأصلب وأكبر وأعظم رموزها في العصر الحديث، رمزا سيشهد له التاريخ في أسفاره المعاصرة بفضل السبق في تغيير وجهة تونس ومشهدها الثقافي والسياسي، ومسارها الحضاري والإنساني، وإعادتها إلى قاطرة الحياة من جديد، وبرمجة موقعها الطبيعي وبوصلتها الحية في أحضان أمتها العربية والإسلامية».

اقرأ أيضا: تونس تودع أول رئيس منتخب.. جنازة وطنية ومشاركة دولية

تمسك لتكون تونس متسامحة
وبالمثل، واسى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الشعب التونسي، قائلا: «حرصت أن أكون بينكم لأعبر عن الصداقة واحترام الشعب الفرنسي للشعب التونسي ونرافقكم في حزنكم.. لقد تعلمت من (السبسي) الكثير، فكان لديه حكمة السنوات التي تراكمت وإرادة أن يحتضن العالم كما هو».

ولفت إلى ما تحمله الرئيس الراحل من أجل بلاده، والحرية والانفتاح والمساواة بين المرأة والرجل فيما يتعلق بمسألة الإرث، مشيرا إلى أنه خاض هذه المعارك في أوقات صعبة مع حضور للإرهاب فكان من المتسمكين بشجاعة لتكون تونس «متسامحة».

قضى عمره في خدمة تونس
وأكد رئيس الجمهورية التونسي الموقت محمد الناصر، أن السبسي «قضى حياته في خدمة تونس والدفاع عن قيمها».

وأضاف: «لقد تحمل فقيدنا العزير المسؤوليات الكبرى في الدولة ليترك فيها أثرا لا يمحى وبصمات لا تحصى في نضال متواصل من أجل ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية وقيم علوية القانون وهيبة الدولة والتناوب السلمي للسلطة»، معقبا: «كان حريصا على خلق التوافق السياسي، وكان مهندس الوفاء الوطني».

وتحدث عن صفات الراحل قائلا: «عرفنا فيك الحماس في خدمة الوطن والتفاني في خدمة الشعب، عرفنا فيك التعلق بمبدأ وحدة الصف الوطني والسعي إلى التوافق حول مصالح البلاد العليا.. اليوم وأنت تلبي نداء ربك نحن عاجزون على توديعك.. يا رفيق دربي نحن عاجزون على توديعك.. غيابك ألم وخسارة للوطن.. يارفيق دربي إنك لا تغادرنا سوف تبقى معنا وبيننا ما حيينا رمزا وقدوة ومثلا».

خسارة لمحبي السلام
«خسارة ليس للعائلة وليس لتونس فقط وإنما خسارة للجزائر والعرب والمسلمين ولكل محبي السلام عبر العالم».. هكذا استهل الرئيس الجزائري الموقت عبد القادر بن صالح كلمته عن السبسي خلال التأبين.

وأكمل: «عرفنا الفقيد في أيام المحنة كان إلى جانبنا وناصر قضيتنا، عرفناه بعد الاستقلال وكان من الذين عملوا وهندسوا على تمتین علاقات التعاون بین بلدينا».

وأردف: «نقف وكلنا احترام وتقدير لكي نترحم على الفقيد ونتمنى للعائلة وللشعب التونسي الصبر لتجاوز هذا الامتحان غير البسيط، وبخاصة وأن فقيدنا الكبير يغادر تونس في وقت دقیق تمر به تونس. ولكن ثقتنا كبيرة بأن الشعب التونسي الذي أنجب أبناؤه أمثال الباجي قادر اليوم على أن يواصل المسيرة، ويسير في الطريق التي رسمھا الرحل».

فقدته فلسطين
الرئيس الفلسطيني محمود عباس رأى في وفاة السبسي خسارة لفلسطين مثل تونس، إذ قال: «جئنا من فلسطين لتقديم واجب العزاء احتراما للأخ والصديق والمناضل الراحل الباجي قائد السبسى الذى فقدته الأمة العربية والإسلامية وفقدته فلسطين كتونس».

وأكمل: «هو الذي حمى تونس وحافظ على استقرارها وديمقراطيها في أصعب الظروف»، معبرا عن قناعته التامة بأنّ «الشعب التونسي سيحافظ على الإرث الوطني الذي تركه السبسي والحبيب بورقيبة لتونس، التي لها في قلوبنا منزلة خاصة ولا ننسى أبدا وقوفها مع فلسطين».

اقرأ أيضا: السراج في تأبين السبسي: فقدنا رمزا سيشهد له التاريخ

ظل وفيا للديمقراطية
وشارك ملك إسبانيا فيليب السادس، الشعب التونسي أحزانه، قائلا: «نحن جميعا حزينون بعد أن فقدنا رجل قانون ورجل دولة، بذل حياته لخدمة دولته وبلده، فقد ترك أثرًا عميقًا في نفوس التونسيين، بالتزامه ووفائه للديمقراطية وتونس خلال أعوام كانت مليئة بالتحديات؛ وأعوام مليئة أيضًا بالأمل».

وأردف: «نذرف دموع الحزن لوداعه ولكن إسباينا سوف تبقى اليوم أكثر من أي وقت مضى بجانب تونس في هذه الأوقات الحزينة، لقد ترك مسارًا مرسومًا لنستمر بالعمل معًا في تونس، فهو بلد صديق لإسبانيا وسنجعل من هذه المنطقة المشتركة، منطقة الشرق الأوسط منطقة سلام واستقرار.. وأرجو أن ترقد روحه بسلام».

حافظ على مكاسب الجمهورية
وأشاد رئیس البرتغال، مارسیلو ريبیلو دي سوزا، بنجاح الفقيد «في تغییر التاريخ بفضل سعیه المتواصل لتكريس الديمقراطیة في تونس والمحافظة على مكاسب الجمھورية».

وأثنى رئيس مالطا، جورج فيلا، أيضا على قيادة السبسي لتونس نحو الديمقراطية، مؤمّنا بالأسس لانتخابات حرة وديمقراطية، وأعطى كل ما يستطيع لتونس حتى الرمق الأخير، ويجب التوجه له بالشكر لكل ما قدمه من أجل بلاده، مضيفا: «العالم كله اليوم وخاصة الشرق الأوسط، فقد رجل عظيما ولكن ذكراه تبقى معنا للأبد».

الشعب يودّع السبسي
وبعد انتهاء التأبين، نقل الجثمان إلى مثواه الأخير في مقبرة الجلاز بالعاصمة (على بُعد نحو 25 كيلومترا).

وتجمع الآلاف من التونسيين أمامها، رافعين أعلام البلاد، ليلقوا النظرة الأخيرة على رئيسهم الذي توفى بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى 62 لإعلان الجمهورية العام 1957.

وواصلت الصحف اليومية التونسية، إصدارها بالأبيض والأسود، معنونة «تونس تودع رئيسها» و«الشعب يودع رئيسه» و«ارقد بسلام»، كما يبث التلفزيون الحكومي آيات من القرآن وبرامج إخبارية فقط، وذلك مع إعلان الحكومة التونسيّة الحداد سبعة أيّام ونكّست الأعلام وألغيت النشاطات الفنّية في البلاد.

ورحل الرئيس التونسي عن عالمنا يوم الخميس الماضي، عن عمر ناهز 92، بعدما تدهورت حالته الصحية خلال الشهر الجاري، الذي شهد نقله مرتين إلى المستشفى العسكري في تونس.