ليلة غمرت الغيوم القمر
وغنى حسن عريبي
دمعي جرى
انسللتَ من النظرة الثاقبة
اندسستَ وترا في آلة الكمان.
رضا لم يرض أن يكون شجرة تهفها الرياح،
تعشش فيها الطيور المهاجرة،
يرتكن إليها العابرون،
أراد أن يكون غيمة فقط.
جعل المكان حيث يكون قلقا، فلم تسعه الأمكنة، فإن أمطرت غيمته انسابت ابتسامته كالمطر، في المسارب التي يحتويها متسربا من كل احتواء. يباغت حضوره الطائش المكان، فيمتلئ صخبا وحبورا، حتى ينسى الآخرون غيره، في صمته النادر كما في هديره الذي لا يحده حد، دائم الغناء حتى أن بدنه يهتز كلحن طليق مع العصافير الطليقة مثله، فلم يحبسه قفص، هو من سُجن لأكثر من عقد، حيث فك كل عقال يعقله عن أن يكون.
لم يكن شعاره الشكسبيري أكون أو لا أكون فحسب، كان فعلا دائما ما سوف يكون، هو الشغوف بالتمثيل، من جذبه المسرح منذ نعومة أظافره، كان حقيقيا واقعيا حتى النخاع، وحيث ما بين الحقيقة والواقعية من تضارب، في روحه هما جدل الحياة، حياته المترعة، من أثر خمر احتسته خلاياه قبل أن يولد، فولد منتشيا بالحياة سكرانَ بالوجود. ما جعله المترنح بين الرقص والوردة، بين الحب وحب الحب، العاشق، مجنون ليلى حيث ليلى كل النساء، من حين جاء غدرت به الدنيا طفلا، غادرته أمه إلى مثواها الأخير!
رضا لم يرض أن يعش كما أريد له فاقتنص، كالطائر الطنان، من الصحراء الطلل، فالجديد من المدينة القديمة، حيث ولد في منتصف القرن العشرين بطرابلس الغرب، ومن اليتم أم هي زوجة الأب الحنون، وأم ثانية هي الأخت الأكبر الأحن. في صباه اندلف إلى حضن صاحبة الجلالة، حيث من بمثابة الخال الأستاذ فاضل المسعودي صاحب ورئيس تحرير جريدة «الميدان»، ما تعد من الجرائد المميزة في تاريخ ليبيا التي صدرت أول جريدة فيها العام 1866م. في الميدان صحبة أخ هو «محمد الدايري»، عاش صباه في شارع الصحافة، وفيه صحبة مميزة مع كتاب وفنانين وساسة معروفين، منهم الأستاذ «أمين مازن»، من ظل حتى يومنا هذا يكنيه (رضيوتي)، فكأن رضا بن موسى ظل عنده ذلكم الصبي من لقيهُ في الميدان!
رضا لم يرض بمدينة واحدة في البلاد، ولو مدينة مسقط الرأس طرابلس الغرب، فساح في متسع فضاء ليبيا، حيث يأخذ الرجل قلب وله، في مقام الرصد درنة، مدينة طالب الثانوية ومنذ ذاك مدينته، بنغازي مدينة الجامعة، التقينا في رحاب المسرح وهو الطالب بالجامعة، آنذاك كنت المسؤول الثقافي في فرقة «المسرح الحديث»، هو ممثل في فرقة «المسرح العربي»، لما تم اللقاء بمدينة غارقة تحت عسف النظام، عندها قرر العقيد القذافي تحويل الطلبة إلى التدريب العسكري، ما رفضه الطلبة وعلى رأسهم اتحادهم، الذي فيه رضا بن موسى من فئة غير المغضوب عليهم ولا الضالين، لذا انبرى لأول صف التظاهر من كنت منهم هاتفين: الحرية ..الحرية.. لا حكومة عسكرية.
رضا لم يرض أن يقتعد مقعدا، فينغمر في المحاورة واقفا على رجل، جهورا في مشافهة، غير مدون ما يتدفق في الذهن كما مشاعر غامرة، جسورا يمس كل مجردة، ملتحما بالجسد ومعه، بروح تتحسس الأفكار والمشاعر وحتى القضايا، ما ينغمس فيها ليعوم في يمها، ويجول في رقعتها رخا يستهدف الهدف على عجل. لذا نشط كمحاور لا يكل، ودون وكتب النزر القليل، فيما خاض وغاص في الكثير من المعارك الفكرية والأدبية منها خاصة.
رضا لم يرض بغير الحرية حبيبة، فعشق في بنغازي امرأة سندا للحرية، لذا لما أطلق سراحه في 3 مارس 1988، بعد عقد ونيف من حبس أرادته المتفائلة الحرة، تيمم ببنغازي التي التقيته فيها آخر مرة، أكتوبر 2024 زار مع زوجته أهلها، وأهله أهل المدينة من أنا منهم. في نشوة عارمة جاب الشوارع والكورنيش وبيوت الأصدقاء، ولم أظن حتى أنه في رحلة الوداع. فرضا لم يرض يوما أن يكون في مقام المودع، بل المقبل، مقبل عليك وإن أعطيته الظهر، ومن هذا يسبح في المدينة باعتبارها مسبحة، مقبلا لا مدبرا يحضن كل من يقابل، بضحكة مجلجلة حتى لو كانت كما ابتسامة تظهر من بعيد.
لهذا وذاك رحيل رضا رحيل لا يصدق.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات