«ذا أميركان كونزرفاتيف»: مَنْ الأيديولوجيون الذين أضروا ليبيا؟

القاهرة - بوابة الوسط (ترجمة: مريم عبدالغني) |
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. (photo: )
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

قال الصحفي الأميركي مات بربل في مقال بمجلة «ذا أميركان كونزرفاتيف»، نشر أمس الثلاثاء، إن ليبيا التي تعمها الفوضى أصبحت مسار هروب عبر البحر المتوسط بالنسبة لآلاف المهاجرين الراغبين في التماس اللجوء إلى أوروبا، الأمر الذي أدى إلى ظهور مهربي البشر الذين يمنون المهاجرين بالعبور الآمن إلى أوروبا ثم يحتجزونهم «ويعاملونهم بوحشية ويبيعونهم مثل الماشية».

إدارة أوباما كان لها دور في الحرب عام 2011 التي قُتل خلالها القذافي وسقطت ليبيا في حالة من الفوضى

وذكر بربل نقلًا عن جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية أن «أزمة الهجرة في ليبيا نشأت نتيجة انهيار حكومة معمر القذافي قبل ستة أعوام». إلا أنه أردف قائلاً إنه يغيب عن ذلك المشهد حقيقة أن نظام القذافي لم ينهار من تلقاء نفسه، فقد كان لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما دور في الحرب عام 2011 التي قُتل خلالها القذافي وسقطت ليبيا في حالة من الفوضى.

وأضاف أن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون كان لها دور أساسي في إقناع أوباما الحذر بالتدخل في ليبيا آنذاك، كما أنها أيضًا ابتهجت بمقتل القذافي قائلة: «جئنا ورأينا، لقد مات».

القذافي

القذافي


وقال بربل إن «أزمة المهاجرين هي مشكلة معقدة وتستحق أن تدرس بعناية ، لكنها ليست السبب الجذري في مشاكل ليبيا، والتي تعود في الأساس إلى غزو العام 2011 والذي أفضى إلى الوصول إلى عمليات الاتجار بالبشر ويرتكب من فظائع بحق المهاجرين».

وأضاف: «في الفراغ الذي أتبع فترة حكم القذافي كانت هناك حكومتان وأحيانًا ثلاث حكومات مختلفة، يدعي كل منها شرعيتها على ليبيا في ظل وجود خلية نحل من الميليشيات بين تلك الحكومات»، موضحًا أن حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها ظاهريًا الولايات المتحدة الأميركية تمارس سلطتها غير الراسخة، كما أن مجلس النواب في طبرق لديه سيطرة عسكرية كبيرة على شرق ووسط ليبيا بدعم من روسيا.

وأشار إلى أنه قبل أسبوع هدد الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، المتحالف مع برلمان طبرق، بأنه سيتدخل حالَ لم تُفضِ مفاوضات تجرى حاليًا إلى حل قبل انتهاء صلاحية اتفاق الصخيرات بحلول السابع عشر من الشهر الجاري، معتبرًا أن ذلك يعني ضمنيًا «غزو طرابلس، والذي إذا ما نجح قد ينتهي بإعادة توحيد ليبيا قسرًا تحت حكم ضابط عسكري واحد».

وقال بربل إنه بعيدًا عن الثغرات الموجودة في السلطة، فإن حياة الليبيين العاديين انقلبت رأسًا على عقب في ظل تذبذب التيار الكهربائي خلال موجات الحر، كما أن البنوك تصرف الراغبين في سحب أموال خالين الوفاض، فضلاً عن اقتصاد البلد العالق في حالة الركود. وأشار إلى أن عديد الليبيين قالوا العام الماضي في مقابلات مع وكالة الأنباء الفرنسية «فرانس برس» إنهم يتوقون لأيام القذافي، وقال أحدهم: «أكره أن أقول ذلك لكن حياتنا كانت أفضل في عهد النظام السابق، فكل شيء أغلى ثلاثة أضعاف الآن».

 «مقاتلو داعش كانوا يستخدمون مدينة سرت الليبية كأنها عاصمة احتياطية لمعقلهم في الرقة»

وأضاف الكاتب أن الاضطراب في ليبيا انتشر منها إلى الخارج: حيث جرى تعقب هجمات إرهابية وقعت في تونس ومصر وبريطانيا إلى ليبيا، التي توفر حالة انعدام القانون فيها أرضًا خصبة للجهاديين»، مشيرًا إلى أن مقاتلي تنظيم «داعش» كانوا يستخدمون سرت الليبية كأنها عاصمة احتياطية لمعقلهم في الرقة، حتى طردتهم حملة عسكرية من المدينة العام الماضي.

خطأ مكرر
وقال إن غزو ليبيا يبدو أنه يعود إلى حقبة تختلف عن تلك الحقبة الماضية التي اعتمدت على المثالية الأميركية لغزو الشرق الأوسط والتي جرى خلالها غزو العراق.

وأوضح أن أوباما ارتكب الخطأ نفسه الذي قام به الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، متمثلاً في الإطاجة بديكتاتور في بلد ممزق بين العشائر المتنافسة دون أن تكون لديه خطة لاستيعاب عواقب ذلك الأمر، وقال: «لقد كان لدينا نموذج استرشادي لما قد يحدث ومضينا قدمًا في الأمر» رغم ذلك.

«أوباما ارتكب الخطأ نفسه الذي قام به جورج بوش متمثلاً في الإطاحة بديكتاتور في بلد ممزق بين العشائر المتنافسة دون أن تكون لديه خطة لاستيعاب عواقب ذلك الأمر»

وأضاف: «الأمر الأكثر سخافة هو أن بعض المعلقين يعلنون الآن أن خطأنا الفادح الحقيقي في ليبيا كان عدم نشر قوات أكثر في أعقاب الحرب»، وتساءل الكاتب: «لماذا سيؤدي ذلك إلى نتيجة مختلفة عن تلك التي حدثت في العراق، والتي أصبحت قواتنا فيها أهدافًا للجهاديين واندلعت الحرب الأهلية رغم ذلك؟».

وذكر الكاتب أن هناك أعذارًا كثيرة أُرجع إليها تدخل أميركا في ليبيا أولها «ادعاء البعض بأنه إذا لم يُطح بالقذافي كانت ليبيا ستتحول إلى سورية أخرى، أكثر دموية من تلك الموجودة اليوم حيث سيطلق ديكتاتور مهووس القنابل على الأبرياء». مضيفًا أن العذر الثاني كان القول بأن «انتصار القذافي قد يعطي مجالاً لحدوث فظائع لا يمكن وصفها بحق المدنيين، والتي من واجبنا وقف حدوثها».

وقال: «ليس هناك شك في أن القذافي ارتكب جرائم حرب قبل أن نتدخل، ولكن هل كان البديل أفضل؟»، مضيفًا أنه وفق مجموعة الأزمات الدولية «فقد أظهرت حركة الاحتجاج عنفًا منذ وقت مبكر جدًا، وتسللت العناصر التي تنتهج العنف إلى المظاهرات». وأضاف الكاتب: «بالنظر إلى الأجواء التي عاش فيها المدنيون منذ سقوط القذافي، فإن حثهم للدفاع عن التدخل لن يكون ذا جدوى».

ولفت إلى أن «المحافظين الجدد والليبراليين الدوليين بقوا في الأغلب صامتين عن (تدخل أميركا في) ليبيا، ربما لأن تقييم المهمة بناء على النتائج قصيرة الأجل ليس في الواقع الهدف المرجو»، موضحًا أن ذلك كان الوضع في غزو العراق الذي كان في جوهره مشروعًا أيديولوجيًا استسقى أغلب الدعم من أولئك الذين مازالوا يعتقدون، حتى ولو سرًا، أن هدف الولايات المتحدة الثابت هو الانتقام للمضطهدين والتبشير بالليبرالية.

المحافظون الجدد والليبراليون بقوا صامتين عن تدخل أميركا في ليبيا ربما لأن تقييم المهمة بناء على النتائج قصيرة الأجل ليس الهدف

وتابع: «هؤلاء الذين يدنون الواقع لتصعيد الأيديولوجية قليلاً ما يتعلمون من أخطائهم، ولهذا السبب، فحتى بعد الدرس المفترض تعلمه بعد غزو العراق، فنحن (أميركا) نقاتل في خمس حروب على الأقل، لا يسير أي منها بصورة صحيحة».

وقال الكاتب في نهاية مقاله: «إن الأيديولوجيين يلوحون بحروب مقبلة وحتى وهم يرقصون على حطام آخر المدن التي حطمتها سياستهم».

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات