Atwasat

انتخاب رئيس تحت القصف

سالم العوكلي الثلاثاء 14 يناير 2025, 02:53 مساء
سالم العوكلي

تابعتُ على مدى يومين جلسات البرلمان اللبناني لانتخاب الرئيس بعد 26 شهرًا من الفراغ الرئاسي، وربما يرجع اهتمامي الخاص بما يحدث في لبنان لأني اعتبرتها في مقالة سابقة (محمية الديمقراطية العربية) وفكرة المحمية أن تحمي ما تحويه من الانقراض.

سبق وأن فشلتْ من قبل 12 جلسة لانتخاب الرئيس بسبب الصراعات الطائفية (التي تتنكر في صراع أحزاب) داخل البرلمان، وهي صراعات لا تقف خلفها اختلافات سياسطائفية فقط ولكن يقف خلفها سلاح ضاغط خارج سلطة الدولة، ومنذ استقلال لبنان لم تخلُ هذه الجلسات من تجاذبات تشتد وتخف حسب توازنات القوى في الميدان، حيث انتخب 13 رئيسًا سابقًا كلهم جاءوا عبر تدخلات وضغوط خارجية كما يقول محللون لبنانيون، وفي جلسة انتخاب الرئيس الرابع عشر كنت أشاهد عن كثب مسرحية محلية يديرها من الكواليس مندوبو الدول الكبرى والإقليمية المتصارعةِ على تركة إيران (وصفي لها بالمسرحية لا ينقص من شأنها، لأني أولًا، أعتبر المسرح فنًا عظيمًا، وثانيًا، لأن كل الانتخابات في العالم كله هي عروض مسرحية، البعض يتقن إخراجها والبعض يخرجها بشكل ركيك).

وفي الأحول جميعها كان المشهد حضاريًا لنواب يتمتعون بخبرة وأناقة ووسامة، بينما رئيس البرلمان الذي لم يغب عن المشهد منذ عقود، حيث سقطت نظم عربية عتيدة وعديدة وما زال هو صامدًا في منصبه الذي منحته له المحاصصة الطائفية في الدستور، وهنا يكمن الخلل الذي يخيف من انقراض الديمقراطية في آخر محمياتها العربية، فكل ما يحدث في لبنان من حروب أهلية، وسلاح خارج عن القانون، وميليشيات عشائرية، وأزمة اقتصادية حادة، ونزوح سكان مخيف، وفقر مدقع، سببه خلل بنيوي في الدستور أو في الفكرة الجوهرية لأي مشروع ديمقراطية كما أفهمها، فكل هذه الأخطار محتفظ بها داخل ما سبق أن سميته «إفريز الدستور».

سبق أن نشرت مقالة العام 2006 في مجلة عراجين لصاحبها الصحفي إدريس المسماري عن الديمقراطية والعلمانية، معتذرًا فيها عن لهجتي الجزمية وأنا أقرُّ أن الديمقراطية لن تقوم إلا على أرضية علمانية، وبدستور علماني، والمعني هنا علمنة الدولة وليس المجتمع، وإذا كنا عاجزين عن تدبيج مثل هذه الدساتير التي لا تذكر في نصها الهوية الدينية، ولا تسمح بالأحزاب ذات المنشأ الديني، فإن الحري بنا أن نبحث عن نظام بديل دون أن نكذب على أنفسنا، أو نعيش خديعة الديمقراطية المفرغة من محتواها.

ما لفت نظري في اجتماعات البرلمان اللبناني الساخنة هو تركيز البعض المهدد بانتخاب الرئيس جوزيف عون على ما سموه قداسة الدستور وعدم المس به، وهو نقاش شارك فيه العديد من نواب الثنائي الشيعي الذين اكتسبوا قوتهم من سلطة السلاح خارج القبة، والذين كانوا يدوسون مواد الدستور ويسحقونها يوميًا ما دام الأمر في صالحهم، وحسب ظني، تقديس نصوص الدستور لا يختلف عن تقديس نصوص الاجتهاد من قبل تلك الجماعات الدينية المتشددة مهما كانت ذاهبة بالكيان إلى الزوال، والمآل في الحالتين سحق البشر من أجل الحفاظ على قداسة النص.

التاريخ السياسي، حتى في الدول العتيدة، في تجاربها الديمقراطية قد يتجاوز مادة دستورية أو أكثر في ظروف استثنائية تتعلق بمسائل مصيرية لهذه الدول، وإلا ما كان لروزفلت أن يرشح لفترة رئاسية ثالثة، وفق ظرف طارئ، في أمة يحكمها دستور قوي.

ومن جانب آخر في الأمة نفسها سيحدث مثلما حدث من تمسك بالمادة التي تمنع ترشح جوزيف عون للرئاسة، حين عجز الكونغرس الأميركي طيلة عقود عن تعديل المادة التي تخص حق حيازة السلاح الشخصي، والسبب كما في جلسة برلمان لبنان مصالح شخصية أو فئوية تضغط من خارج القبة، فلوبي السلاح هو من يضغط من أجل أرباحه، والنواب التابعون له هم من يتذرعون بقداسة التعديل الدستوري الخاص بملكية السلاح رغم أن السلاح المنتشر يتسبب سنويًا في مقتل ما لا يقل عن 40 ألف مواطن أميركي، أضعاف من يُقتلون في أعمال إرهابية في بعض السنوات الكبيسة، غير أن هذا اللوبي الضخم والمهيمن على القرار وسن القوانين لا مشكلة عنده في أن يضحي بأربعين ألف جثة سنويًا في سبيل ألا تتراجع أرباحه السنوية، وعقلية الصفقات التجارية الأميركية تستوعب هذه المقايضة الشريرة.

وبالمثل من تشدقوا داخل البرلمان اللبناني دفاعًا عن مادة في الدستور، وصوتوا في أوراقهم الانتخابية بكتابة (قداسة الدستور والسيادة) يضحون ليس بمجرد جثث بل بوجود لبنان نفسه، فالمهم هو الدستور حتى لو اختفى لبنان من الخارطة أو هجره سكانه جميعًا، وسيفضي الأمر في النهاية إلى صفقة أو مقايضة كي يمر الرئيس.

كان هذا النقاش المحروس دوليًا وإقليميًا يدور بينما الجثث ما زالت تنتشل من تحت الركام في الجنوب اللبناني وفي ضاحية بيروت الجنوبية وغيرها جراء القصف الإسرائيلي، وفي الجوار يباد مجتمع كامل تحت مرأى هذا العالم، والخماسية التي فشلت في إنقاذ سكان غزة والضفة من الإبادة تُخرج الآن مسرحية في لبنان بعد أن بدلت الحربُ الأوضاع فوق الأرض، وحقيقة لا مخرج للبنان من أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا بتنفيذ هذه المسرحية الانتخابية واستغلال ظرف لن يتكرر.

ومن هنا كان الكثير من المحللين اللبنانيين المستقلين الذين يدركون العرض المسرحي مرحبين بالنتائج، ونجاح العرض عادة ما يبهر الجمهور ويؤدي الغرض منه، خاصةً أن الرئيس المقترح قادم من خارج الطبقة السياسية التي يصفها اللبنانيون بالفاسدة، كما أثبت نزاهته وكفاءته أثناء قيادته للمؤسسة اللبنانية الوحيدة الناجية من الخراب وهي الجيش اللبناني، فهل سيكون عون هو ديغول لبنان؟ ويؤسس لجمهورية لبنانية جديدة؟

وهذه الجمهورية الجديدة تتطلب في أولوياتها تعديلات جوهرية في الدستور الطائفي الذي يحتفظ بهذه الأزمات، بما فيها الحروب الأهلية، في طيات نصوصه، ويخرجها كلما استلزم الأمر أو اختل التوازن الطائفي، فلبنان في ظل هذا الخلل البنيوي في الدستور عاش حروبًا أهلية وأزمات اقتصادية حادة وتهديدات وجودية وسيادة منتهكة، وفي ظله عاش فراغًا سياسيًا (رئاسيًا) قاتلًا في أصعب الظروف التي يمر بها، وحين تتسبب نصوص دستور حاكمة في عدم القدرة على انتخاب رئيس لعامين ونصف العام فثمة خلل كبير في بنية وقواعد هذه المدونة القانونية.

ولو أن انتخاب الرئيس كان مباشرًا وليس عبر الكتل النيابية لما حدث هذا الفراغ، ولانتُخِب العماد جوزيف عون بما لا يقل عن نسبة 85% من أصوات الناخبين من الشعب اللبناني كما تشير استطلاعات الرأي، وهو تفاوت يدل على أن النواب داخل البرلمان لا يمثلون ناخبيهم بأي شكل، بل القوى الخارجية التي تستقوي بها كل طائفة، وفعلًا لم تنجح عملية انتخاب الرئيس إلا بحضور هذه القوى مباشرة خلف الكواليس لتدير مسرح العرائس كما تريد.

ويصدف أن تلتقي هذه الإرادة الدولية بإرادة الشعب اليائس من الوضع ومن الطبقة السياسية الفاسدة كما توصف دائمًا، واللبنانيون يدركون أن 13 رئيسًا سابقًا جاءوا بتدخلات دولية وإقليمية، ولا مخرج لهم من أزمة مزمنة سوى أن يختاروا فضاءهم وشركاءهم ممن يسهمون في إعادة لبنان إلى مساره، وإلى كونه محمية الديمقراطية العربية، وملاذ العرب المضطهدين لفترات طويلة، وهي أمور لم يحققها الدستور الطائفي بقدر ما حققها سباحة لبنان في فلك الفضاء الفرانكفوني الذي تسربت عبره عديد القيم الجمهورية في مساحة مقتطعة من الشام الكبير، اخترعها الفرنسيون لإيواء وحماية المسيحيين الذين تحولوا فيما بعد إلى أقلية في هذا الملاذ مع عديد المتغيرات الديموغرافية في المنطقة، وتحويل هذه الواحة في قلب الصحارى العربية إلى حلبة تُصدَّر إليها كل الصراعات الدولية والإقليمية.

وبالعودة إلى جلسات البرلمان، فشل في الجولة الأولى من انتخاب الرئيس عون بعد حصوله على 71 صوتًا، أقل بـ15 صوتًا من أغلبية الثلثين التي يحتاجها انتخاب الرئيس، وطلب رئيس البرلمان المعتق ساعتين للحوار، وفي الجولة الثانية تحصل المرشح على 99 صوتًا، ويبدو أن صفقة أُبرِمت خلال هاتين الساعتين لطمأنة الثنائي الشيعي كي يدلي بأصواته، وكما يقول محللون لبنانيون قريبون من الحدث فإن هذا السيناريو بأكمله كان متفقًا عليه قبل يوم في كواليس ما قبل الاجتماع، والابتزاز السياسي أحد ألعاب الديمقراطية بشكلها الراهن، والمهم ألا يخرج أحد من المولد بلا حمص.

ألقى الرئيس المنتخب كلمة بعضها ممكن ومعظمها أحلام مجنحة، لكن حين تكون الإرادة قوية فحتى الخيال ممكن تحقيقه، أو كما يقال في المجتمعات المتصالحة مع خيالها: أن الصعب يحتاج تحقيقه إلى وقت قصير والمستحيل إلى وقت أطول.

وأهم ما أعجبني في كلمة الرئيس المنتخب حالًا، أن تحدث عن ضمان الحريات الفردية قبل أن يتحدث عن الغذاء والأسعار والبنى التحتية والاقتصاد والكهرباء وغيرها من متطلبات المجتمع اللبناني الملحة، فهو جنرال لكنه تربى في ظل هذه الحريات التي قاومت بحيويةِ معتنقيها كل محاولات خنقها، ولذلك تساءلتُ هل سيكون عون ديغول لبنان؟ رغم محدودية صلاحياته الدستورية التي تُحجِّم من قدرته كرئيس للدولة على تحقيق معظم أحلام خطابه المتحمس، وهو ما يحتاج إلى ترويكة متناغمة بينه وبين الحكومة والمجلس النيابي، وإلا ستدور لبنان في مربطها نفسه، ويظل النزوح منها هو الحركة الوحيدة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»