تصدّرت حادثة تحطم الطائرة التي كانت تقل رئيس الأركان العامة بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» المشير محمد الحداد ومرافقيه عناوين الأخبار، وسط تساؤلات متزايدة حول إدارة التحقيقات الفنية المتعلقة بالصندوق الأسود والجهة المخولة بتحليله.
وتأتي هذه الأحداث في ظل رغبة مشتركة بين السلطات الليبية والتركية في كشف ملابسات الحادث، بعد أن اعتذرت ألمانيا عن إجراء تحليل الصندوق الأسود وجرى اقتراح نقل التسجيلات إلى دولة محايدة لاستكمال الإجراءات الفنية المتبعة في مثل هذه الحوادث.
في مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المذاع على قناة الوسط «WTV»، ناقش خبراء ومحللون سياسيون ليبيون وأتراك أبعاد الحادث من زوايا سياسية وتقنية وإنسانية، مؤكدين أن سقوط طائرة تقلّ قيادات عسكرية بارزة في مرحلة حساسة من الملف الليبي يضع مزيد الضغوط على التحقيقات ويثير جدلًا واسعًا حول الشفافية والمسؤوليات.
سقوط طائرة قيادات عسكرية لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية
قال المحلل السياسي إسلام الحاجي، إن حادث سقوط الطائرة يحمل تداخلًا واضحًا بين البعدين التقني والسياسي، مؤكدًا أن أي حادث يمس رأس الهرم العسكري لا يمكن عزله عن حسابات سياسية وأمنية أوسع.
وأوضح أن الطائرة كانت تقل شخصيات عسكرية قيادية ذات رتب عالية وخبرة طويلة داخل المؤسسة العسكرية، من بينها رئيس الأركان ومرافقوه، وهي شخصيات ليست عادية أو حديثة العهد بالمؤسسة.
وأشار الحاجي إلى أن أهمية الحادث تختلف جذريًا عن سقوط طائرة مدنية أو خاصة، خاصة في ظل الوضع الأمني الهش الذي تعيشه ليبيا، معتبرًا أن اللغط المصاحب للتحقيقات، والحديث عن نقل الصندوق الأسود أو البحث عن دولة محايدة لفحصه، يثير تساؤلات مشروعة.
وتساءل عن أسباب الخروج عن البروتوكولات المعروفة في حوادث الطيران، ولماذا اتخذت التحقيقات مسارًا يبدو سياسيًا أكثر من كونه تقنيًا بحتًا.
تحقيق دولي شفاف ضرورة تمس الأمن التركي والليبي
من جانبه، أكد الصحفي والمحلل السياسي التركي، بستان جميل أوغلو أن سقوط الطائرة لا يمكن النظر إليه من زاوية فنية فقط، نظرًا لحساسية المرحلة الإقليمية وتزامن الحادث مع تطورات سياسية وعسكرية مهمة، من بينها تمديد الوجود العسكري التركي، والتحركات الإقليمية في شرق المتوسط.
وأوضح أوغلو أن وجود الطائرة سابقًا في أثينا يفتح باب الشبهات، ما يستوجب تحقيقًا شفافًا بإشراف دولي، تشارك فيه فرق تركية وليبية.
وشدد على أن تركيا حريصة على كشف الحقيقة، سواء جرى فحص الصندوق الأسود في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا، مؤكدًا أن أي اختراق محتمل سيمثل مسألة خطيرة تمس أمن واستقرار تركيا بشكل مباشر، وليس ليبيا وحدها.
الرسالة التركية واضحة لكن الشبهات ستظل قائمة
بدوره، قال رئيس مجموعة العمل الوطني، خالد الترجمان إن فقدان هذه القيادات العسكرية يمثل خسارة كبيرة لمشروع توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، مؤكدًا أن الحادث يفتح باب التساؤلات حول تأمين تحركات الشخصيات العسكرية الرفيعة، واحتمالات وجود اختراقات أمنية.
وأشار الترجمان إلى أن قرار تركيا عرض ملف الصندوق الأسود على دول عدة يعكس رغبتها في إظهار الشفافية وإرسال رسالة للعالم بأنها تسعى للوصول إلى الحقيقة عبر طرف محايد، وليس من خلال قراءة الصندوق داخل أراضيها. لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن هذا المسار لم يمنع بقاء الشكوك، خاصة مع توقيت الحادث وتزامنه مع تغيرات في المسارات العسكرية غرب البلاد، وتصريحات القيادات الراحلة بشأن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
وأضاف أن سرعة حسم ملف الصندوق الأسود مسألة بالغة الأهمية، سواء لتركيا أو لليبيا، لتفادي التمطيط والتأجيل الذي قد يفاقم الشكوك ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري.
حساسية الضحايا تعقّد التحقيق وتطيل نتائجه
من جهته، أوضح الأكاديمي والباحث السياسي التركي، مهند حافظ أوغلو أن التحقيق ينقسم إلى شقين، الأول فني بحت ويتطلب وقتًا طويلًا، يشمل فحص الطائرة ومسارها وحالتها الفنية، إضافة إلى إجراءات تحديد الهويات. أما الشق الثاني، والأكثر تعقيدًا، فيرتبط بحساسية الشخصيات التي قُتلت في الحادث.
وأكد أوغلو أن الشكوك ستظل قائمة حتى في حال ثبت أن السبب خلل فني أو تقني، مشيرًا إلى أن بطء التحقيق لا يبدو روتينيًا، بل ناتجا عن توافق ليبي – تركي على التريث والتدقيق في كل خطوة.
ولفت إلى أن ملف الصندوق الأسود مرشح لأن يستغرق وقتًا طويلًا، خاصة مع ترجيح نقله إلى بريطانيا بعد اعتذار فرنسا.
واختتم بأن نتائج التحقيق، وطريقة إخراجها إعلاميًا، ستكون لها حسابات دقيقة وانعكاسات واسعة على الداخل الليبي، وعلى العلاقات العسكرية مع تركيا، محذرًا من أن إثبات أي عمل مدبر أو استهداف متعمد سيقلب المشهد بالكامل.
تعليقات