Atwasat

ماذا تعني زيارة مستشار ترامب بالنسبة إلى الأزمة السياسية في ليبيا؟

القاهرة - بوابة الوسط: ترجمة هبة هشام الإثنين 28 يوليو 2025, 08:51 مساء

اعتبر مقال نشرته جريدة «أراب ويكلي»، ومقرها بريطانيا، أن زيارة مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، إلى ليبيا كانت لتأكيد الاهتمام الأميركي بالملف الليبي، وليس تحقيق ما وصفه بـ«صفقة كبرى»، مشيرًا إلى أنها تعكس تغيُّرًا في الدبلوماسية الأميركية، وإعادة معايرة للعلاقات مع ليبيا التي تحمل فرصًا استراتيجية متعددة بالنسبة إلى إدارة ترامب.

BCD Ad BCD Ad

وقال الكاتب والباحث في شؤون الأمن والإرهاب، ياسين فواز، إن «زيارة بولس إلى ليبيا كانت الإشارة الأكثر وضوحًا حتى الآن على الاهتمام الأميركي المتجدد بليبيا خلال الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب».

تحرك محسوب
كما أضاف أن «رحلة المستشار الأميركي إلى ليبيا تعكس تحركًا محسوبًا بدقة: محاولة واشنطن إعادة تأكيد نفوذها في بلد ظل عالقًا لفترة طويلة بين الحكومات المتنافسة والتشكيلات المسلحة والقوى الأجنبية».

ورأى أن «استراتيجية ترامب في أفريقيا تتجسد ليس فقط في السياسة لكن في شخص مسعد بولس»، لافتًا إلى صلة القرابة الوثيقة التي تجمع الرجلين، مضيفًا أن ظهور بولس الآخذ في النمو، لا سيما في البلدان حيث تعطلت القنوات الدبلوماسية الرسمية، قد جذب الأنظار في واشنطن وخارجها.

ويُنسَب إلى بولس الفضل في التوسط لتوقيع اتفاق سلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية منذ أسابيع، ودوره في تسهيل محادثات رفيعة المستوى التي أفضت إلى توقيع اتفاق تاريخي بين البلدين في البيت الأبيض.

تكرار نموذج اتفاق رواندا – الكونغو
وتساءل الكاتب ما إذا يمكن لبولس تكرار ولو جزء بسيط من النجاح الذي حققه في الأزمة بين رواندا والكونغو في ليبيا، وقال: «إذا تمكن من ذلك، سيكون هناك أمل في إقناع رئيس (حكومة الوحدة الوطنية الموقتة) عبدالحميد الدبيبة، وقائد (القيادة العامة) المشير خليفة حفتر، بالجلوس على طاولة واحدة، ربما في واشنطن، للتفاوض من أجل المضي قدمًا».

لكنه عاد وأكد أن الأمر سيكون رهانًا محفوفًا بالمخاطر، بالنظر إلى المصالح المتضاربة والتدخلات الخارجية التي ستقف غالبا في مسار إحراز أي تقدم.

وقال: «زيارة بولس إلى ليبيا كانت بجميع المقاييس غير مسبوقة بالنسبة إلى شخص في منصبه: فقد شملت عاصمتين وحكومتين، فيما تقف عملية سياسية بالغة الحساسية على المحك».

نهج غير تقليدي
ووصف الباحث نهج بولس في السياسة الخارجية بـ«غير التقليدي لكن فعال»، وقال: «في الوقت الذي تتعثر فيه الدبلوماسية التقليدية، يمنح نهجه العملي الأولوية للنتائج الفعلية وليس الخطابات الجوفاء».

وأضاف: «يعتنق بولس الهوية المزدوجة التي تشكل ليبيا، العربية والأفريقية، لبلورة رؤيته طويلة الأجل للقارة الأفريقية بما في ذلك ليبيا. لقد كنت شاهدًا عن قرب على قيم عائلة بولس العميقة وحبه لأفريقيا».

وقد التقى بولس في طرابلس بالدبيبة، حيث استقبل كمستثمر محتمل. وعرض الدبيبة شراكة اقتصادية بقيمة 70 مليار دولار تشمل مشاريع بالبنية التحتية والطاقة والاتصالات وغيرها. وفي بنغازي، تبنى بولس نغمة مغايرة، حيث أشاد بجدية القيادة العسكرية في مسعاها لتحقيق الوحدة الوطنية. كما التقى بشكل منفصل رئيس أركان القوات البرية التابع لـ«القيادة العامة»، الفريق صدام خليفة حفتر.

علانية، أكد بولس خلال الزيارة الدعم الأميركي لوحدة واستقرار ليبيا وتوحيد المؤسسات الحكومية. في حين قالت مصادر إن الاجتماعات في طرابلس وبنغازي ناقشت أمورًا مثل النفط والتنسيق الأمني والدعم الأميركي المحتمل لخارطة طريق طال تأجيلها لإجراء الانتخابات الوطنية.

يعكس ذلك، بحسب المقال، إعادة معايرة أميركية للعلاقات مع ليبيا، حيث ترى الإدارة في ليبيا فرصًا استراتيجية متعددة، فهي بوابة إلى قطاع الطاقة في أفريقيا، وفرصة للتحقق من النفوذ الروسي، ورمز لدبلوماسية «الرجل القوي» التي ينتهجها ترامب.

صفقة الـ70 مليار دولار
في معرض حديثه عن تفاصيل الزيارة، تطرق الباحث إلى اللحظة الأكثر إثارة للاهتمام وهي مقترح الشراكة الذي قدمه الدبيبة بقيمة 70 مليار دولار مع الولايات المتحدة.

ويرى نقاد ومراقبون أن قيمة تلك الشراكة مبالغ فيها، مجرد مغامرة سياسية لجذب الانتباه الأميركي، ومحاولة لعكس نفوذ حفتر المتنامي. غير أن المقال أشار إلى أن عرض الشراكة شمل بعض التخصصات بعينها، مثل البنية التحتية للغاز الطبيعي وتحديث قطاع الاتصالات وبناء المستشفيات ووسائل النقل السريع، وهي قطاعات لطالما ترددت الشركات الأميركية في العمل بها بالنظر إلى انعدام الاستقرار المستمر في ليبيا.

ويرى الباحث الأمني أن «عرض الشراكة لا يتعلق بالأموال فحسب، بل هو رسالة استراتيجية، مفادها أن ليبيا ترغب في أن تعمل الولايات المتحدة كثقل مواز لتركيا وإيطاليا وقطر، وهي القوة التقليدية الداعمة لطرابلس».

وقال: «يأمل فريق الدبيبة أن الشراكة الاقتصادية ستجعل واشنطن أكثر التزاما بالحفاظ على الشرعية الهشة لـ(حكومة الوحدة الوطنية الموقتة)، وبالتبعية تعزيز قبضة الدبيبة على السلطة».

وأضاف: «تمثل الصفقة بين شركة مليتة للنفط والغاز وشركة (هيل إنترناشيونال) الأميركية بالنسبة إلى الدبيبة فرصة لإضفاء الشرعية على دعايته بالانفتاح أمام الأعمال. أما بالنسبة إلى واشنطن، فهي تمثل موطئ قدم استراتيجي في قطاع التصدير الأكثر قيمة في ليبيا، ويوازن بين الفرص التجارية والأهمية الجيوسياسية».

نغمة مختلفة في بنغازي
أما في بنغازي، فيقول الباحث إن «النغمة كانت أقل من حيث الاهتمام التجاري لكنها لم تكن أقل تأثيرًا. المشير حفتر لا زال أحد أقوى الرجال في ليبيا ليس فقط عسكريًا لكن أيضًا لكونه الحاكم الفعلي لمنطقة شاسعة تضم حقول نفطية وموانئ ومسارات للتهريب».

وأشار إلى «توجه من قبل المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم بولس، للاعتراف بهذه الحقيقة. وخلال اجتماعه مع حفتر، ركز بولس على توحيد المؤسسات، ودمج المؤسسات العسكرية والقطاعات الاقتصادية».

وأضاف: «يقال إن حفتر مهتم بتجاوز الانقسامات إذا كانت الدولة الموحدة بالنهاية تحت سيطرته. قامت قواته بمحاولات سابقة للاندماج، كما أن السيطرة المتنامية لابنه صدام على أموال الأمن وإعادة الإعمار تشير إلى نموذج حكم سلالي».

وتابع: «إلا أن تعامل حفتر مع واشنطن يشير إلى أمر واضح، وهو رغبته في الفوز بالاعتراف، وربما حتى تأمين دور، لنفسه أو أحد أبنائه، في تشكيل مستقبل ليبيا بعيدا عن صوت السلاح».

- «جون أفريك» تكشف كواليس زيارة بولس لبنغازي وطرابلس وباريس.. وردود فعله من قيس سعيد
- جريدة «الوسط»: ظل ترامب يرافق عرض الـ70 مليار دولار
- حضرت «الصفقات» وغابت «المبادرات».. ما رسائل زيارة صهر ترامب إلى ليبيا؟

أهمية زيارة بولس
إلى ذلك، تساءل المقال ماذا حققت زيارة بولس إلى ليبيا نجاحًا؟ وأجاب أنها لم تحقق أي اتفاقات جديدة من الناحية العلمية باستثناء الصفقة مع شركة «هيل إنترناشيونال»، كما لم تعلن عن إطار زمني للانتخابات أو سحب القوات الأجنبية.

لكن من الناحية الرمزية يؤكد الكاتب الأهمية التي تمثلها الزيارة من نواحٍ عدة. أولًا، فقد أعادت تأكيد الحضور الأميركي في صراع غالبًا ما تُرك للقوى الإقليمية والتناقض الأوروبي. وثانيًا، فقد وازنت زيارة بولس الصورة، ومنحت كلا الفصيلين وزنًا متساويًا، على الرغم من تنافسهما على الشرعية.

أما ثالثًا، فقد فتحت الزيارة قنوات جديدة للدبلوماسية الاقتصادية، حيث اقترح بولس إرسال وفود متابعة من المستثمرين والمستشارين الأمنيين الأميركيين في الأشهر المقبلة.

والأمر الأكثر أهمية، بحسب المقال، هو أنها عكست رغبة إدارة ترامب في تجاوز الدبلوماسية التقليدية صوب صوب تفاعل قائم على المعاملات، تنطوي على «مكافأة أي شريك ليبي بإمكانه توفير المزيج الأفضل من الاستقرار والوصول إلى النفط والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب».

استبدال النظام القديم
وفي معرض مقارنته بين المشهد السياسي في ليبيا اليوم والمشهد إبان حكم معمر القذافي السلطوي، يؤكد الباحث أن التحدي الأكبر اليوم هو استبدال قبضة القذافي الاستبدادية بحكم شامل يحترم هويتي ليبيا العربية والأفريقية، ويوازن بين المصالح الإقليمية، ويعيد بناء المؤسسات الوطنية القادرة على تحقيق الأمن والازدهار.

ويؤكد أن الأمر يتطلب نهجًا دبلوماسيًا عمليًا وحساسًا تجاه المشهد الاجتماعي الفريد في الداخل، وهو نهج يبدو أن شخصيات مثل مسعد بولس تختبره من خلال تواصلها مع القادة في شرق وغرب البلاد.

وأضاف أيضًا أن «المسار صوب الوحدة سيتطلب على الأرجح تنازلات تحترم التنوع، مع ترسيخ رؤية وطنية مشتركة، وهي عملية أكثر تعقيدًا وحساسية مما كان عليه نظام القذافي المركزي».

وأشار في الوقت نفسه إلى «أن المخاطر لا تزال مرتفعة. فالتعامل مع كلا الطرفين من شأنه ترسيخ الوضع القائم، ويعزز الانقسام بدلا من علاجه. كما أن هناك خطر إضفاء الشرعية الجهات الاستبدادية، إن لم تكن الفاسدة، مع تهميش المجتمع المدني والإصلاحات الديمقراطية والعملية الانتخابية التي طال تأجيلها».

الحرب لم تنته
كما يرى الباحث أن «الحرب الأهلية في ليبيا ربما تكون متجمدة لكن لم تنته. واليوم، تدور المعركة للسيطرة على المؤسسات والعوائد النفطية والاعتراف الدولي. وتبرز زيارة بولس كيف تدار تلك الحرب في المجالس الدبلوماسية وليس فقط عند الجبهة».

واعتبر أنه لا زال من المبكر تحديد ما إذا يمكن للتعامل الأميركي قلب الموازين صوب الوحدة، أم مجرد محاولة لتعزيز النفوذ في دولة تعاني انقسام دائم، وقال: «هناك أمر واحد واضح هو أن ليبيا تشتعل من جديد. وهذه المرة، تراقب أميركا الوضع عن كثب».

وأضاف: «زيارة بولس ربما أعادت فتح القنوات الدبلوماسية، لكنها لم تحل المعضلة الأساسية التي تطارد ليبيا: وهي كيفية توحيد بلد به حكومتان متنافستان وعشرات من التشكيلات المسلحة، بدون خارطة طريق مشتركة».

انقسام مستمر
إلى ذلك، يرى الباحث أن «السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الانقسام، مع تعاون تكتيكي بحسب المصالح، مثل توزيع العوائد النفطية أو التعاون الأمني أو تطوير البنية التحتية. أظهرت زيارة بولس رغبة طرابلس وبنغازي في التعامل مع واشنطن، لكن لا يبدو أن أيًا منهما مستعد للتنازل عن السلطة».

غير أنه عاد وأشار إلى أن «نهج بولس العملي المعتمد على الحوافز الاقتصادية ربما يغير منطق التعامل. وإذا حافظت واشنطن على علاقات متوازية مع الفريقين في الشرق والغرب، يمكنها ممارسة ضغوط صوب تعايش مصلحي. قد لا يبدو هذا كعملية تسوية سلمية تقليدية، لكنه قد يسهم في تهدئة الأوضاع وتمهيد الطريق لإعادة بناء المؤسسات لاحقًا».

ورأى الباحث أن «مستقبل ليبيًا ليس مهيئًا بعد لاختراق دراماتيكي، بل مفاوضات طويلة غير متكافئة. وإذا كانت الإدارة الأميركية جدية، فعليها الاستعداد لعمل بطيء، سيكون غير مثمر غالبًا، لإعادة بناء الدولة الممزقة. وهذا يتطلب درجة عالية من الصبر والمرونة، وهو ما تفتقر إليه الدبلوماسية الأميركية في أغلب الأحيان».

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
مستودع سبها النفطي يواصل استقبال إمدادات الوقود لدعم المنطقة الجنوبية
مستودع سبها النفطي يواصل استقبال إمدادات الوقود لدعم المنطقة ...
«الإسكان»: نعمل على حل عراقيل طريق غودش بتاجوراء
«الإسكان»: نعمل على حل عراقيل طريق غودش بتاجوراء
صدام حفتر: ترحيل فوري لمخالفي الإقامة في ليبيا
صدام حفتر: ترحيل فوري لمخالفي الإقامة في ليبيا
مدير مركز الامتحانات محذرًا من الغش: 40% من أسئلة الشهادة الإعدادية مصدرها الكتاب المدرسي
مدير مركز الامتحانات محذرًا من الغش: 40% من أسئلة الشهادة ...
في ظل الرفض الليبي لـ«التوطين».. إيطاليا تعلن انخفاض أعداد المهاجرين إليها بنحو 50%
في ظل الرفض الليبي لـ«التوطين».. إيطاليا تعلن انخفاض أعداد ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم