رصدت وزارة الخارجية الأميركية تدهورا في وضع حقوق الإنسان في ليبيا، وزيادة في قمع أصوات المعارضة، مع قيام السلطات الأمنية المرتبطة بالحكومتين في بنغازي وطرابلس باعتقال واحتجاز عديد النشطاء والصحفيين والمدونين تعسفيا مع الإفلات من العقاب، بدعوى «حماية القيم».
وفي تقريرها عن وضع حقوق الإنسان للعام 2024، نشر عبر الموقع الإلكتروني، قالت الخارجية الأميركية إن النساء الناشطات في المجتمع المدني أو المرشحات للمجالس البلدية تعرضن لمضايقات وتهديدات شديدة بما فيها تهديدات إلكترونية.
وأشارت إلى عدة قضايا تشوب وضع حقوق الإنسان في ليبيا بناء على تقارير موثوقة، شملت عمليات قتل تعسفية أو غير قانونية، وحالات اختفاء وتعذيب أو معاملة أو عقوبة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، واعتقال واحتجاز تعسفيين وانتهاكات خطيرة في الصراع، وتجنيد أو استخدام الأطفال بشكل غير قانوني من قبل الجماعات المسلحة، وقيود خطيرة على حرية التعبير وحرية الإعلام، بما في ذلك العنف ضد الصحفيين، والاتجار بالأشخاص، بما في ذلك العمل القسري وقيود كبيرة على حرية العمال في تكوين الجمعيات.
غياب الإرادة السياسية لمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان
كما استشهدت الخارجية الأميركية بتقارير عدة للأمم المتحدة خلصت إلى تعرض اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين إلى انتهاكات حقوق الإنسان، سواء في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية في أرجاء البلاد، بما في ذلك داخل مراكز احتجاز تديرها إدارة مكافحة الهجرة غير القانونية التابعة لـ«حكومة الوحدة الوطنية الموقتة»، وحرس الحدود التابع لوزارة الداخلية وكذلك عناصر من قوات «القيادة العامة».
وقالت الخارجية في تقريرها إن «حكومة الوحدة الوطنية اتخذت خطوات محدودة لتحديد ومعاقبة المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في المناطق الواقعة تحت سيطرتها. كما أن غياب الإرادة السياسية والقدرة على بسط السيطرة على مساحات كبيرة من البلاد حد أيضا من قدرتها على ذلك».
وذكرت أن انتهاكات واسعة النطاق منها التعذيب والقتل والاعتقال التعسفي مارستها مجموعات متحالفة مع «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» وقوات «القيادة العامة»، وكذلك أطراف دولية بما في ذلك قوات مرتزقة من دول مختلفة.
- «محامون من أجل العدالة» و«الدولية للحقوقيين» تطالبان «مجلس حقوق الإنسان» بالتحرك العاجل في ليبيا
- وسط تزايد الإعتقالات.. قلق دولي متزايد من انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا
- مفوض حقوق الإنسان: تلقينا تقارير باستخدام القوة المفرطة ضد الاحتجاجات في طرابلس
لكنها أشارت إلى صعوبة التأكد من «دور الحكومة في هذه المخالفات بسبب التحالفات المتغيرة بين مسؤولي الحكومة والمجموعات المسلحة غير التابعة للدولة والعناصر الحاليين والسابقين في الأجهزة الأمنية المشاركين في عمليات القتل خارج نطاق القانون».
ولفت التقرير إلى ما كشفته وسائل إعلام ليبية في فبراير الماضي، بخصوص مقتل عشرة أشخاص على الأقل داخل منزل في حي أبوسليم في العاصمة طرابلس، نتيجة نزاع بين صفوف «قوات دعم الاستقرار» التابعة لـ«حكومة الوحدة الوطنية الموقتة».
تدهور وضع حرية الصحافة
فيما يتعلق بحرية الصحافة، فقد أشار التقرير إلى رقابة واسعة النطاق على حرية الرأي والتعبير والصحافة من جميع الأطراف، مضيفا كذلك أن أطراف مسلحة متعددة، بعضها تابع لـ«حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» مارست رقابة كبيرة على المحتوى الإعلامي، كما استهدف مجهولون صحفيين انتقاما منهم بسبب عملهم الإعلامي.
وقالت الخارجية الأميركية أيضا إن حرية التعبير كانت محدودة قانونا وممارسة، مضيفة أن «مجلس النواب، منذ انتخابه بالعام 2014، وحكومة طرابلس منذ تنصيبها بالعام 2021، لم يتخذا ما يكفي لتقليل القيود المفروضة على حرية التعبير».
ورأت أن «قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية لعام 2022 يتضمن تعريفات فضفاضة حذر المدافعون عن حقوق الإنسان من أنها قد تمكن من مقاضاة التعبير السلمي، مثل بند يسمح باستخدام الإنترنت والتقنيات الحديثة فقط في حال احترام النظام العام والآداب العامة».
وأشار التقرير الأميركي إلى أن تهديدات التشكيلات المسلحة بقتل الناشطين دفعت منظمات المجتمع المدني إلى ممارسة الرقابة الذاتية، كما عمقت المناوشات في المناطق الحضرية الرئيسية مناخ الخوف، ووفرت غطاءً للجماعات المسلحة لاستهداف المعارضين الصريحين دون عقاب.
الاعتقال والاعتداءات الجسدية
ووثق تقرير لمنظمة «مراسلون بلا حدود» الدولية استخدام جميع الأطراف في ليبيا التهديدات والعنف لترهيب الصحفيين، مضيفا أن الانتهاكات والتهديدات والخطف والعنف والقتل جعل من المستحيل تقريبا بالنسبة إلى الإعلام العمل بحرية في مناطق عدة.
كذلك تحدث التقرير السنوي لمنظمة «فريدوم هاوس» حول حرية الإنترنت عن معاناة مستمرة للنشطاء والصحفيين بسبب انعدام الأمن الجسدي، حيث تعرض العديد منهم للخطف والاعتقال والاعتداء الجسدي بسبب نشرهم محتوى إلكترونيا يُعتبر ناقدا للنظام الحاكم. وأدى الإفلات من العقاب على الاعتداء على الإعلاميين إلى تفاقم المشكلة، في ظل غياب منظمات رصد أو قوات أمن أو نظام قضائي فعال لتقييد هذه الاعتداءات أو تسجيلها.
تورط حكومة طرابلس و«القيادة العامة» في الانتهاكات
وبحسب تقرير الخارجية الأميركية، فقد احتفظت عديد التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية الموالية لحكومة طرابلس أو «القيادة العامة» بقواعد بيانات لأشخاص مطلوبين بسبب معارضتهم أو بسبب هويتهم المزعومة.
دفع ذلك بعض الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان إلى مغادرة البلاد بدلا من البقاء داخلها والتعرض لتلك الانتهاكات والمضايقات. واستخدمت التشكيلات المسلحة وسائل التواصل الاجتماعي لمراقبة واستهداف المعارضين السياسيين وتغذية العنف وخطاب الكراهية، بحسب الخارجية الأميركية.
ففي يوليو الماضي، تحدثت صحافة محلية ودولية عن اعتقال الصحفي الاقتصادي أحمد السنوني، بعد أن نشرت مؤسسته الإعلامية وثائق يزعم أنها تكشف عن فساد مالي في وزارة الاقتصاد والتجارة بـ«حكومة الوحدة الوطنية الموقتة».
وخلال احتجازه، صور محققو جهاز الأمن الداخلي في طرابلس، اعترافا يُزعم أنه انتزع منه قسرا، حدد فيه السنوسي مصادره. ووفقا لتقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الصادر في أغسطس، اعتقل الجهاز لاحقا شخصين آخرين على الأقل على صلة بقضية السنوسي. وأفرج الجهاز عن السنوسي بعد ثلاثة أيام من الاحتجاز، عقب موجة استنكار محلية ودولية.
حقوق العمال
تطرق تقرير الخارجية الأميركية إلى وضع حقوق العمال في ليبيا، وقال إن القانون لم يوفر الحق للعمال بتشكيل نقابات مستقلة أو الانضمام إليها، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن الحكومة لم تطبق القوانين التي تحمي حقوق العمال وحريتهم في التجمع أو الإضراب بشكل فعال.
وقال أيضا قدرة الحكومة على إنفاذ قوانين العمل المعمول بها كانت محدودة. وقد أدى اشتراط توافق جميع الاتفاقيات الجماعية مع «المصلحة الاقتصادية الوطنية» إلى تقييد المفاوضة الجماعية.
وقد وجدت منظمة «فريدوم هاوس» أن الظروف الأمنية ونقاط الضعف في النظام القانوني حالت دون قيام النقابات بأنشطة المفاوضة الجماعية بشكل طبيعي.
حالات الاختفاء القسري والخطف
في سياق آخر، اتهم تقرير الخارجية الأميركية تشكيلات مسلحة موالية للحكومة في طرابلس و«القيادة العامة»، وأطرافا غير حكومية أخرى وعصابات إجرامية ومجموعات قبلية، بارتكاب عدد غير معروف من جرائم الاختفاء القسري في أرجاء البلاد.
وقال إن منظمات حقوق الإنسان محلية ودولية أفادت بأن أجهزة الأمن والجماعات المسلحة في جميع أنحاء البلاد أقدمت على إخفاء واحتجاز العشرات من نشطاء المجتمع المدني والسياسيين والقضاة والصحفيين قسرا، وذلك لإدلائهم بتعليقات أو ممارستهم أنشطة تعد انتقادية للحكومة أو «القيادة العامة».
كما احتُجز بعض الأفراد بشكل غير قانوني ثم أُفرج عنهم لاحقا، بينما عُثر على جثث أشخاص مفقودين ومختفين آخرين في مواقع مختلفة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في مقابر جماعية. ولم تبذل السلطات جهودا فعالة تُذكر لمنع حالات الاختفاء القسري أو التحقيق فيها أو معاقبة مرتكبيها.
كما ذكر التقرير أن اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين والعمال الأجانب هم الأكثر عرضة للخطف والاحتجاز القسري. وقد وثقت البعثة الأممية للدعم في ليبيا تقارير بأن مئات المهاجرين وطالبي اللجوء الذين اعترضهم خفر السواحل الليبي اختفوا. كما أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن هؤلاء يظلون عرضة للاحتجاز على يد التشكيلات المسلحة المتورطة في أنشطة تهريب المهاجرين أو الاتجار في البشر.
احتجاز مطول من دون تهم
ورصدت الخارجية الأميركية زيادة في حالات الاحتجاز المطول من دون توجيه تهم رسمية، وقالت إن «سيطرة الحكومة على الشرطة والجماعات المسلحة التي توفر الأمن الداخلي ضعيفة، وقامت بعض الجماعات المسلحة بتنفيذ اعتقالات غير قانونية وتعسفية دون عوائق».
وعلى الرغم من كون ليبيا دولة موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، التي تحظر احتجاز الأطفال، أفادت «يونيسف» في أكتوبر الماضي بأن السلطات استمرت في احتجاز الأطفال المهاجرين بشكل تعسفي في مراكز الاحتجاز في طرابلس وحولها، بما في ذلك مركز احتجاز أبوسليم، ومركز احتجاز غير رسمي في بئر الغنم.
وأشار التقرير إلى أن ما وصفته بـ«الغموض في لغة القانون الذي يسمح للقضاة بتجديد فترة الاحتجاز إذا كان المشتبه به مثيرا للاهتمام للتحقيق أدى إلى تمديد فترات الاحتجاز قبل المحاكمة».
كما اتهم الجماعات المسلحة باحتجاز معظم معتقليها دون تهمة، وخارج نطاق سلطة الحكومة. ومع انقسام السيطرة على البيئة الأمنية بين مختلف الجماعات المسلحة، ووجود نظام قضائي لا يوفر حماية كافية للمعتقلين، حالت الظروف دون حصول معظم هؤلاء المعتقلين على الإجراءات القانونية الواجبة.
الإفلات من العقاب
وترى الخارجية الأميركية أن حالة الإفلات من العقاب هي المعضلة الرئيسية التي تشوب الأجهزة الأمنية في ليبيا، وقالت إن «حكومة طرابلس اتخذت خطوات محدودة للتحقيق أو محاسبة أو معاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الواقعة تحت سيطرتها»، مضيفة أن «الاعتبارات السياسية حدت من قدرتها ورغبتها في محاسبة ومعاقبة المسؤولين».
وأشارت إلى تقارير موثقة من قبل منظمات دولية رصدت حالات عنف واسعة النطاق ضد النساء والفتيات، وكذلك ضد الرجال والفتيان. وأفاد مراقبون بأن الاغتصاب استُخدم في كثير من الأحيان كشكل من أشكال التعذيب، وأدى في بعض الحالات إلى الوفاة.
تعليقات