ظل علماء الفلك على مدى خمسة عقود يراقبون في حيرة نجمًا عملاقًا يومض بانبعاثات أشعة سينية قوية وغير منتظمة، وأخيرًا كشفت دراسة حديثة أن الانبعاثات الصادرة من النجم الأزرق الضخم «غاما كاسيوبيا» (γ Cas) لا تأتي من النجم نفسه، بل من «قزم أبيض» صغير وغير مرئي يمتص المادة من رفيقه الأكبر، ما يؤدي إلى تسخينها إلى درجات حرارة هائلة أثناء سقوطها فيه.
تقول عالمة الفيزياء الفلكية يائيل نازي، من جامعة لييج في بلجيكا: «لقد بُذلت جهود مكثفة لحل لغز (غاما كاسيوبيا) عبر العديد من المجموعات البحثية لعقود طويلة. والآن، بفضل الملاحظات عالية الدقة لمهمة (XRISM)، نجحنا أخيرًا في ذلك»، وفقا للدراسة المنشورة في دورية «علم الفلك والفيزياء الفلكية» (Astronomy & Astrophysics).
يتكون نظام «غاما كاسيوبيا» في الواقع من نجوم متعددة مقيدة في رقصة مدارية معقدة، على بعد حوالي 550 سنة ضوئية في القمة الوسطى لشكل حرف «W» في كوكبة ذات الكرسي (Cassiopeia). وأكبر وألمع نجم في هذا النظام هو نجم أزرق وأبيض من النوع «Be»، كتلته تعادل نحو 15 ضعف كتلة الشمس، وهو أول نجم من هذا النوع يجري تحديده تاريخيًّا في العام 1866.
فائدة المراصد المدارية
وبسبب تداخل الغلاف الجوي للأرض الذي يمنعنا من رؤية الأشعة السينية للنجوم، لم يتمكن الفلكيون من رؤية بصمة الأشعة السينية الغريبة عالية الطاقة لهذا النجم إلا بعد إطلاق المراصد المدارية في السبعينيات.
وكانت تلك الانبعاثات أكثر سطوعًا بـ40 مرة مما هو متوقع لنجم من فئته، وأشارت التحليلات اللاحقة إلى أنها تنبعث من بلازما فائقة السخونة تصل درجات حرارتها إلى 150 مليون كلفن.
- وميض غامض بعد تصادم ثقبين أسودين يربك العلماء
- اكتشاف مكونات حمضين نوويين في كويكب «ريوغو» يعزز فرضية أصل الحياة من الفضاء
- تلسكوب جيمس ويب يلتقط صورة مذهلة لسديم يشبه دماغاً بشرياً مكشوفاً في الفضاء
وتوضح نازي: «جرى اقتراح سيناريوهات عدة لشرح هذا الانبعاث؛ أحدها تضمن إعادة الاتصال المغناطيسي المحلي بين سطح النجم وقرصه، بينما اقترحت سيناريوهات أخرى ارتباط الأشعة السينية برفيق للنجم، سواء كان نجمًا جُرد من طبقاته الخارجية، أو نجمًا نيترونيًّا، أو قزمًا أبيض يراكم المادة».
إن العثور على رفيق صغير لنجم ضخم أمر صعب للغاية، و«غاما كاسيوبيا» يمثل مشكلة خاصة؛ لكونه كبيرًا وحارًّا وساطعًا لدرجة أنه يُرى بالعين المجردة كأحد النجوم البارزة في كوكبة رئيسية. وفي المقابل، فإن الأقزام البيضاء صغيرة الحجم (تقارب حجم الأرض) ولا تُرى بالعين المجردة، لذا فإن تمييز قزم أبيض في مدار قريب من نجم ضخم ليس بالأمر السهل.
تطلبت هذه المهمة تلسكوب أشعة سينية قويًّا بما يكفي لتتبع الانبعاثات وتوقيتها المداري، وهنا جاء دور مهمة التصوير الطيفي بالأشعة السينية (XRISM) المشتركة بين وكالات الفضاء اليابانية والأوروبية والأميركي، واستخدم الباحثون القمر الصناعي لرصد النجم في ديسمبر 2024، وفبراير ويونيو 2025. وكشفت البيانات أن بصمة الأشعة السينية تتبع نمطًا مداريًّا بدورة تبلغ حوالي 203 أيام.
البلازما فائقة السخونة مرتبطة بالقزم
وتضيف نازي: «كشفت الأطياف أن بصمات البلازما ذات الحرارة العالية تغير سرعتها بين الملاحظات الثلاث، متبعة الحركة المدارية للقزم الأبيض وليس حركة النجم الضخم (Be). هذا التحول جرى قياسه بموثوقية إحصائية عالية، وهو في الواقع أول دليل مباشر على أن البلازما فائقة السخونة مرتبطة بالرفيق المدمج».
كما يظهر تحليل ضوء الأشعة السينية أن الجاني هو قزم أبيض ذو مجال مغناطيسي. فبينما يدور النجمان حول بعضهما، تقوم جاذبية القزم الأبيض الكثيف بـ«رشف» المادة من رفيقه الضخم، وتندفع هذه المادة عبر خطوط المجال المغناطيسي للقزم الأبيض نحو أقطابه، حيث تسخن بشدة أثناء سقوطها في غلافه الجوي.
يعد هذا الاكتشاف مثيرًا للغاية؛ لأنه يؤكد وجود نوع من الثنائيات النجمية تم التنبؤ به طويلًا وهو (زوج القزم الأبيض ونجم Be). ويساعد هذا الفهم الجديد لـ«غاما كاسيوبيا» العلماء في تفسير إشارات مماثلة حول نجوم أخرى وتحديث نماذج التطور النجمي للأنظمة الثنائية.
تعليقات