رصد تقرير منظمة «ذا سنتري» الأميركية غير الحكومية مخالفات في ملف إدارة أصول المؤسسة الليبية للاستثمار في بريطانيا، وهي محفظة عقارية تتجاوز قيمتها مليار دولار. فبين مبانٍ شاغرة في قلب لندن وخسائر بملايين الدولارات من الإيجارات الضائعة، تتجلى مظاهر «سوء الإدارة والجمود الإداري».
ولا يقتصر الأمر على التعثر الإداري، بل يمتد إلى شبهات المحسوبية وتضارب المصالح مع تعيين شخصيات مرتبطة بالسلطة التنفيذية في مواقع حساسة داخل الشركات التابعة للمؤسسة، وفي المقابل، تُدار أصول أخرى عبر شبكات خارجية معقدة تفتقر إلى الشفافية، ما يفتح الباب أمام مخاطر الفساد والاحتيال، ويثير تساؤلات جدية حول مصير الإيرادات المتحققة.
وبين أصول معطلة وأخرى غامضة، يسلّط التقرير الضوء على نموذج صارخ لهدر الثروة السيادية في ظل غياب الحوكمة الفعالة.
الأصول الليبية المجمدة في بريطانيا
بعد مرور أربعة عشر عامًا على تجميد أصول الكيانات التابعة لمؤسسة للاستثمار في بريطانيا، لا تزال أجزاء كبيرة من المحفظة العقارية للمؤسسة، التي تزيد قيمتها على مليار دولار، عاجزة عن تحقيق أي عوائد للشعب الليبي.
فعلى الرغم من مزاعم الإصلاح العلنية، سمحت المؤسسة ببقاء مبنى في لندن تبلغ قيمته 72 مليون دولار شاغرًا لعقد من الزمن، مما أدى إلى خسارة تُقدر بنحو 79 مليون دولار من الإيجارات.
ويتفاقم هذا السوء الإداري بسبب المحسوبية، حيث جرى اختيار صهر رئيس حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، لرئاسة فرع المؤسسة في بريطانيا الذي يمتلك المبنى، حيث أسفرت نفقاته عن خسائر مالية.
علاوة على ذلك، توجد مجموعة أخرى من العقارات عالية القيمة، تُدرّ دخلًا إيجاريًا كبيرًا وغير معروف، مخفية في شبكة خارجية مبهمة، وكانت هي الأخرى هدفًا لعمليات احتيال من جهات خارجية، وتُعدّ هذه المحفظة مثالًا صارخًا على المحسوبية والهدر وسوء الإدارة.
ففي عام 2011، وبمحاكاة لعقوبات الأمم المتحدة، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على المؤسسة، وشركات «لافيكو» و«لافيكو للاستثمار» و«LAIP»، لعلاقاتها بنظام القذافي.
تطبيق العقوبات على الشركات الليبية
دخلت هذه العقوبات حيز التنفيذ في بريطانيا، التي كانت آنذاك عضواً في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب إدراج بعض الشركات الأخرى المملوكة للمؤسسة التي تعمل في البلاد ضمن قائمة العقوبات.
وفي حين كانت غالبية الأصول الليبية الخاضعة للعقوبات عبارة عن استثمارات مالية، شملت أيضاً محفظة عقارية كبيرة.
وفي العام 2019، قدّرت المؤسسة قيمة تسعة مبانٍ تملكها في لندن ومدينة «ميلتون كينز» المجاورة بأكثر من مليار دولار.
وتتراوح هذه المباني بين مساحات مكتبية تجارية كبيرة ومساكن، وقد جرى شراؤها بين عامي 1991 و2008. ووفقًا لسجل الأراضي، فإن اثنين من هذه المباني مملوكان مباشرة لـ«لافيكو».
أما المباني السبعة المتبقية فهي مملوكة لشركات تابعة للمؤسسة: «شركة الخدمات الاستشارية»، و«سابتينا» (التي تشارك في ملكية ثلاثة مبانٍ مع «لافيكو»)، و«باروك للاستثمارات»، و«أشتون للاستثمارات العالمية»، و«كينلوس للعقارات المحدودة».
حالة المباني وإدارتها
باستثناء «شركة الخدمات الاستشارية التابعة للمؤسسة»، لا تزال جميع هذه الشركات خاضعة لعقوبات مستمرة في بريطانيا.
واليوم، وعلى الرغم من وقوعها في أرقى الأحياء التجارية والسكنية في لندن، لا تزال المباني التي تملكها وتديرها شركتا «لافيكو» و«سابتينا» مهجورة أو مشغولة جزئيًا. وقد تسللت عائلة رئيس الوزراء الليبي إلى «سابتينا» نفسها.
أما الأصول الرئيسية الأخرى المملوكة لـ«باروك» و«أشتون» و«كينلوس»، فتُدار بنشاط، ولكنها مُدارة عبر هياكل خارجية تفتقر إلى أي شكل من أشكال الشفافية.
أصول «سابتينا» و«لافيكو» المتعثرة
أشار التقرير إلى أصول «سابتينا» و«لافيكو» المتعثرة التي تُقدّر بعشرات الملايين من الدولارات مع سوء إدارتها، واستيلاء شخصيات سياسية بارزة مرتبطة برئيس الوزراء «عبد الحميد الدبيبة» على مناصب عليا فيها، ومنح أنفسهم زيادات في الرواتب، مؤكدا أن الأحداث في «سابتينا» تُظهر كيف يتوسع الازدهار الفاسد في ليبيا، حتى في ظل فرض عقوبات على الأصول.
ففي العام 1984، أنشأت «لافيكو» شركة «سابتينا» كشركة تابعة لها في بريطانيا، وتعمل كذراع تجارية لشركات «لافيكو» حول العالم. ومع تطور «لافيكو»، جرى نقل ملكية العقارات القائمة المملوكة للدولة الليبية في بريطانيا إليها كدفعة عينية.
وشملت هذه العقارات السفارة الليبية في منطقة «سانت جيمس» بلندن، التي بيعت لاحقًا، والقنصلية الليبية في «نايتسبريدج». بعد حادثة عام 1984 التي أطلق فيها مسؤولون ليبيون داخل السفارة النار على متظاهرين وقتلوا شرطية بريطانية، جرى إغلاق السفارة وبيعها، ولا تزال القنصلية الليبية مسجلة باسم «لافيكو».
كانت «سابتينا» تمتلك محفظة عقارية تضم خمسة مبانٍ، تشمل مبنى مكاتب في الحي المالي بلندن، وثلاثة عقارات سكنية في لندن، ومبنى تجاري في «ميلتون كينز» يُستخدم كمكتبها المسجل.
هيكل الملكية وتعقيداته
ربما تكون «سابتينا» قد اشترت كل عقار على حدة، إلا أن هيكل الملكية الحالي غير واضح ويتعارض مع سجلات هيئة الاستثمار في لندن، وهو تناقض يُسيء إلى سمعة التحول الإداري الذي أُعلن عنه في الهيئة.
وفي أبريل العام 2011، فرضت بريطانيا تجميدًا على أصول «سابتينا» بسبب صلاتها بنظام القذافي عبر «لافيكو».
وأدت العقوبات المفروضة على «لافيكو» إلى فوضى تنظيمية في ليبيا، حيث قامت الإدارة الليبية الجديدة بفصل مسؤولين بارزين من «لافيكو» من مجلس إدارة «سابتينا»، بينما اختفى آخرون عن الأنظار، مما أدى إلى شلّ عملية اتخاذ القرارات.
وفي خضم هذه الاضطرابات، تقدمت «سابتينا» بطلبات للحصول على تراخيص من وزارة الخزانة البريطانية لمواصلة أعمالها، وحصلت عليها، واستمرت في أنشطتها.
بعد عامين، في سبتمبر 2013، انتقلت «جاردينلويد تومسون»، التي كانت تستأجر مبنى «جاردين هاوس» لمدة 25 عامًا تقريبًا، إلى مبنى أكبر.
وقامت إدارة «سابتينا» بإعداد ثلاثة أنواع من المقترحات، تختلف كل منها في التكلفة والجدول الزمني، لتجديد مبنى «جاردين هاوس» ورفع قيمته الإيجارية إلى أسعار السوق.
التمويل والتراخيص
في عام 2015، وافق مجلس إدارة «سابتينا» المُعيّن حديثًا، وهو الأول منذ عام 2011، على تمويل مشروع «الفئة أ» بقيمة 30 مليون جنيه إسترليني (نحو 44.4 مليون دولار أميركي)، والذي من شأنه أن يُهيئ المبنى للعمل لمدة عشر سنوات على الأقل دون الحاجة إلى مزيد من التجديدات.
وبموجب هذا القرار، حصلت إدارة «سابتينا» على ترخيص من «مكتب تنفيذ العقوبات المالية البريطاني» المُنشأ حديثًا، لتكليف «كوشمان آند ويكفيلد»، المقاول العقاري العالمي، بدراسة نطاق الأعمال، إلا أن الأعمال لم تبدأ قط، وجرى تعيين قيادة جديدة لمجلس إدارة «سابتينا» في مايو 2022، ولا تزال الأسباب الدقيقة لهذا التوقف الذي دام سبع سنوات غير واضحة.
وفي سبتمبر 2022، وبعد أكثر من عام على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في «طرابلس»، عيّن رئيس الوزراء الليبي الجديد صهره «حسن المغروي» مديرًا عامًا لـ«سابتينا».
عيّن مجلس الإدارة الجديد «مغراوي»، الذي لم يكن لديه أي خبرة أو مؤهلات أو إقامة معروفة في المملكة المتحدة، مديرًا إداريًا وتجاريًا براتب 7000 جنيه إسترليني شهريًا.
وقف طارق فيتس، صهر عبد السلام جلود، أحد رفاق القذافي من الضباط الثوريين، إلى جانب مغراوي، الذي تقاضى 5000 جنيه إسترليني شهريًا للتنسيق مع «كوشمان آند ويكفيلد».
التجديد وإدارة العقود
لكن بدلًا من البدء بالأعمال المتفق عليها قبل نحو عقد من الزمن، تعاقدت الإدارة الجديدة مع «ريغال للخدمات الإنشائية»، وهي شركة صغيرة مقرها لندن، للإشراف على أعمال التجديد الشاملة.
يثير استبدال شركة مرموقة مثل «كوشمان آند ويكفيلد» بشركة لا تملك سجلًا حافلًا في أعمال التجديد الكبرى مخاوف بشأن مدى ملاءمة العقد، كما ستكون لشركة «ريغال للخدمات الإنشائية» صلات مستقبلية بـ«سابتينا».
في الوقت نفسه، بدأت نفقات الشركة في التزايد. بعد عام 2015، تخلى مجلس الإدارة عن ممارسته السابقة لعام 2011 المتمثلة في عقد اجتماعات مجلس الإدارة بدون أجر، واستحدث بدلاً منها دفع مكافأة قدرها 1000 جنيه إسترليني لكل عضو مجلس إدارة عن كل اجتماع.
في عهد مغراوي، قفز عدد اجتماعات مجلس الإدارة من اجتماع واحد إلى سبعة اجتماعات سنويًا، مع ارتفاع الرسوم إلى 5000 جنيه إسترليني لكل اجتماع، ووصول عدد أعضاء مجلس الإدارة إلى خمسة.
الرقابة والمخالفات المالية
في العام التالي لتعيين مغراوي، لم يتحقق مدقق حسابات الشركة من الرصيد في حسابات الشركة، وهو ما يُعد مؤشرًا على وجود مخالفات.
ظهرت خسائر مالية متزايدة - مدفوعة جزئيًا بزيادة تكاليف رواتب الموظفين في عام 2023 - خلال فترة ولاية «مغراوي».
ترك مغراوي منصبه كمدير عام في وقت ما من عام 2024، ومنصبه في مجلس الإدارة في مارس 2025، وحلّ مكانه صلاح عوض كمدير عام، ولا يزال يدير «سابتينا» حتى وقت النشر.
إدارة مبنى 1 كوينز جيت تيراس
تتزايد التساؤلات حول إدارة «سابتينا» لأصولها. ففي صيف عام 2025، نُشرت رسالة غير مؤرخة على لوحة الإعلانات في مبنى «1 كوينز جيت تيراس»، تضمنت ادعاءً مثيرًا للدهشة: «طرأ تغيير على ملكية وإدارة مبنى 1 كوينز جيت. ومن الآن فصاعدًا، ستكون شركة «ريغال لإدارة العقارات» هي جهة الاتصال الأولى لكم فيما يتعلق بجميع الأمور المتعلقة بإيجاركم وإقامتكم في العقار».
يثير هذا البيان مخاوف بشأن انتهاكات محتملة للعقوبات. وباعتباره أحد الأصول الخاضعة للعقوبات، كان على «سابتينا» الحصول على إذن من السلطات البريطانية لبيع مبنى «١ كوينز جيت تيراس»، إلا أن موظفًا سابقًا في هيئة الاستثمار العقاري «LIA» مطلعًا على الوضع أفاد بأنه لم يجر تقديم أي طلب بهذا الشأن أو الموافقة عليه.
- بـ68.35 مليار دولار.. «الليبية للاستثمار» تتصدر أكبر 10 صناديق ثروة سيادية في أفريقيا
وحتى 31 أكتوبر 2025، تُشير سجلات العقارات في «المملكة المتحدة» إلى أن «سابتينا» هي المالك الحالي للمبنى.
وإذا لم تجر عملية البيع، فمن غير الواضح كيف يمكن لشركة «ريغال لإدارة العقارات» أن تدّعي أنها «المالك الجديد».
تشير سجلات شركة «ريغال لإدارة العقارات»، المرتبطة بنفس عنوان الاتصال المذكور في الرسالة الموجهة للسكان، إلى أن الشركة سُجلت في أبريل 2024 بمدير واحد.
ويتطابق عنوان «ريغال لإدارة العقارات» مع العنوان المسجل لشركة «ريغال لخدمات البناء المحدودة»، التي يحمل مديرها نفس الاسم الأول للشخص المذكور في الرسالة (دون ذكر اسم العائلة).
علاقة أوكوود مانشنز بسابتينا
علاوة على ذلك، في سبتمبر 2025، كشفت زيارة أجرتها «ذا سنتري» لمجمع «أوكوود مانشنز» المملوك لـ«سابتينا» عن وجود لوحات بناء تحمل اسم «ريغال لخدمات البناء المحدودة» على المبنى، مما يشير إلى وجود علاقة أوسع بين «سابتينا» والشركة. كما تتطلب أي أعمال في مجمع «أوكوود مانشنز» ترخيصًا من السلطات البريطانية.
طلبت «ذا سنتري» تعليقًا من «سابتينا» و«مغراوي» بشأن الأحداث التي وقعت خلال فترة إدارة «مغراوي» وفترة إدارة «عوض» الحالية، لكنها لم تتلقَّ ردًا، كما لم تستجب «ريغال لإدارة العقارات» و«ريغال لخدمات البناء» لطلب «ذا سنتري» للتعليق.
أشتون وكينلوس وباروك.. شبكة خفية
اشترت مؤسسة الاستثمار عقارات عدة أخرى في لندن عبر شركات وهمية خارجية.
هذه العقارات، رغم ملكيتها لكيانات خاضعة للعقوبات، حققت -بحسب أحد المطلعين- إيرادات ضخمة، وإن كانت غير معروفة المصدر، منذ عام 2011.
ومع ذلك، لا توجد معلومات متاحة للجمهور، سواء من «المؤسسة الليبية للاستثمار» نفسها أو من السلطات البريطانية، حول وجهة هذه الإيرادات.
في العام 2009، شكلت الدولة الليبية لجنة استثمارية لدراسة شراء مبانٍ رئيسية في لندن.
نظرت اللجنة في شراء «ذا غيركين»، وهو مبنى شهير في الحي المالي بلندن، بالإضافة إلى برج «إتش إس بي سي» في منطقة «كناري وارف» المالية.
وفي النهاية، استقرت اللجنة على شراء ثلاثة مبانٍ تجارية كبيرة: «14 كورنهيل»، «بورتمانهاوس»، و«بيوفورت هاوس».
تجاوز سابتينا واستخدام الشركات الوهمية
متجاوزةً «سابتينا»، استخدمت مؤسسة الاستثمار»سلسلة من الشركات الوهمية لإتمام عمليات الشراء.
فعندما كانت لجنة الاستثمار التابعة للدولة الليبية تسعى لشراء مبانٍ رئيسية في لندن، كان من المنطقي أن يجرى ذلك من خلال «سابتينا»، المسجلة بالفعل والتي تدير عقارات في العاصمة البريطانية.
بينما كانت الشركة التابعة جزءًا من المفاوضات، صرّح مسؤول سابق في «هيئة الاستثمار» إلى «ذا سنتري» بأن «سابتينا» استُبعدت في نهاية المطاف من الصفقة بسبب علاقتها المتوترة مع شركة «تشيسترتونهامبرتس» العقارية البريطانية.
وكان وراء «تشيسترتونهامبرتس» رجل الأعمال الليبي البريطاني «صلاح موسى»، الذي أفادت التقارير بأنه وظّف نجل رئيس جهاز المخابرات الليبية («القذافي») للمساعدة في تعزيز نفوذه في ليبيا.
كما أشار أشخاص قابلتهم «ذا سنتري» إلى أن «موسى» قد بنى علاقة عمل مع «مصطفى الزرطي»، نائب رئيس «هيئة الاستثمار» في لندن، والمقرب من «سيف الإسلام القذافي»، نجل «معمر القذافي».
تشيسترتون غلوبال واستثمارات عائلة دبيبة
ارتبطت «تشيسترتونهامبرتس» بالنظام الذي قام بعد عام 2011، حيث أفادت التقارير أن عائلة «دبيبة» اشترت حصة في الشركة القابضة لشركة العقارات «تشيسترتون غلوبال» في فبراير 2011، بالتزامن مع اندلاع الاحتجاجات في ليبيا.
ويشير تحليل «ذا سنتري» لملفات الشركة «تشيسترتون غلوبال ليمتد» - الاسم الكامل للشركة - إلى أن استثمار عائلة «دبيبة» في الشركة ظل قائماً حتى عام 2017.
وذلك على الرغم من وجود نشرة حمراء من «الإنتربول» بحق «علي دبيبة»، ابن عم رئيس الوزراء الحالي ووريث العائلة، وتحقيق جارٍ في «اسكتلندا» بتهمة الاحتيال المرتبط باختلاس أصول الدولة الليبية خلال فترة ملكية عائلة «دبيبة».
تشير وثيقة مسربة حصلت عليها «ذا سنتري» تُفصّل أصولاً مزعومة لعائلة «دبيبة» في الشركة إلى أن حصص «تشيسترتون» كانت تُدار في جزر العذراء البريطانية عبر شركة وهمية تابعة لشركة «راولينسون آند هانتر ليمتد»، وهي شركة استشارات ضريبية ومحاسبية.
بيع تشيسترتونز والعقوبات على أشتون وكينلوس وباروك
جرى بيع شركة العقارات، التي أعيد تسميتها إلى «تشيسترتونز»، مقابل 100 مليون جنيه إسترليني في أكتوبر 2023.
طلبت «ذا سنتري» تعليقًا من صلاح موسى بشأن طبيعة العلاقة بين «تشيسترتونز» وعائلة «دبيبة»، لكنها لم تتلقَّ ردًا.
استُخدمت شركات «أشتون غلوبال إنفستمنتس» و«كينلوس بروبرتي»، المسجلتان في جزر العذراء البريطانية، و«باروك إنفستمنتس»، المسجلة في جزيرة مان، كأدوات لإدارة استثمارات «شركة لندن للاستثمار العقاري» في المملكة المتحدة، بما في ذلك المباني التجارية الثلاثة.
في عام 2011، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الشركات الثلاث، وأُدرجت هذه العقوبات لاحقًا في القانون البريطاني؛ ولا تزال المباني خاضعة للعقوبات البريطانية.
على الرغم من خضوع المالكين المسجلين للعقوبات، لا تزال مباني «14 كورنهيل»، «بورتمان هاوس»، و«بيوفورت هاوس» تُدرّ إيرادات، وبعد مرور 15 عامًا، لا تزال أوضاعها المالية غامضة.
أرباح مباني لندن وإدارة الخدمات
منذ عام 2011، حققت مباني لندن أكثر من 400 مليون جنيه إسترليني (نحو 538 مليون دولار أميركي)، وفقًا لما ذكره أحد المطلعين لـ«ذا سنتري». لكن لم تتمكن المنظمة من التحقق بشكل مستقل من هذا الرقم.
أعرب المصدر عن مخاوفه من أن شركات مثل وكيل العقارات «جيمس أندرو إنترناشونال» وشركة المحاسبة البريطانية «راولينسون آند هانتر ليمتد» قد تحقق أرباحًا طائلة من تقديم خدماتها لهذه الأصول. وتدير «جيمس أندرو إنترناشونال» العقارات الثلاثة جميعها، بالإضافة إلى مبنى مكاتب صغير في «مايفير» مملوك للشركة الأم لـ«ليتلإند إنترناشونال».
ولم تستجب «جيمس أندرو إنترناشونال» و«راولينسون آند هانتر» لطلب «ذا سنتري» للتعليق.
دور «راولينسون آند هانتر» في جزر العذراء وسويسرا
يشغل أحد موظفي «راولينسون آند هانتر» منصب عضو مجلس إدارة في كلٍ من شركتي «كينلوس بروبرتي» و«أشتون غلوبال إنفستمنتس» في جزر العذراء البريطانية.
وقد استخدمت شركة المحاسبة فرعها في جزر العذراء البريطانية كوكيل مسجل لشركة «أشتون غلوبال إنفستمنتس»، بينما استخدمت كيانًا سويسريًا - «راولينسون آند هانتر تراستيز إس إيه»، التي أصبحت في عام 2018 «شركة جنيف تراست كومباني إس إيه» - كوكيل لشركة «كينلوس بروبرتي».
كما ترتبط شركة «تشيسترتونز غلوبال بي في آي» بشركة «راولينسون آند هانتر». وتشتهر جزر العذراء البريطانية بكونها ملاذًا ضريبيًا للشركات، وكذلك سويسرا بأحكامها المتعلقة بالخصوصية المالية.
سرية الملكية وتسهيل الاحتيال
إن لجوء «هيئة الاستثمار» المحلية إلى ولايات قضائية سرية يُخفي الملكية المستفيدة لعقارات «14 كورنهيل»، «بورتمان هاوس»، و«بيوفورت هاوس»، مما يُسهّل عمليات الاحتيال من قِبل أطراف ثالثة ويجعل محفظة المملكة المتحدة عرضةً لسوء الإدارة.
بين العامين 2017 و2020، أُنشئت سلسلة من الشركات في جزر العذراء البريطانية وجزر كايمان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، تحمل أسماءً مشابهة لشركتي «أشتون غلوبال إنفستمنتس» و«كينلوس بروبرتي».
ومن خلال شبكة معقدة من هياكل الملكية، يبدو أن هذه الشركات تعود إلى المحتال المدان «ليزلي غايل-تشايلدز»، وعدد من الأشخاص الآخرين الذين لا تربطهم أي صلة واضحة بشركتي «أشتون» أو «كينلوس».
دعاوى غايل-تشايلدز أمام المحاكم البريطانية
رفع «غايل-تشايلدز» دعويين أمام المحاكم البريطانية ضد شركتين ليبيتين خاضعتين للعقوبات، وهما «كابيتانا سيز ليمتد» عام 2013 و«أشتون غلوبال إنفستمنتس» عام 2015.
وفي الدعوى المرفوعة ضد «أشتون غلوبال إنفستمنتس»، ادعى «غايل-تشايلدز» أنه مُنح توكيلاً رسمياً لمتابعة سداد قرض مزعوم بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني (نحو 269 مليون دولار أميركي بالأسعار الحالية) بالإضافة إلى الفوائد التي زُعم أنها دُفعت للشركة.
في كلتا الحالتين، عامي 2013 و2015، رفضت المحكمة البريطانية الدعويين. وفي عام 2020، قضت محكمة بريطانية بأن «غايل-تشايلدز» قدّمت عددًا «هائلًا» من الادعاءات والطلبات التي «شابتها الخداع والتضليل».
ولم تستجب شركات «أشتون غلوبال إنفستمنتس»، «كينلوس بروبرتي»، و«باروك إنفستمنتس» لطلب «ذا سنتري» للتعليق، مما يزيد من غموض الوضع المالي والأداء الإداري لهذه الأصول الليبية في لندن.
أبرز أصول مؤسسة الاستثمار في بريطانيا
«جاردين هاوس»
اشترت «سابتينا» هذا المبنى التجاري المكون من ثمانية طوابق، والذي يمتد على مساحة تقارب 10.000 متر مربع في قلب الحي المالي بلندن، في يونيو 1991 مقابل 35 مليون جنيه إسترليني (59.4 مليون دولار أميركي) عبر قرض مشترك مع «بنك ABC»، وهو بنك بريطاني مملوك بأغلبية ليبية. وجرى تسجيل كل من «سابتينا» و«LAFICO» كمالكين مسجلين، مع احتفاظ «سابتينا» بحق إدارة المبنى. وبحلول عام 2019، قدرت «رابطة الاستثمار الليبي» قيمة المبنى بـ72 مليون دولار أميركي، وهو تقدير منخفض بالنظر إلى قيم العقارات المماثلة في المنطقة.
ويُرجح أن هذا التقييم المنخفض يعكس حقيقة أن «جاردين هاوس» ظل شاغرًا منذ عام 2013، مما أدى إلى انخفاض قيمته مع استمرار تدهور حالته. وتُظهر الزيارات الميدانية للمبنى أنه مغلق بألواح خشبية، وأن العلامات الوحيدة على وجود شاغلين فيه هي كاميرات المراقبة ولوحات التحذير الأمنية ضد المتسللين. أظهر بحث في قاعدة بيانات «Co-Star» التجارية عدم وجود عقود إيجار جديدة منذ مايو 1988، حين جرى تأجير مساحة 1501 متر مربع لشركة «جاردينلويد تومسون» مقابل 15,000 جنيه إسترليني سنويًا. وتشير «Co-Star» إلى أن القيمة السوقية للعقار تبلغ حاليًا 575.80 جنيه إسترليني للمتر المربع، بقيمة إيجارية تقارب 5.6 مليون جنيه إسترليني (7.25 مليون دولار أميركي) سنويًا.
وبما أن آخر مستأجر غادر في عام 2013، فإن تقديرًا متحفظًا لخسارة إيرادات الإيجار منذ عام 2014 - محسوبًا باستخدام متوسط قيمة الإيجار لعام 2024 للمتر المربع وبافتراض أن المبنى بأكمله مؤجر بمعدل نمو سنوي قدره 3% منذ عام 2014 - يُظهر أن خسارة الدخل المرجح تجاوزت 59 مليون جنيه إسترليني (79 مليون دولار أميركي) بحلول نهاية عام 2025. ولا تشمل هذه الأرقام تكاليف التشغيل.
عقار رقم 24 شارع ريد ليون
اشترت «لافيكو» العقار رقم 24 في «شارع ريد ليون» عام 1998 بسعر لم يُفصح عنه، وقُدّرت قيمته بمليوني دولار أميركي عام 2019. ولا تزال «لافيكو» هي المالك المسجل، على الرغم من أن تقييم «شركة الاستثمار الليبي» لعام 2019 للمبنى يُشير إلى ملكيته لشركة «LTP»، إحدى الشركات التابعة الأخرى لشركة الاستثمار الليبي. وتتولى «سابتينا» إدارة العقار، وهو مبنى من أربعة طوابق يضم وحدة تجارية في الطابق الأرضي.
ويُذكر أن هذا المبنى الصغير المتعدد الاستخدامات، الذي يُعد استثمارًا غير معتاد لصندوق ثروة سيادي، قد جرى شراؤه كمقر إقامة لاتحاد الطلاب الليبي المؤيد بشدة للقذافي بهدف إقناع أعضائه بإخلاء القنصلية الليبية. وفي حين لا تزال الوحدة التجارية شاغرة، تشير زيارات «ذا سنتري» للمبنى إلى أن وحداته السكنية تُستخدم من قِبل مستأجرين من القطاع الخاص، وهو ما قد يُعد انتهاكًا لتجميد الأصول.
عقار رقم 1 كوينز جيت تيراس
اشترت «سابتينا» العقار رقم 1 «كوينز جيت تيراس» عام 2002 بسعر لم يُفصح عنه. يقع هذا المبنى السكني في حي «ساوث كنسينغتون» الراقي بلندن، ويتألف من تسع شقق موزعة على خمسة طوابق. وهو مسجل باسم «لافيكو»، على الرغم من أن موقع رابطة صناعة العقارات في لندن «LIA» يشير إلى ملكيته لشركة «LTP». وقدّرت الرابطة قيمة العقار بـ 10 ملايين دولار أميركي في عام 2019.
مبنى أوكوود مانشنز
اشترت «سابتينا» «مبنى أوكوود مانشنز» في عام 2002 مقابل مبلغ لم يُفصح عنه. وهو مبنى سكني يقع في حي راقٍ بلندن، وكان يشغله موظفو السفارة حتى مغادرتهم المملكة المتحدة مع اندلاع الانتفاضات في ليبيا عام 2011. مالكه المسجل هو «لافيكو»، عن طريق «سابتينا». ومع ذلك، وكما هو الحال مع العقارات الأخرى، تُدرج «رابطة صناعة العقارات في لندن» المبنى على أنه مملوك لشركة «LTP». وقد قيّمته الرابطة بـ10 ملايين دولار أميركي في عام 2019.
مبنى ريجنسي كورت
اشترت «لافيكو» مبنى «ريجنسي كورت» في عام 1990 مقابل مبلغ لم يُفصح عنه. وهو مبنى تجاري يقع في مدينة «ميلتون كينز»، على بُعد ساعة تقريبًا بالسيارة من لندن. يُستخدم المبنى كعنوان مسجل لشركة «سابتينا»، ولكنه يضم أيضاً عدداً من الوحدات التجارية المؤجرة حالياً. وقد قُدّرت قيمته بأربعة ملايين دولار في عام 2019.
14 كورنهيل
يشغل هذا المبنى مساحة 9719 مترًا مربعًا في الحي المالي بلندن، على بُعد خطوات من «بنك إنجلترا». ووفقًا لسجلات العقارات في المملكة المتحدة، جرى شراء المبنى مقابل نحو 119 مليون جنيه إسترليني (نحو 178 مليون دولار أميركي) في 15 ديسمبر 2008. تأسست «أشتون غلوبال إنفستمنتس»، المالكة «14 كورنهيل»، قبل ذلك بشهر واحد فقط، في 13 نوفمبر 2008. وفي عام 2019، قدّرت «رابطة الاستثمار في لندن» قيمة المبنى بـ 213 مليون دولار أميركي، بزيادة قدرها نحو 20%. ووفقًا لإحصاءات القطاع، تبلغ القيمة السوقية للمساحة المؤجرة نحو 12 مليون دولار أميركي سنويًا.
ومع ذلك، يبدو أن المبنى مشغول جزئيًا فقط. جزء من المبنى مُدرج على أنه متاح للاستخدام كمكاتب مُجهزة، ولم يُوقع سوى ثلاثة عقود إيجار مُسجلة منذ مارس 2014. وسجل بنك «في تي بي كابيتال» الروسي عنوانه في 14 كورنهيل في 13 يناير 2009، وأُفيد في عام 2022 أنه وقع عقد إيجار لمدة 20 عامًا لخمسة طوابق. ودخل فرع «في تي بي كابيتال» في المملكة المتحدة مرحلة التصفية في عام 2022، وواجه صعوبات في سداد الإيجار، وخضع هو نفسه للعقوبات.
ويذكر سجل الأراضي في المملكة المتحدة أن «أستون غلوبل إنفيستمنس» لا تزال مالكة 14 كورنهيل، على الرغم من أن تقييمات «ليا» العقارية تُدرج «لافيكو» كمالكة.
بورتمان هاوس
تأسست «كينلوس بروبرتي» في 8 يونيو 2009، وفي يوليو 2009 استحوذت على هذا المبنى التجاري الذي تبلغ مساحته 13.615 قدم مربع في «شارع أكسفورد»، منطقة التسوق الشهيرة بلندن. دفعت الشركة 155 مليون جنيه إسترليني (254.8 مليون دولار أميركي) مقابل عقد إيجار طويل الأجل حتى عام 2152.
وكان المبنى يُدرّ 11.5 مليون جنيه إسترليني سنويًا كإيجار. وقدّرت «هيئة الاستثمار العقاري البريطانية» قيمة المبنى بـ350 مليون دولار أميركي في عام 2019، بزيادة في القيمة تقارب 40%.
ويشير سجل الأراضي في المملكة المتحدة إلى أن «كينلوس بروبرتي» لا تزال مالكة «بورتمان هاوس»، على الرغم من أن تقييمات «هيئة الاستثمار العقاري البريطانية» للعقارات تُدرج «لافيكو» كمالكة.
مبنى بوفورت هاوس
جرى شراء «بوفورت هاوس» في عام 1993 بمبلغ لم يُفصح عنه. وهو مملوك لـ «هيئة الاستثمار العقاري البريطانية» من خلال «باروك إنفستمنتس» الخارجية. وقدّرت الهيئة قيمة المبنى في عام 2019 بـ343 مليون دولار أميركي. ويُستخدم حاليًا كمكاتب مُخدّمة من قِبل شركة «لاندمارك» المتخصصة في مساحات العمل المرنة.
تعليقات