اقترح صندوق النقد الدولي خطة شاملة لإصلاح نظام دعم الطاقة في ليبيا، يصل فيها سعر لتر البنزين إلى 3.3 دينار مقابل 0.15 دينار حاليا، وذلك بعد 3 سنوات، يلغى خلالها نصف الدعم الحالي في أول عام، ثم النصف الثاني على عامين متتاليين، ويقدم دعما نقديا يصل إلى 509 دنانير شهريا لكل مواطن.
جاءت خطة الصندوق في ورقة بحثية نشرها عبر موقعه الإلكتروني أمس الجمعة، دعا فيها إلى وضع آلية تسعير تلقائية للوقود، تعكس أي تغيير في الأسعار العالمية، سواء بالزيادة أو الانخفاض، مشيرا إلى إمكان تخفيف «أي آثار محتملة لإلغاء الدعم» على السكان بتقديم دفعات نقدية لهم، بنحو 217 دينارا شهريا لكل مواطن خلال العام الأول من خطة رفع الدعم، ثم زيادة ذلك إلى 509 دنانير شهريا في العام الخامس، بعد الانتهاء تماما من الخطة، والقضاء على أنشطة التهريب.
خطة إصلاح نظام دعم الطاقة
قال صندوق النقد إن المشهد السياسي المعقد في ليبيا يستلزم نهجا حذرا واستراتيجيا في تنفيذ خطة إصلاح نظام دعم الطاقة، حيث تعتمد الخطوة الأولى على إجراء تقييم شامل لاحتياجات الوقود كمرحلة أولى أساسية عبر إنشاء لجنة مستقلة، تمثل جهات مختلفة لتقييم احتياجات الوقود الفعلية، بما يتماشى مع أعراف الاستهلاك الدولية، سواء للأفراد أو المؤسسات، وبالتالي تقييد الواردات بناء على تلك الاحتياجات.
أما الخطوة الثانية فتعتمد على إعادة هيكلة أنظمة التوزيع والتحصيل قبل تطبيق أي إصلاحات، وهنا يؤكد صندوق النقد أن أي زيادة في أسعار الوقود لن تكون فعالة مع غياب الرقابة على سلاسل الإمداد المحلية.
ويقترح تأمين أنظمة التوزيع من خلال نظام مراقبة رقمي يتعقب كميات الوقود في أثناء مراحل الإنتاج والتخزين والتوزيع إلى نقاط البيع الأخيرة، لتحديد مواطن التهريب خارج الشبكة الرسمية.
وأوصى صندوق النقد أيضا بوضع استراتيجية شاملة للتواصل مع الجمهور، تتسم بالوضوح والشفافية، لتثقيف المواطنين بشأن الخسائر والمنافع لخطة الإصلاح. وينبغي الإفصاح عن الميزانية الضخمة المخصصة لدعم الطاقة، وعيوب النظام الحالي، وكيفية تعويض المواطنين عن الزيادات المتوقعة في الأسعار.
ويؤكد الصندوق الدولي ضرورة أن تكون الزيادات المقترحة في أسعار الوقود كافية للقضاء على أنشطة التهريب، مضيفا: «النهج التدريجي هو الأفضل للإصلاح نظام الدعم. وبالنظر إلى التفاوت الكبير في الأسعار، وأنشطة التهريب واسعة النطاق، قد تكون الزيادة المبكرة الأنسب في حالة ليبيا».
إلغاء دعم الوقود خلال 3 سنوات
يقترح الصندوق الدولي إلغاء نصف الدعم الحالي المخصص للبنزين والديزل في العام الأول من خطة الإصلاح، ثم إلغاء النصف الثاني تدريجيا على مدى العامين التاليين، بالتوازي مع إصلاح تدريجي لدعم الكهرباء وأنابيب الغاز على مدى خمس سنوات.
وبحسب بيانات أوردها التقرير، فإن الهدف هو رفع سعر البنزين والديزل من 0.15 دينار، هو سعر اللتر حاليا، إلى 1.5 دينار في العام الأول من خطة الإصلاح، وإلى 3.3 دينار في العام الثالث. كذلك زيادة تعريفة الكهرباء من 0.04 دينار لكل كيلو واط/السعة إلى 0.5 دينار في العام الثالث من خطة الإصلاح.
وبعد إلغاء الدعم بشكل كامل، اقترح صندوق النقد آلية تسعير تلقائية، لتجنب أي تراكم إضافي في فجوات الأسعار. ومن شأن تلك الآلية عكس أي تغيير، سواء بالزيادة أو الانخفاض، في أسعار الوقود عالميا إلى السوق محليا، بناء على صيغة تسعير تضع في الاعتبار الأسعار العالمية والضرائب وتكلفة النقل.
- الدبيبة يطرح 3 بدائل لدعم الوقود
- خلال اجتماع مع «المركزي».. حكومة حماد: الموافقة على رفع الدعم عن المحروقات
- لهذا السبب.. البنزين في ليبيا الأرخص عالميًّا
- هل اقتربت خطوة رفع الدعم؟.. خبراء يجيبون لقناة «الوسط»
ومن أجل تخفيف أي آثار محتملة لإلغاء الدعم على السكان، يقترح صندوق النقد تخصيص دفعات نقدية مباشرة للمواطنين، مشيرا إلى برامج اجتماعية قائمة بالفعل يمكن توسيع نطاقها بسهولة، لتشمل التحويلات المالية المتعلقة بالدعم.
ويمكن للتحويلات النقدية إما استهداف الشرائح الأدنى من السكان بناء على الدخل، أو توسيع نطاقها، لتشمل جميع السكان بشكل موحد. واقترح الصندوق تحويلا نقديا لكل مواطن بـ217 دينارا شهريا في العام الأول، وزيادته إلى 509 دنانير شهريا في العام الخامس، بعد إلغاء كامل الدعم والقضاء على أنشطة التهريب.
عراقيل أمام إصلاح نظام الدعم
وثق صندوق النقد عددا من العراقيل الأساسية أمام إصلاح نظام دعم الوقود في ليبيا، أولها معارضة من وصفها بـ«مجموعات المصالح الخاصة التي تعرقل أي أجندة للإصلاح»، مشيرا أيضا إلى أن غياب الأمن وانتشار التشكيلات المسلحة مكنا أنشطة التهريب واسعة النطاق التي يستفيد منها أصحاب النفوذ.
وقدرت بيانات الصندوق الدولي مكاسب تهريب الوقود المدعم بـ0.7 دولار لكل لتر من الوقود، مما يدر أرباحا سنويا تبلغ ثلاثة مليارات دولار على الأقل إلى الجهات المستفيدة. لهذا، فإن اقتراح أي خطة للإصلاح سيضر هذه التجارة المربحة، وسيُقابل بمعارضة قوية من بعض أصحاب المصلحة، مما قد يؤدي إلى تصاعد العنف بين الفصائل الساعية لحماية مصادر دخلها، بحسب تقرير صندوق النقد.
العقبة الثانية هي غياب حكومة موحدة، فالانقسام العميق في ليبيا وغياب حكومة موحدة يؤديان إلى تضارب المصالح والأهداف، ويجعل من الصعب التوصل إلى توافق بشأن القضايا العاجلة.
أما العقبة الثالثة فهي انعدام الثقة في النظام السياسي، مما يثير مخاوف المواطنين بشأن قدرة الحكومة على توفير تعويض ملائم في حال جرى إلغاء نظام دعم الوقود. وقد تسببت تلك المخاوف في فشل عدة محاولات سابقة لإصلاح نظام دعم الطاقة.
17 مليارات دولار فاتورة دعم الطاقة في 2024
وبحسب بيانات صندوق النقد، فقد مثل دعم الوقود المباشر ثلث العائدات المالية، و20% من إجمالي الناتج المحلي لعام 2024. وعلى الرغم من الثروة النفطية الهائلة التي تملكها ليبيا، إلا أنها تستورد الجزء الأكبر من الوقود بسبب الافتقار إلى قدرات التكرير محليا.
وقفزت واردات الوقود من 3 مليارات دولار بين عامي 2016 – 2016 إلى 9 مليارات دولار في العام 2024. ومع إضافة نفقات تكرير النفط الخام محليا والغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، والمقدر بـ3.9 مليارات دولار و4 مليارات دولار على التوالي، ترتفع فاتورة دعم الطاقة إلى 17 مليار دولار في العام 2024، ما يعادل 35% من إجمالي الناتج المحلي.
تزامنت القفزة في الواردات مع تبني نظام لمقايضة النفط الخام منذ نهاية العام 2021، إذ بدأت المؤسسة الوطنية للنفط بتطبيق نظام مقايضة الخام بالوقود المكرر، لتعويض النقص في مخصصات الميزانية.
ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الكميات المستوردة من منتجات الوقود بنسبة 50%. يمثل البنزين والديزل الجزء الأكبر من استهلاك الوقود، حيث تمثل الواردات حاليا حوالي 90% و70% من إجمالي الاستهلاك، على التوالي.
الأسعار المنخفضة تمكن الفساد والتهريب
إلى ذلك، أكد صندوق النفد أن الأسعار المخفضة شجعت الفساد وأنشطة التهريب العابرة للحدود، وربط بين الزيادة الحادة في الكميات المستهلكة من الديزل والوقود والزيادة في أنشطة التهريب إلى البلدان المجاورة.
وأشار إلى تقديرات محلية بأنه يجري تهريب 30% من الوقود المستورد، لافتا إلى أن «شبكات التوزيع هي المشتبه به الرئيسي». وقال: «غياب رقابة قوية على أنظمة التوزيع يسهل تحويل كميات الديزل والبنزين المخصصة من شبكات التوزيع الرسمية، سواء إلى السوق السوداء داخل ليبيا أو عبر الحدود إلى الدول المجاورة».
كما رأت الهيئة الدولية أن «نظام تحصيل العائدات متدن للغاية. إذ أظهر البيان المالي السنوي وتقارير ديوان المحاسبة فجوات كبيرة بين العائدات المقدرة من بيع الوقود والكهرباء محليا والعائدات الفعلية التي يجري نقلها إلى الحكومة. علاوة على ذلك، لا يقوم غالبية المواطنين بدفع فواتير الكهرباء بالرغم من التعرفة المنخفضة لها، يؤكد أن المشكلة الأساسية ليست السعر لكن الحاجة إلى وضع نظام تحصيل قوي أولا»
تعليقات